خاص هيئة علماء فلسطين

    

د. وصفي عاشور أبو زيد

أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشّريعة الإسلاميّة المشارك

ملخص:

إن التعامل مع قضية فلسطين وفق الرؤية المقاصدية أمر بالغ الأهمية والأثر، فهو مهم لأنه يوفر أرضية مشتركة بين المختلفين يتلاقون عليها، ولأن النظر المقاصدي نظر معياري حاكم يفيد في التقويم والتقييم ووضع الوسائل المناسبة والحلول الناجعة التي تؤدي لتحقيق الهدف، كما أن الاتفاق على الأهداف يعين على الوحدة للعمل ضد المحتل حتى التحرير؛ لما للمقاصد من ميزة تقليل الاختلاف وتوسيع الاتفاق. فإلى أي حد تقوم المقاصد العالية والمقاصد العامة والمقاصد الخاصة بفلسطين بوظيفة الوحدة بين العاملين لقضية فلسطين، وتسهم في الوصول للتحرير وإجلاء العدو، وما الفوائد المترتبة على تحكيم مقاصد الشريعة في النظر والعمل؟ هذا ما تدور عليه مادة هذا البحث.

الكلمات المفتاحية: فلسطين، مقاصد الشريعة، الجهاد، التحرير، الوحدة.

Summary:

Dealing with the issue of Palestine according to the Maqasid view is very important and impactful, as it is important because it provides a common ground for the different parties to converge on, and because the Maqasid view is a normative and governing view that is useful in evaluation, assessment, and the development of appropriate means and effective solutions that lead to achieving the goal, just as agreement on goals helps on unity to work against the occupier until liberation; The purposes have the advantage of reducing disagreement and expanding agreement.

To what extent do lofty goals, general goals, and goals specific to Palestine function as unity among those working for the cause of Palestine, and contribute to achieving liberation and the evacuation of the enemy? This is what the subject of this research revolves around.

Keywords: Palestine, purposes of Sharia, jihad, liberation, unity.

مقدّمة

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،

إنّ قضيّة فلسطين بما تتضمّنه من القدس الشّريف وبيت المقدس، وما لها من قداسة وأهمّيّة عقديّة وتاريخيّة وحضاريّة، لَتُعَدُّ من أهمّ القضايا التي تشغل المسلمين والعالم؛ ذلك أنّها قضيّة المسلمين جميعًا وليست قضيّة الفلسطينيّين وحدهم، وفيها آثارهم العقديّة والتّاريخيّة والحضاريّة، وهي وقف للمسلمين لا يجوز لأحد أن يفرّط فيه أو يتنازل عنه.

ولقد مثَّلت فلسطين منبعًا للصّراع والتّدافع العالميّ عبر القرون، كما كانت “تيرمومترا” أو مؤشّرًا لحالة الأمّة من الوعي والسّعي أو من التّخلّف والضّعف، فإذا كانت هناك انتفاضات وجهاد وتحرير فهي علامة على فاعليّة الأمّة وقوّتها ووحدتها وتماسكها، وإذا وقعت تحت الاحتلال دون مدافعة مكافئة تحرّر الأرض وتطرد العدّو المحتلّ كان أمارة على تفرّق الأمّة وضعف فاعليّتها.

كما أنّ المشتغلين لأجل القضيّة والمرابطين على ثغورها الفكريّة والعسكريّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة دائمًا كانوا في الذؤابة من النّاس، ومن خذلوها وتآمروا عليها وأسلموها لأعدائها كانوا في نظر الأمّة “حثالة” النّاس وخونةَ المسلمين، وهكذا كانت قضيّة فلسطين “خافضة رافعة”: تخفض من يخذلها ويتآمر عليها، وترفع من يخدمها ويرابط على ثغورها المتنوّعة.

وقبل خمسة وسبعين عامًا وقعت فلسطين تحت الاحتلال الصّهيونيّ منذ عام 1948م، وفي هذه الفترة مارس الاحتلال كلّ ما يمكن أن يمارسه احتلال من قتل وسفك دماء وإزهاق أرواح، واقتحام للمقدّسات وانتهاك لحرمتها، وجرأة غير مسبوقة في محاولات الإقدام على التّقسيم الزّمانيّ والمكانيّ للأقصى الشّريف، وتدمير للبنية التّحتيّة في أجزاء واسعة من فلسطين على رأسها قطاع غزة.

وكانت فصائل الجهاد في هذه الفترة متباينة القوّة والضّعف، ومتراوحة في الوحدة والانقسام مع غلبة الانقسام وعدم جمع الكلمة في مواجهة هذا المحتلّ الغاصب، وفي هذا وقّعت اتّفاقيّات، وعقدت لقاءات بين حركات الجهاد والتّحرّر، ولكنّها – في مجملها – لم تحقّق الوحدة المرجوّة، ومن ثمّ الجهاد اللّازم للتّحرير، لا سيّما في آخر عقود مرّ بها تاريخ القضيّة.

ولكنّنا في هذه الفترة نسمع كلامًا كثيرًا لعلماء ودعاة بأنّنا أمام فترة عصيبة، ومرحلة حاسمة، هي مقدّمة للتّحرير بإذن الله تعالى، وفيها إساءة لوجه هؤلاء المحتلّين، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿… فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ لِیَسُـࣳۤـُٔوا۟ وُجُوهَكُمۡ وَلِیَدۡخُلُوا۟ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةࣲ وَلِیُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوۡا۟ تَتۡبِیرًا﴾ [سورة الإسراء: ٧]. وما نراه الآن عسكريًّا وإعلاميًّا هو إساءة حقيقيّة لوجوه المحتلّين المعتدين أمام شعبهم وأمام العالم، بما يشير إلى أنّنا أمام مرحلة مهمّة وحاسمة في تاريخ هذا الاحتلال الذي يمرّ بعقده الثّامن داخل أراضينا ومقدّساتنا.

ومن هنا تأتي أهمّيّة فكرة هذا البحث للحديث حول بيان أثر مقاصد الشّريعة والمدخل المقاصديّ والفكر المقاصديّ بشكل عامّ في جمع الكلمة وتوحيد الصّفّ، والالتقاء على أرض مشتركة رغم الخلاف العقديّ والفكريّ والسّياسيّ؛ للبحث في سبل جهاد المحتلّ لتحرير فلسطين وإجلاء المحتلّين.

أهمّيّة البحث وأسئلته:

إنّ العاملين لفلسطين سواء من داخلها أم خارجها، أو كانوا فلسطينيّين أم غير فلسطينيّين، عربًا أم غير عرب، يجب أن يقوموا بتفعيل مقاصد الشّريعة والفكر المقاصديّ في القضيّة، آن الأوان لذلك أفضل من أيّ وقت مضى؛ نظرًا للتّحدّيات المتصاعدة والمخاطر التي تتضاعف، واستجابة للمرحلة التي نعيشها، وكذلك لما لتفعيل هذا الفكر من فوائد عظيمة تستهدف هذه الدّراسة الكشف عنها.

فهل مقاصد الشّريعة أو المدخل المقاصديّ بالفعل له أثر في توحيد الصّفوف وجمع الكلمة؟ وما أوجه هذا الأثر وكيفيّته وطبيعته؟ وما الآثار السّلبيّة التي يتركها الاحتلال على مقاصد الشّريعة بأنواعها؟ وما أهمّيّة تفعيل هذا المدخل للقضيّة عمومًا، وللتّحرير خصوصًا؟ وما الفوائد أو الوظائف التي يقوم بها المدخل المقاصديّ حين يُحَكّم في العمل لجمع الكلمة وتحرير الأقصى والقدس والأسرى وفلسطين؟!

فهذه الأسئلة – وغيرها – يحاول هذا البحث الجواب عنها من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأوّل: المقاصد العالية وأثرها في جمع الكلمة وتعزيز الجهاد.

المبحث الثّاني: المقاصد الكلّيّة وأثرها في جمع الكلمة وتحرير فلسطين.

المبحث الثّالث: المقاصد الخاصّة بفلسطين، وأثرها في الوحدة والتّحرير.

المبحث الرّابع: فوائد تفعيل مقاصد الشّريعة في قضيّة فلسطين.

وفي كلّ مبحث من هذه المباحث نبيّن الانعكاسات السّلبيّة من الاحتلال على هذه المقاصد من جهة، وبيان أثرها الإيجابيّ والفاعل على الطّرف الآخر، طرف الجهاد وتفعيل العمل المقاوم لتحقيق التّحرير، وبهذا تتبيّن وظيفة مهمّة لمقاصد الشّريعة والفكر المقاصديّ والمدخل المقاصديّ، وهي وظيفة الجهاد ومهمّة التّحرير.

المبحث الأوّل: المقاصد العالية وأثرها في جمع الكلمة وتعزيز الجهاد:

يرى د. جمال الدّين عطيّة أنّ المقاصد العالية هي أعلى أنواع المقاصد الشّرعيّة من حيث التّجريد والتّنظير والإيجاز والنّظر الفلسفيّ في آن([1]).

ويمكننا تعريفها بأنّها: الغايات العليا والمبادئ الكبرى التي تغيّاها الشّرع الشّريف من أحكامه، وتمثّل حاضنة للكلّيّات الضّروريّة، وقسيمًا معها لا قسمًا منها، مثل: رعاية الحرّيّة وحفظ نظام المجتمع وتحقيق العدل ونحوها.

والذي نعنيه بأنّها عليا أو كبرى أنّها لا يعلوها مقاصد، فهي تضمّ أعلى ما يمكن الوصول إليه من مقاصد الأحكام الشّرعيّة، مثل ما ورد في التّعريف من أمثلة، ومثل: عمارة الأرض وخلافتها وعبادة الله، وتحقيق التّيسير ورفع الضّرر، وكلّ ما كان في هذه الرّتبة، وما يليه مباشرة المقاصد العامّة المتضمّنة للضّروريّات والحاجيّات والتّحسينيّات.

وما نعنيه بأنّها تمثل حاضّنة للكلّيّات الضّروريّة أنّ الكلّيّات الضّروريّة لا يمكن أن تنمو نموًّا تامًّا وتؤدّي مهمّتها وتحفظ حفظًا منشودًا إلّا في ظلّ هذه المقاصد العالية والمبادئ الكبرى، فحفظ الدّين يحتاج لحرّيّة كما يحتاج لعدالة، وحفظ النّفس كذلك، وهكذا بقيّة الكلّيّات.

ونعني بأنّ هذه الرّتبة العليا قسيم وليست قسمًا من الكلّيّات الضّروريّة أنّها قسيم مع كلّ كلّيّة، أو جزء مع كلّ كلّيّة لها تعلّق بها من وجه، وفي الوقت نفسه ليست في رتبة الضّروريّات من ناحية “الضّروريّة” أو حاجة النّاس إليها، فقد توجد الحياة بدون عدالة أو حرّيّة وإن كانت ليست الحياة المنشودة، لكن لا تتصوّر الحياة بدون نفس أو مال، وما في رتبتهما.

وقبل د. جمال الدّين عطيّة وَرَدَ ذكر مصطلح “المقاصد العالية” في كلام العلّامة محمّد الطّاهر ابن عاشور؛ حيث قال: “إنّ استقراء الشّريعة في تصرّفاتها قد أكسب فقهاء الأمّة يقينًا بأنّها ما سوّت في جنس حكم من الأحكام جزئيّات متكاثرة إلّا ولتلك الجزئيّات اشتراك في وصف يتعيّن عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكمًا متماثلًا. ومن ثمّ استقام لهم من عهد الصّحابة إلى هلّم جرًّا أن يقيسوا بعض الأشياء على بعض، فينوطوا بالمقيسة نفس الأحكام الثّابتة بالشّرع للمقيس عليها في الأوصاف التي أنبِئوا أنّها سبب نوط الحكم، وأنّها مقصود الشّارع من أحكامه. فإن كانت تلك الأوصاف فرعيَّة قريبة سمّيناها عللًا مثل الإسكار، وإن كانت كلّيّات سمّيناها مقاصد قريبة مثل حفظ العقل، وإن كانت كلّيّات عالية سمّيناها مقاصد عالية، وهي نوعان مصلحة ومفسدة”([2]).

وقد تعدّدت الرّؤى في تحديد هذه المقاصد؛ فاتّجه بعض العلماء إلى استخراجها من آيات القرآن الكريم التي تبيّن المقصود من إرسال الرّسل وإنزال الكتب، فخرجوا بجملة من المقاصد كالهداية والتّعليم والصّلاح والتّنوير والحقّ والرّحمة والعدل والمساواة وقوّة نظام الأمّة والتّعقّل والتّحرّر والتّخلّق والتّوحّد والتّكامل.

كما خصّ بعضهم بالاهتمام بعبادة الله والخلاقة عنه وعمارة الأرض، ومنهم من ركّز على جلب المصالح ودرء المفاسد، ووصل بعضهم في المقابلة بين مقاصد الطّاعة ومقاصد المصلحة إلى طرح التّساؤل: هل خلق الإنسان لأجل العبادة أم شرعت العبادة لأجل الإنسان؟!

وأدخل بعضهم ضمن المقاصد ما هو من المفاهيم والخصائص والوسائل والآليّات، كالتّيسير ورفع الحرج، ومراعاة الفطرة والسّماحة ومنع التّحايل ومراعاة سدّ الذّرائع واحترام التّشريع([3]).

هذه الرّتبة “المقاصد العالية” جاءت بها الشّرائع جميعًا، وتواضعت عليها البشريّة عبر تاريخها الطّويل، ووضعت في ضوئها الدّساتير وتفرّعت عنها القوانين، وإن خالفتها الممارسات وخانها التّطبيق على يد السّاسة في كثير من الأحيان!

كما تمثّل هذه الرّتبة حاضنة ومهادًا لما تحتها من المقاصد: الضّروريّة الكلّيّة، والخاصّة، والجزئيّة؛ فلا يكتمل ما دونها من الرّتب والأنواع إلّا في ظلّ استقرارها وثباتها، وبغياب المقاصد العالية تتأثّر الرّتب التي تحتها ولا تكتمل، ولا تعمل عملها، ولا تصل إلى آفاقها المرجوّة شرعًا.

ولا يظنّنّ أحد – كما يحلو لبعض الدّارسين أن يرى ويظنّ – أنّ هذه المقاصد تدخل أو يدخل بعضها تحت رتبة المقاصد الكلّيّة أو الضّروريّة، فيضع الحرّيّة كلّيّة سادسة، أو العدالة الاجتماعيّة كلّيّة أخرى؛ فهذه المقاصد العالية أعلى وأشمل من المقاصد الكلّيّة وأوسع منها، وإن لم تبلغ في رتبة الضّروريّة ما تبلغه الكلّيّات الخمس الضّروريّة، كما سبقت الإشارة.

أوّلًا: الأثر السّلبيّ للاحتلال على المقاصد العالية:

ممارسات الاحتلال على مرّ التّاريخ معروفة ومثبتة في كتب التّاريخ، فلا يدخل محتلٌّ أرضًا إلّا عاث فيها فسادًا، وأهلك الحرث والنّسل، وقوَّض هذه الرّتبة من المقاصد، فلا تجد الشّعوبُ المحتلّة مع من احتلّها حرّية ولا عدالة ولا أمنًا ولا رحمة ولا مصلحة ولا تيسيرًا ولا رفع حرج ولا عمارة، ولا أيّ مفردة من مفردات المقاصد العالية التي أسلفناها، وإنّما نجد ما هو ضدها، وكذلك يفعلون.

وبقدر استسلام الشّعوب لمحتلّيها تستشري هذه المفاسد، وتنمحي هذه المقاصد العالية، وتنتشر أضدادها، فيفقد النّاس الأمن والحرّيّة والعدالة والرّحمة، وإنّما هو القهر السّياسيّ، والقلق النّفسيّ، والظّلم الاجتماعيّ، والتّخلّف الحضاريّ، والاضطرابات في نظام الأمّة.

والخلل في هذه الرّتبة “المقاصد العالية” يلزم عنه ضرورة نوع خلل في الرّتب التي تليها، سواء من حيث وصف “السّعة” التي تشمله أنواع المقاصد، أو من حيث وصف “الضّروريّة” التي ترتقي لها أو تقترب منها هذه الأنواع.

ثانيًا: أثر المقاصد العالية في تحقيق الوحدة لجهاد المحتلّ:

إنّ رتبة المقاصد العالية التي أوردنا مفرداتها أعلاه من خلال كلام د. جمال الدّين عطيّة تعدّ من أهمّ المداخل للوحدة والتّلاقي، وتمثّل إطارًا موحّدًا للفرقاء، وتوفّر مساحة واسعة لصناعة أرض مشتركة والعمل من خلالها، على الرّغم من الاختلاف حتّى لو كان في العقيدة؛ فلن تجد أحدًا من الخلائق يختلف معك في حفظ هذه الرّتبة وأهمّيّة استمرارها واستقرارها.

وهذه الرّتبة بحمد الله تعالى مستقرّة عندنا فيما قرّرته نصوص القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة؛ ذلك أنّ الشّريعة الإسلاميّة – كما قال العلّامة المحقّق ابن قيّم الجوزيّة في عبارته الشّهيرة التي صارت علَمًا يُهتدى به – مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها؛ فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرّحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشّريعة وإنْ أُدخلت فيها بالتّأويل. فالشّريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدّالة عليه وعلى صدق رسوله صلّى الله عليه وسلّم أتمّ دلالة وأصدقها”([4]).

فهل هناك مختلف معك في العقيدة أو الشّريعة أو المذهب أو “الأيدولوجيا” يختلف معك في أهمّيّة الحرّيّات أو العدالة، أو تحقيق الأمن الاجتماعيّ، أو حفظ نظام المجتمع؟!

إنّ البشريّة منذ فجر وجودها إلى يومها هذا كانت تسعى إلى إيجاد هذه المقاصد، وكانت تعمل – ولا تزال – لاستمرار هذه المقاصد واستقرارها، ولكنّ الممارسات السّياسيّة من الأنظمة المستبدّة – بما فيها الاحتلال – هي التي تخالف هذه المقاصد بما تقوم به من أفعال وتصرّفات لا يمكن أن تعمل على استقرار البشريّة وحفظ نظام مجتمعاتها.

ذلك؛ أنّ كلّ إنسان يريد أن يتمتّع بحظّه من هذه المقاصد العالية والمفاهيم التّأسيسيّة، وممارسات الاحتلال تقوّض هذه المقاصد، وهذا ما يحفّز المختلفين إلى الالتقاء والتّوحّد للعمل على وقف تقويضها لمواجهة هذا التّحدّي، والقيام بانتزاعها واحدة واحدة من أنياب الاحتلال، ومن هنا تشكّل هذه المقاصد ركيزة أساسيّة في إلجاء الفرقاء والمختلفين إلى الاعتصام بسبيل الوحدة والتّراصّ من أجل وقف النّزيف فيها، والجهاد من أجل استردادها بجهاد العدو المحتلّ.

والحقّ أنّ كل مقصد من هذه المقاصد العالية التي تمثّل قيمًا عليا بحدّ ذاتها، ويمثّل إيجادها واستمرارها فريضة شرعيّة وضرورة حياتيّة .. كلّ مقصد منها يحتاج إلى حديث مستقلّ من ناحيتين: ناحية تأثّره سلبيًّا بالاحتلال، وناحية تأثيره إيجابيًّا في توحيد الصّفوف ومقاومة المحتلّ وتحرير الأرض والعرض، وهذا يحتاج لبحث مستقلّ.

ومن فوائد إعمال هذه الرّتبة من المقاصد الحفاظ على فطرة الإنسان التي فطره الله عليها؛ حيث خلقه مكرّمًا مشرّفًا؛ لقول الله تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء ٧٠]، وأراد أن يكون حرًّا في ظلّ العدل والأمن، ولا أدلّ على ذلك من يوم أن صاح عمر في أميره على مصر- عمرو بن العاص-: «متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟!»([5]) في قضيّة مشهورة، يوم أن صاح عمر بن الخطّاب هذه الصّيحة المدوّية في الرّبع الأوّل من القرن الهجريّ الأوّل، النّصف الأوّل من القرن السّابع الميلاديّ، كانت هذه الصّيحة غريبة على النّاس، فلم يعرف التّاريخ حاكمًا قبل عمر بن الخطّاب جرى على لسانه مثل هذه الكلام. ولكنّه الإسلام وتربية الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لصحابته على الحرّيّة والعزّة والكرامة هي التي فاضت على هؤلاء الرّجال وجعلت هذه الكلمات المباركات تجري على ألسنتهم، ولم تكن كلامًا فقط للاستهلاك المحلّيّ، إنّما كانت سلوكًا وأسلوبًا للحكم وسياسة عمليّة يسوسون بها عباد الله. لقد فهم عمر من كتاب ربّه ومن سنّة نبيّه وصحبته أنّ النّاس يولدون أحرارًا، فليس لأحد حقّ في أن يستعبدهم([6]).

المبحث الثّاني: المقاصد الكلّيّة وأثرها في جمع الكلمة وتحرير فلسطين:

المقاصد الكلّيّة هي الضّروريّات الخمس المعروفة (حفظ: الدين والنّفس والعقل والنّسل والمال)، وهي التي تدور حولها أحكام الشّريعة الإسلاميّة، وتعمل على تحقيقها بالإيجاد والإمداد، كما قال أبو حامد الغزاليّ: “ومقصود الشّرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكلّ ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”([7]).

وتتّضح أهمّيّتها – كما قال الإمام الشّاطبيّ – من: “أنّها لا بدّ منها في قيام مصالح الدّين والدّنيا، بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدّنيا على استقامة، بل على فساد وتهارُج وفوتِ حياة، وفي الأخرى فوت النّجاة والنّعيم، والرّجوع بالخسران المبين”([8]).

والحاصل أنّ المقاصد الضّروريّة أو الكلّيّات الخمس هي التي لا قوام للأمّة بدونها، وإلّا استحال أمرها إلى تهارج وفساد وتلاش.

ولهذا اهتمّ الشّرع بها اهتمامًا بالغًا؛ حيث وضع الأحكام الشّرعيّة التي تؤمِّن وجود هذه المصالح، وتقيم أركانها، وتُوفِّر تحقيق المنافع منها، وذلك في حالة وجودها، كما وضع الأحكام الشّرعيّة التي تحفظ هذه المصالح، وتصونها من الضّياع أو الإخلال بها، وذلك في حالة العدم، لدفع المفاسد عن النّاس.

وهو ما عبر عنه الشّاطبيّ بقوله: “والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبّت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثّاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقّع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”([9]).

وهذه التّدابير الشّرعيّة سواء من جانب الوجود أو من جانب العدم تدلّ على المكانة التي تبوّأتها هذه المقاصد في نظر الشّريعة، ليس في الشّريعة الإسلاميّة فقط، وإنّما هذه الكلّيّات الضّروريّة أتت بها كلّ شريعة، ونزل بها كلّ وحي، ونادت بها كلّ رسالة، وهذا ما قرّره الآمديّ إذ قال عن المقاصد الخمسة: “لم تخلُ من رعايتها ملّةٌ من الملل ولا شريعة من الشّرائع”([10]).

فإذا ما تحدّثنا عن وجودها في المشهد الفلسطينيّ نجدها واضحة جليّة، وهذا ما حدا باحثًا جادًّا للقول في دراسة مقاصديّة مهمّة: إنّ “النّاظر والمتمعّن في تفاصيل القضيّة الفلسطينيّة وأصولها يجد أنّ الضّروريّات الخمس قائمة فيها، بل وظاهرة في الجزئيّات والتّفاصيل المتشعّبة للقضيّة، وهذا ما يمكن أن نجده بوضوح”([11]).

وهذا ما يدعونا للحديث عن تأثّر هذه الرّتبة من المقاصد سلبيًّا بممارسات الاحتلال، كما يدعونا للحديث عن أثرها الإيجابيّ وفوائدها في العمل الجهاديّ لتحرير الأرض والمقدّسات.

أوّلًا: الأثر السّلبيّ للاحتلال على المقاصد الضّروريّة:

تتعرّض المقاصد الكلّيّة الضّروريّة الخمسة يوميًّا لانتهاكات لا حصر ولا حدّ لها من قبل الاحتلال بما يهدّد حياة من يعيشون على الأرض المحتلّة ويعرّضها للخطر، بل يضرب بها في أتون الخطر؛ فهو يدنّس المقدّسات، ويقتحمها، ويجتهد بكلّ المحاولات في تقسيم الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا، ويمنع المسلمين من الصّلاة فيه.

ففي كلّيّة الدّين: نرى تدنيس المقدّسات باقتحامات المسجد الأقصى الشّريف، ومحاولات تقسيمه زمانيًّا ومكانيًّا، وتطوّر الأمر حتّى أصبحت الخطّة الإستراتيجيّة هدم كامل المسجد وإقامة الهيكل على كامل مساحته، كلّ هذا مؤيّد بفتاوى الحاخامات التي تستند إليها الحركة الصّهيونيّة في حراكها واختياراتها، ليس ذلك انطلاقًا من فتاوى الحاخامات فقط، ولكن أيضًا انطلاقًا من أسفارهم التي تعزز هذا المسلك وتؤكده.

فهم يعتقدون أنّ “ثمّة يمين، وثمّة يسار، اليمين هو إسرائيل، واليسار هو باقي الشّعوب الوثنيّة، اليمين جنّة، واليسار جحيم”([12])، وبعضهم كان يخشى أن يلتفت المسلمون إلى أنّ الصّراع دينيّ، فها هو رئيس الكنيست الصّهيونيّ السّابق أبراهام بورغ من حزب العمل المعارض يقول: “إنّ إسرائيل حوّلت الصّراع مع الفلسطينيّين من صراع سياسيّ إلى صراع دينيّ، وأنّه لا يمكن حلّ صراع دينيّ بالطّرق الدّيبلوماسيّة”([13]).

والحقيقة أنّ إسرائيل لم تحوّل الصّراع من سياسيّ إلى دينيّ؛ لأنّ الصّراع في حقيقته دينيّ، ولم يكن يومًا سياسيًّا، وإن ظهر على أنّه سياسيّ في بعض الأحيان فهو للتّعمية على أصل الصّراع وحقيقته الّتي لا تخفى على أولي الألباب.

وفي كلّيّة النّفس: نرى الانتهاكات صباح مساء، في القتل وسفك الدّماء، والتّمثيل بجثث الموتى كما حدث في صبرا وشاتيلا 1982م، ومخيّم جنين 2003م الذي قتل فيه العدو الصّهيونيّ أكثر من 400 شهيد؛ فضلًا عمّا قام به من شنائع في هذه المعارك([14]).

 وكذلك أخْذ المجاهدين أسارى، وقتل النّساء والشّيوخ، وهذا كلّه يمثّل إهدارًا واضحًا للنّفس، وكلّ معارك الصّهاينة مع غزّة واقتحاماتها للمسجد الأقصى لم تخلُ – في مجملها – من ضحايا أبرياء، وهذا لا يحتاج لتوثيق ولا مراجع، فالشّمس في رابعة النّهار لا تحتاج إلى دليل.

وفي كلّيّة النّسل: نرى ضحايا جرائم إسرائيل كثرة كاثرة، ولهذا نجد الأرامل كثيرات في المجتمع الفلسطينيّ من زوجات الشّهداء، مثلهم مثل المجتمعات التي فيها حروب تخلّف ضحايا وشهداء، وكذلك تغييب الرّجال في الأسر يؤدّي إلى التّأثير السّلبيّ على التّكاثر والتّناسل، ولكنّ الله – سبحانه –منح أهل فلسطين من النّساء خصوبة عالية، فترى نسبة الإنجاب في فلسطين تكاد تكون أكبر نسبة في العالم، وهذا لا شكّ من الرّعاية الإلهيّة لأهل فلسطين الذين يعوّضهم الله بحكمته حين حرمهم النّاس، ويؤويهم إلى كنفه حين تخلّى عنهم النّاس، فهم في رباط مستمرّ، وفي عناية الله؛ لأنّهم “على الدّين ظاهرين لعدوّهم قاهرين” كما وصفهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلم([15]).

وفي كلّيّة العقل: يقوم الاحتلال الصّهيونيّ بتغييب العقول، وتسطيح الأحداث، وقلب الحقائق، وتصوير المؤسّسة الإسرائيليّة على أنّها مظلومة ومضطهدة وتتعرّض لقمع وحشيّ من المقاومة التي تصفها بأنّها “إرهابيّة”، وأنّها تدافع عن نفسها .. إلى آخر هذه الانقلابات المفاهيميّة التي تغطّي على حقيقة واضحة وظاهرة وهي أنّها دولة احتلال الواجب نحوها هو الجهاد المسلّح حتى التّحرير، فكلّ هذا لا شكّ أنّه ضدّ “حفظ العقل”، ويعمل على تغييبه وتزييفه؛ إذ حفظ العقل لا يكون إيجادًا بطلب العلم فقط، كما لا يكون إمدادًا بإيجاب حدّ الخمر فقط، وإنّما بنشر الوعي ومواجهة تزييف الحقائق معًا.

وفي كلّيّة المال: نرى ممارسات المحتلّ الصّهيونيّ من استيلاء على الأراضي وبناء المستوطنات عليها، وما نتابعه من هدم للمؤسّسات والمستشفيات والمساجد التي هي دور عبادة، وتدمير البنية التّحتيّة للمجتمع الفلسطينيّ، وما يحدث في قطاع غزّة مع كلّ حرب خير دليل، لا سيّما حين تفشل مخطّطات إسرائيل في أيّ حملة تقوم بها، ومعركة “سيف القدس” خير شاهد على ذلك؛ حيث قامت إسرائيل بتهديم مساحة واسعة من البنية التّحتيّة لقطاع غزّة انتصارًا لكرامتها وحفظًا لماء وجهها حين لم تحقّق هدفها من هذه الحرب.

فهذه كلّها تجلّيات تبيّن مدى التّأثير السّلبيّ للاحتلال على هذه الكلّيّات الضّروريّة التي لها شأن – أي شأن – في شريعة الإسلام، بل في كلّ الشّرائع والملل – كما قرّر الآمديّ سلفًا – وهذا ما يحفّز الشّعب الفلسطينيّ بكلّ أطيافه – والمسلمون معهم – إلى الوحدة والتّراصّ صفًّا واحدًا من أجل إنقاذ هذه الكلّيّات، وإعادتها إلى نصابها الصّحيح في المجتمع، وهذا موضع الحديث الآتي مباشرة.

ثانيًا: أثر المقاصد الضّروريّة في تحقيق الوحدة لجهاد المحتلّ:

إذا كانت هذه هي التّأثيرات السّلبيّة لممارسات الاحتلال على هذه الكلّيّات التي لا عيش بدونها، وتنتهي الحياة بغيرها إلى موت وتهارج وفوت؛ فإنّ الفطرة تقتضي تحرير الأوطان، والتّصدّي للمحتلّين بكلمة القوّة وقوّة الكلمة حتّى الإجلاء الكامل، وبهذا تستعيد مقاصد الشّريعة الضّروريّة عافيتها، وتستردّ قوّتها ونماءها؛ فهذه المقاصد لها استحقاقاتها في نصرة القضيّة.

ولهذا ذهب أ.د. سيف الدّين عبد الفتّاح إلى أنّه “لا سبيل لحماية القدس إلّا بالمجالات الحضاريّة الخمسة المتمثّلة في المقاصد الشّرعيّة، وهي حفظ كلّ من: الدّين والنّفس والنّسل والعقل والمال، ولكلّ منها استحقاقاته في نصرة القضيّة.

فحفظ الدّين يقتضي ترسيخ عقيدة الجهاد في سبيل الله لتحقيق التّحرير.

وحفظ النفس يقتضي دعم كلّ سبل التّحرّر.

وحفظ النّسل يعني مواجهة كلّ طرق التّطهير العرقيّ في القدس.

وحفظ العقل يقتضي نشر الثّقافة المقدسيّة في عموم الأمّة.

وحفظ المال يقتضي التّبرّع الدّائم لنصرة قضيّة القدس في جميع أنحاء العالم”([16]).

أمّا سامي الصّلاحات فيرى أنّ المقاصد الأصليّة والتي هي الضّروريّات الكلّيّة “يمثّل الحفاظ عليها مصلحة للمسلمين وللمشروع الإسلاميّ الحضاريّ على أرض فلسطين، والتي يجب على المسلمين وهم يشاركون في المشروع الإسلاميّ أن يتحرّوا الحفاظ عليها قدر الإمكان، وعدم التّفريط بها، وأن تُقدّم على حساب المصالح الشّخصيّة أو الفئويّة أو الحزبيّة أو الإقليميّة أو الدّوليّة؛ لأنّها مقاصد معتبرة، وفيها مصالح شرعيّة للمشروع الإسلاميّ لا يجوز التّفريط بها تحت أيّ ظرف من الظّروف”.

ويؤكّد الصّلاحات أنّ هذه المقاصد تزداد أهمّيّة “بسبب انتمائها للدّين الإسلاميّ وكينونته وجوهره، فالدّين هو أس الضّروريّات التي جاءت الشّريعة الإسلاميّة للحفاظ عليها، وكلّ ما يعوق هذه المقاصد فيجب العمل على إقصائه والعمل على محاربته بكلّ ما تعني هذه الكلمة من معانٍ ودلالات؛ حفاظًا على الدّين وجوهره”([17]).

ففي كلّيّة الدّين لن يختلف أحد في أنّ القدس والمسجد الأقصى بقعة مباركة، وهي من أوقاف المسلمين لا يجوز لأحد التّفريط فيها، وأنّ المسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثاني المسجدين، ومهبط الرّسالات، وملتقى الأنبياء بإمامهم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالقدس ليست مجرّد مدينة وإنّما هي عقيدة.

ولهذا كان “من البدهيّ المعلوم من دين الله عزّ وجلّ أنّ بيت المقدس أرضُ قداسةٍ وبركة، نصّ الله تعالى على ذلك في كتابه في مواضع متعدّدة، حتّى صار الكثيرون اليوم يطلقون عباراتٍ دالةً على أهمّيّة القدس؛ فيقولون مثلًا: القدس عقيدة، والأقصى عقيدة، وهما دين … والحقّ أنّ هذه الإطلاقات صحيحة باعتبار أنّ اعتقاد بركة هذه الأرض وقدسيّتها قد جاءت في القرآن الكريم وفي صحيح السّنّة بحيث صار اعتقادُ ذلك واجبًا، وجحدُه كفرًا وتكذيبًا لمعلوم منصوص عليه في الشّريعة”([18]).

والمسجد الأقصى على مرّ تاريخه تعرّض لمؤامرات من حركات خصّصت جهدها وأوقفت مالها للقضاء على المسجد الأقصى([19]).

ولكي نحفظ كلّيّة الدّين فيجب الحديث عن حقيقة الصّراع، وأنّه صراع عقديّ وليس سياسيًّا كما سبقت الإشارة، والكشف للأجيال عن عمق هذا الصّراع، وبيان قداسة هذه القضيّة ودينيّتها، فالشّعوب العربيّة والإسلاميّة لا يقودها مثل الدّين، ولا يحرّك كوامن الخير فيها إلّا خطاب الدّين.

وإذا جئنا لكلّيّة النّفس، فيجب الحديث عن الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي من خلاله تمّ تحرير بيت المقدس بالجهاد الذي شرع لحفظ الدّين ومنع الفتنة وإعلاء راية الإسلام والدّفاع عن الحقوق الإنسانيّة الطبيعيّة.

“وفي هذا الإطار كتب عرسان الكيلاني كتابًا بعنوان: “هكذا ظهر جيل صلاح الدّين”، تحدّث فيه عن أهمّيّة الجيل بجوار صلاح الدّين، فصلاح الدّين لم يأت من فراغ، بل أتى من أمّة حيّة تنشر نفسيّة الجهاد باعتباره ثقافة الحياة وليس ثقافة الموت كما يصفه المتخاذلون، كما تنشر نفسيّة العزة والتّمسّك بالحقّ”([20]).

أمّا كلّيّة النّسل، فالحديث عن استنقاذ الأسرى هو محور الكلام، وقد أجمع المسلمون على وجوب استنقاذ الأسرى من يد العدوّ، ولو استغرق ذلك أموالهم؛ استنادًا إلى حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “فُكُّوا العانِيَ وأَجِيبُوا الدّاعِيَ”([21]). وفي هذا الإطار يأتي التّزوّج من الأرامل وكفالة الأيتام حفاظًا على نسل المجتمع، ونشر ثقافة التّكافل الاجتماعيّ، والحثّ على كثرة الإنجاب، وكذلك فإنّ الجهاد له نصيب هنا، فهو أمنع من قتل النّفوس وإزهاق الأرواح، وإن رأى فيه بعض فاسدي التّصوّر أنّه إلقاء بالأيدي إلى التّهلكة.

وأمّا كلّيّة العقل، فيأتي الحديث عن حفظها بنشر ثقافة الجهاد، وترسيخ الوعي بالثّقافة المقدسيّة، ومتابعة الأحداث والأخبار؛ حرصًا على إدراك قلب العدو الصّهيونيّ للحقائق، ورؤية الأحداث والتّفاعلات كما هي دون تزييف أو تزوير، فبهذه الثّقافة الأصيلة، وبهذه المتابعة الحقيقيّة الحثيثة يحفظ العقل، ويكون له دوره في تحقيق الوحدة وتحرير الأرض والعرض والمقدّسات.

وأمّا كلّيّة المال، فالحديث عن الجهاد أيضًا مهمّ؛ إذ المقاومة أمنع من إهلاك الحرث والنّسل، وأحفظ للمجتمع من تهديم بنيته؛ لأنّ في الإعداد -فضلًا عن الجهاد- حفزًا للمجتمع وإخافة للعدوّ، وقد قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ یَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یُوَفَّ إِلَیۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٦٠].

كما أنّ المال يحفظ – كما أشارت الآية الكريمة في آخرها بالإنفاق في سبيل الله، وتأسيس الأوقاف لإمداد المجاهدين وإخلافهم في أهليهم بخير، وكفالة المرابطين، فعن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: “مَن جَهَّزَ غازِيًا، فقَدْ غَزا، ومَن خَلَفَ غازِيًا في أهْلِهِ، فقَدْ غَزا”([22]).

وهنا يأتي الحديث كذلك عن استنزاف العدو الصّهيونيّ ماليًّا، وتأتي في هذا السّياق فتاوى حرمة بيع الأرض، وحملات المقاطعة للعدو الصّهيونيّ ومن سانده.

وهكذا فإنّ هذه الكلّيّات والحرص على الحفاظ عليها، وإزالة كلّ العوائق والعقبات والمعطّلات التي تهدّدها وتؤثّر عليها، هذه الكلّيّات الضّروريّة تمثّل مهادًا وتوفيرًا لمساحات واسعة مشتركة يتلاقى عليها المختلفون سياسيًّا، بل المختلفون عقديًّا ودينيًّا؛ فالنّصارى على أرض فلسطين سيتلاقون مع المسلمين على حفظ النّفوس والأرواح، وحفظ الأعراض، وحفظ المال والعقول، وإذا تلاقى أهل الأديان على هذه الكلّيّات فلأن يتلاقى أبناء الدّين الواحد فمن باب أولى، وإن اختلفوا سياسيًّا.

كما أنّ إدراك خطورة ما يقوم به المحتلّ في القضاء على هذه المقاصد الكلّيّة الضّروريّة، والوقوف على انتهاكاته المستمرّة لها، يمثّل أعظم حافز على توحيد الكلمة ورصّ الصّفوف من أجل مواجهة هذا العدو بانتهاكاته؛ بغية الحفاظ عليها واستنقاذها، وإزالة كلّ ما يتعلّق بتهديدها فضلًا عن القضاء عليها.

المبحث الثّالث: المقاصد الخاصّة بفلسطين، وأثرها في الوحدة والتّحرير:

قبل أن نشرع في بيان المقاصد الخاصّة في فلسطين نعرف أوّلًا بالمقاصد الخاصّة ماذا تعني في تعريفها الاصطلاحي؟

عرّفها د. جمال الدّين عطيّة بأنّها “المقاصد الخاصّة بباب معيّن أو بأبواب متجانسة من الشّريعة أو مجموعة متجانسة من أحكامها، وكذلك الخاصّة بالعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة لضبطها بموازين الشّريعة”([23]).

ونضيف إليها أنّها الخاصّة ببلاد معيّنة أو بإقليم محدّد، أو بهيئة أو باتّحاد أو منظّمة، أو بمجموعة من الأفراد، أو بمساحة جغرافيّة معيّنة … إلح.

وهذا ما يؤكّده تعريف د. عبد المجيد النّجّار لها؛ إذ قال: “هي تلك المقاصد الشّرعيّة التي تشمل ما تتضمّنه من مصلحة الفئة الخاصّة من المجتمع، أو الأفراد المعيّنين منه، دون أن تتعدّى إلى غيرهم إلّا أن يكون ما تتعدّى به مصلحة الأفراد والفئات إلى الهيئة الاجتماعيّة العامّة فذلك غير ملحوظ في هذا التّعريف، وذلك مثل مقصد درء الحدود بالشّبهات، فهو مقصد لا ينتفع به إلّا لأفراد من مقترفي الذّنوب الحدّيّة، ومقصد التّوثيق في العقود، فهو لا ينتفع به بصفة مباشرة إلّا الفئة من المجتمع التي تمارس العقود، ونشير هنا إلى أنّ الخصوص في هذا القسم يتعلّق بأفراد من يشملهم بالمصلحة”([24]).

ومن قبله قال الإمام محمّد الطّاهر بن عاشور عن المقاصد الخاصّة: “هو الذي يقصده فريق من النّاس أو آحاد منهم في تصرّفاتهم لملائمة خاصّة بأحوال”([25]).

فالمقاصد الخاصّة هنا قد تكون مخصوصة باب واحد، أو مجال واحد، أو قوم معيّنين، أو أفراد دون غيرهم، أو مكان ما، أو دائرة ما؛ فكلّ هذه المعاني والنّواحي تشير إلى معنى خصوصيّة المقاصد بهم، وهو ما يفيده مضمون كلمة “الخاصّة”.

وقبل أن نتحدّث عن المقاصد الخاصّة بفلسطين كذلك يجب أن نقرّر ضابطًا مهمًّا وهو أنّ تحديد المقاصد الخاصّة يجب أن يكون منضبطًا بما فوقها من رتب مقاصديّة، فكما أنّ مقاصد المكلّفين تضبط بموافقتها مقاصد الشّارع كما قال الإمام الشّاطبيّ: “قصد الشّارع من المكلّف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التّشريع”([26]). فكذلك المقاصد الخاصّة تضبط بموافقتها للمقاصد الكلّيّة العامّة، وكذلك المقاصد العالية أو المفاهيم التّأسيسيّة، ومن ناحية أخرى فالمقاصد الخاصّة تفضي إلى ما فوقها من رتب مقاصديّة وتحقّقها وتكوّنها، وقد بيّنّا ما لهما – الكلّيّة والعالية – من أثر في توفير مساحات التقاء وترتيب أرض مشتركة للوحدة المنشودة.

وتتلخّص المقاصد الخاصّة بفلسطين في دائرتين:

أمّا الدّائرة الأولى: ففي حفظ المقاصد العالية والمقاصد الكلّيّة، والدّفاع عنها، واستنقاذها واستردادها من حالتها المتردّية الّتي أوقعها فيها الاحتلال بممارساته وجرائمه الثّابتة تاريخيًّا والمشهودة واقعيًّا، بما بيّنّاه أعلاه عند الحديث عن الرّتبتين، وهذه الدّائرة مطالب بها أيّ مجتمع، وأيّ حكومة، وأيّ حركة تعمل للإسلام، وتلتقي فلسطين في هذه الدّائرة مع الأمّة الإسلاميّة في أيّ مكان، والمجتماعات الإسلاميّة في أيّ زمان، ولا شكّ أنّ البشريّة بمللها ونحلها تلتقي على أرض هذه المقاصد المشتركة بما بيّنّا وجوهه آنفًا.

وأمّا الدّائرة الثّانية: فهي المقاصد الخاصّة على وجه الحقيقة بما ينطبق عليها مصطلح المقاصد الخاصّة([27])، وهي تحرير فلسطين بكامل أرضها وكلّ ترابها، بأقصاها وأسراها، بغزّتها وضفّتها، بشرقها وغربها وشمالها وجنوبها، وإجلاء الاحتلال بشكل كامل عن أراضيها، وليس مجرّد صدّ عدوانه أو ردّ إجرامه أو مواجهة انتهاكاته أو مشاغلته فقط .. هذه هي المقاصد الخاصّة التي ننشد تحقيقها ونسعى للعمل عليها في فلسطين، وهذا ما يدعونا – كما تحدّثنا في المبحثين السّابقين – إلى الحديث عن الأثر السّلبيّ للاحتلال على المقاصد الخاصّة، وكذلك أثرها الإيجابيّ في الوحدة للتّحرير.

أوّلًا: الأثر السّلبيّ للاحتلال على المقاصد الخاصّة بفلسطين:

إنّ الدّائرة الأولى التي هي المقاصد العالية والكلّيّة لن تتحقّق بشكل كامل إلّا بتحقّق الدّائرة الثّانية، وستظلّ الدّائرة الأولى متأثّرة متعثّرة ما دامت الدّائرة الثّانية لم تتحقّق؛ وذلك لما للاحتلال من تأثير على الأولى بفعل الثّانية التي هي بقاؤه محتلّا دون إجلاء وتحرير.

وهنا يرد كلُّ ما قلناه من تأثيرات سلبيّة متنوّعة للاحتلال على المقاصد العالية والتي تتضمّن العدالة والحرّيّة والأمن والرّحمة وغيرها من مفاهيم تأسيسيّة، وكذلك على المقاصد الكلّيّة بكلّيّاتها الخمس: حفظ الدّين والنّفس والنّسل والعقل والمال.

بالإضافة إلى أنّ تأثيره على الدّائرة الثّانية التي هي بقاؤه واستمراره في إزهاق الأرواح واحتلال الأرض وانتهاك العرض، وتدنيس المقدّسات؛ فلا يوجد محتلّ احتلّ أرضًا ويريد الخروج منها؛ فلن يكون هذا إلّا بالجهاد الشّامل، وفي القلب منه الجهاد المسلّح الذي لم يثبت أن أجليَ محتلّ إلّا به، يعاضده في ذلك أنواع الجهاد الآخر: السّياسيّ والاقتصاديّ والإعلاميّ وغيرها.

ثانيًا: الأثر الإيجابيّ للمقاصد الخاصّة بفلسطين على الوحدة للتّحرير:

إنّ هذه المقاصد بدائرتيها وإن كان للاحتلال آثار سلبيّة عليها: الدّائرة الثّانية بالأصالة والأولى بالتّبعيّة، فإنّ هذه المقاصد نفسها هي باعث من البواعث الكبرى على توحيد المختلفين ورصّ الصّفوف وحشد الجهود وجمع النّقود وتفعيل الطّاقات من أجل تحقيق ما ينشده الجميع؛ من تحرير للأرض والمقدّسات والأسرى والمسرى، وإجلاء للعدوّ والمحتلّين.

فعلى مستوى الدّائرة الأولى التي هي المقاصد العالية والكلّيّة فقد رأينا في المبحثين الأوّل والثّاني كيف يكون لها أثرها في وحدة العاملين والمجاهدين؛ سعيًا لمشروع التّحرير الكامل، بما تتمتّع به كلّ من المقاصد العالية والكلّيّة بآفاق إنسانيّة واسعة، وتوفير مساحات مشتركة يمكن أن يتلاقى عليها الفرقاء والمختلفون؛ ولهذا قلنا: إنّ المدخل المقاصديّ يمثّل فُرصًا عظيمة وإمكانًا كبيرًا لتوحيد الجهود على أرضه وفي ساحته التي تجمع المختلفين في العقائد، فاجتماع أهل الدّين الواحد من باب أولى حتّى لو كانوا مختلفين سياسيًّا أو فكريًّا، وهذا ما توفّره المقاصد والمدخل المقاصديّ عامّة، بل إنّ هذا يعدّ من أبرز خصائصه: أنّه يجمع الفرقاء ولا يفرّق، ويوظّف الطّاقات ولا يعطّل، ويجدّد ما بلي ولا يبدّد.

أمّا على مستوى الدّائرة الثّانية، وهي ما يتعلّق بالتّحرير وإجلاء العدوّ، فهو المقصد الخاصّ الأبرز في فلسطين، والذي يسعى الجميع له، وهكذا يجب أن يكون، وهو موعود الله تعالى في قوله: ﴿ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ لِیَسُـࣳۤـُٔوا۟ وُجُوهَكُمۡ وَلِیَدۡخُلُوا۟ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةࣲ وَلِیُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوۡا۟ تَتۡبِیرًا﴾ [سورة الإسراء: ٧]، فهذه الـ “كما” في الآية الشّريفة لها معانٍ عظيمة، منها: التّطابق بين حال من سيقومون بذلك مع حال السّابقين، وهو ما يشير إلى التّشابه بين سيرة رسولنا الكريم معهم، ومع من بعده ممّن فتحوا وحرّروا بيت المقدس مع فارق الفضل والمكانة([28]).

فالدّخول من مدخل هذا المقصد فضلًا عن أنّه يجمع النّاس ويوحّد صفوفهم فإنّه يقطع الطّريق على أعذار أهل الأعذار، ويبطل تأويلات أهل التّأويل، ولا يترك فرصة للتّلفّت يمينًا وشمالًا إلّا عند أهل التّنسيق الأمنيّ، وأهل الخيانة للدّين والوطن، والكلّ سيكون حريصًا على دفع هذه التّهمة عنه، وأن يصُفّ نفسه – حتّى لو ظاهريًّا – في صفوف المجاهدين، ويسلك نفسه في سبيل الرّاغبين في التّحرير، وهذه وظيفة مهمّة للمقاصد تلتقي مع أثرها في ردّ الشّبهات وتصحيح المفاهيم ظاهرًا وباطنًا.

وأوّل ما تنعكس طبيعة هذه المقاصد ومقتضاها يجب أن يكون على الحركات المجاهدة والجماعات المقاومة، على مستواها الدّاخليّ: تصحيحًا وضبطًا وتوجيهًا وترشيدًا، وعلى مستوى ما بينها وبين غيرها من الحركات والهيئات: تشبيكًا وتفعيلًا وتشغيلًا، ثمّ على مستوى امتداد أمّتها بما يعزّز توحيد الكلمة ويقوّي العزم للتّحرير والإجلاء: عونًا ومساندة وتعزيزًا ومشاركة.

ومن فوائد ذلك – أعني رعاية الحركات المجاهدة لمقتضيات ذلك – أن تلتفّ الأمّة بشعوبها خلف هذه الحركات المجاهدة، حين تراها متوحّدة متراصّة قويّة، وكذلك من فوائده أنّه يدخل الرّعب والفزع في قلوب العدوّ. وإنّ كلّ ما يُرهبه هو من الإعداد المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ یَعۡلَمُهُمۡۚ﴾ [سورة الأنفال: ٦٠].

المبحث الرّابع: فوائد تفعيل مقاصد الشّريعة في قضيّة فلسطين:

نودّ أن نقرّر في البداية أنّ تفعيل مقاصد الشّريعة والفكر المقاصديّ وإعمال المدخل المقاصديّ، في العلوم الشّرعيّة بوجه عامّ له أهمّيّته وفوائده وعوائده التي ليس هنا مجال ذكرها، كما أنّ لتفعيل هذا الفكر وإعماله في مجال السّياسة الشّرعيّة على وجه خاصّ له أهمّيّته الكبيرة بما أنّ قاعدتها الكبرى المصالح والمفاسد؛ حيث إنّه يعمل على تجديد الفقه السّياسيّ وترشيده، وضبطه وتوجيهه، وإحيائه وتطويره، من حيث الآليّات والوسائل والصّور والأشكال، وغير ذلك.

ولهذا قال العلّامة الطّاهر بن عاشور: “ولإطالة الكلام في ذلك فائدة عظيمة، ليتعلّمَ مزاولُ هذا العلم أنّ طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، وأنّه إن لم يتبع هذا المسلكَ الواضح والمحجّةَ البيضاءَ فقد عطَّل الإسلام عن أن يكون دينًا عامًّا وباقيًا، ولم يأمن أن يسلك واديًا أخوف إلّا ما وفى الله ساريًا”([29]).

كما أنّ لتفعيل هذا الفكر في القضيّة الفلسطينيّة على وجه أخصّ فوائد خاصّة جدًّا، ومهمّة جدًّا، ونافعة ودافعة ورافعة: نافعة للعاملين فيها، ودافعة للعمل نحو التّحرير، ورافعة لشأنها وذكرها ومكانتها، هي والعاملين فيها ولها على السّواء.

وقد ذكرنا في المباحث السّابقة – الأوّل والثّاني والثّالث – أطرافًا من هذه الفوائد خاصّة بكلّ نوع من أنواع المقاصد، المقاصد العالية، والمقاصد الكلّيّة الضّروريّة، والمقاصد الخاصّة، واتّضح مدى تأثّرها سلبًا بممارسات الاحتلال، كما اتّضح بالدّرجة نفسها ما لهذه المقاصد من دور في صناعة الوحدة وتعزيزها للعمل على تحرير الأرض والمقدّسات، لكنّ هذا لا يعفينا من الوقوف وقفة مستقلّة للحديث عن هذه الفوائد أو بعضها بشكل أوضح وأبرز، ليترسّخ مقصود هذا البحث في العقل المسلم ويفعل فعله ويحقّق غايته.

وقد رأينا أن نقسم هذه الفوائد إلى نوعين: فوائد عامّة، وفوائد خاصّة، على النّحو الآتي.

أوّلًا: فوائد عامّة:

نقصد بالفوائد العامّة تلك الفوائد التي تعود على القضيّة نفسها وتشترك معها فيها الأمّة بقضاياها الأخرى، فهي لا تخص القضيّة فقط، وإنّما تعمّ معها غيرها، وهذا ما نعنيه بالفوائد العامّة، ومن هذه الفوائد العامّة ما يأتي:

  1. امتثال أمر الله تعالى:

نحن بتفعيل هذا الفكر واعتماده في التعلُّم والتّعليم والحركة والعمل نمتثل أمر الله تعالى وأمر رسوله صلّى الله عليه؛ فالآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة التي تحضّ على التّعقّل والتّفكّر والاعتبار والثّناء على أولي الألباب تشكّل مدوّنة من النّصوص عندنا بحمد الله تعالى.

كما أنّ في ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم بتحقيق الوحدة، فالله تعالى يقول واصفًا الأمّة: ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ﴾ [سورة المؤمنون: ٥٢]، ويقول جلّ شأنه معلنًا محبّته لمن هم صفّ كالبنيان المرصوص: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَـٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ﴾ [سورة الصّفّ: ٤]. وفي النّهي عن التّفرّق والاختلاف المذموم قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥]، وينهى عن التّنازع ويجعله طريق الفشل وذهاب الرّيح فيقول: ﴿وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [سورة الأنفال: ٤٦]، فالقرآن الكريم يرسم صورة متكاملة عن الوحدة؛ فهو يأمر بها ويرغب فيها، وينهى عن ضدّها الذي هو التّفرّق والتّنازع ويُبَغِّض فيه، ويرسم الطّريق للوحدة والوصول إليها([30])، وفي هذا فائدة امتثال أمر الله تعالى.

  • امتثال أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم:

أمّا السّنّة النّبويّة ففيها الكثير من هذا، من ذلك ما أخرجه البخاريّ ومسلم بسندهما عن النّعمان بن بشير أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَراحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكى منْهُ عضوٌ تداعى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمّى)([31]).

قال ابن حجر العسقلانيّ: “قوله بالسّهر والحمّى: أمّا السّهر فلأنّ الألم يمنع النّوم، وأمّا الحمّى فلأنّ فقد النّوم يثيرها، وقد عرّف أهل الحذق الحمّى بأنّها حرارة غريزيّة تشتعل في القلب فتشبّ منه في جميع البدن فتشتعل اشتعالًا يضرّ بالأفعال الطبيعيّة. قال القاضي عياض: فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح، وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصّور المرئيّة، وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحضّ على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضًا. وقال ابن أبي جمرة: شبّه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الإيمان بالجسد وأهلَه بالأعضاء؛ لأنّ الإيمان أصل وفروعه التّكاليف، فإذا أخلّ المرء بشيء من هذه التّكاليف شأن ذلك الإخلال الأصل، وكذلك الجسد أصل كالشّجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلّها كالشّجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزّت الأغصان كلّها بالتّحرّك والاضطراب([32]).

فهذه النّصوص كلّها آمرة بالوحدة، ناهية عن التّفرّق والتّنازع، ونحن باتّباع طريق تفعيل مقاصد الشّريعة وفكرها نكون في صفّ الوحدة ممتثلين أمر الله ورسوله، بعيدين عن طرق الاختلاف والتّنازع، وفي هذا فائدة امتثال أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

  • تحقيق الوحدة مع ورود الاختلاف:

ومن أهمّ الفوائد العامّة لتفعيل الفكر المقاصديّ في قضيّة فلسطين هو تحقيق الوحدة، وهذا ما نبّهنا إليه كثيرًا فيما سبق تناوله، وهو نفسه السّبب الذي دعا العلّامة محمّد الطّاهر بن عاشور إلى تأليف كتابه القيّم: “مقاصد الشّريعة الإسلاميّة”؛ إذا رأى أنّ علم الأصول لم يحقّق هذه الغاية؛ حيث قال: “هذا كتاب قصدتُ منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، والتّمثيل لها، والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراسًا للمتفقِّهين في الدّين، ومرجعًا بينهم عند اختلاف الأنظارِ وتبدّل الأعصار، وتوسُّلًا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودُربة لأَتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف … دعاني إلى صرف الهمّة إليه ما رأيتُ من عُسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشّريعة”([33]).

ومن المقرّر أنّ المقاصد وإن حقّقت توحيد النّاس في أشياء، فلن تكون أداة لتوحيدهم في كلّ شيء، ولا فضّ الخلاف في كلّ مسألة، ولا إنهاء النّزاع في كلّ قضيّة، فهذا خلاف سنّة الله في خلقه الذي قضى أن يجعلهم مختلفين: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةࣰ وَ⁠حِدَةࣰۖ وَلَا یَزَالُونَ مُخۡتَلِفِینَ. إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ [سورة هود: 118-119]، ولكن سيبقى الاختلاف قائمًا، الاختلاف المشروع وليس التّفرّق المذموم([34])؛ ذلك الاختلاف الذي يجب أن يستوعب هو الآخر ويُناقَش في إطار الرّوح المقاصديّة والنّظر المقاصديّ.

وما من شكّ في أنّ وحدة العاملين لقضيّة فلسطين أمر غاية في الأهمّيّة والخطورة معًا، كما هو حال أهمّيّة الوحدة في الأمّة عامّة؛ فهو في غاية الأهمّيّة لأنّه لا يمكن أن يتحقّق نصر بغير وحدة، وهذا ما يشهد به التّاريخ منذ سيرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عهد صلاح الدّين وما بعده، وهو في غاية الخطورة؛ لأنّ لتحقيقه ما بعده، ولفقدانه ما بعده كذلك سواء بسواء، وحالة التّفرّق والاختلاف في عصر الصّليبيّين في بلاد الشّام وتطبيع الدّول المحيطة بها خير شاهد على حالة التّفرّق وأثرها، لكنّ حالة التّعبئة الشّعبيّة والإنكار على الحكّام كانت قويّة لا سيّما أنّها كان يقودها رجل في وزن العزّ بن عبد السّلام، وهذا أمر مستفيض في أيّ كتاب تاريخ عن هذه الفترة([35]).

ومن ثمّ فإنّ “وحدة الرّؤية لدى العاملين لخدمة بيت المقدس ممّا ينبغي إيلاؤه المزيد من الاهتمام، فبعثرة الجهود خارج إطار الرّؤية الإستراتيجيّة الموحّدة سيتسبّب بهدر الكثير من الأموال والطّاقات والأوقات بعيدًا عن المعركة في ساحة أخرى لا فائدة منها أو لا فائدة مهمّة منها”([36]).

  • ضبط الإفتاء والاجتهاد الشّرعيّ للقضيّة:

من الفوائد العامّة التي يثمرها الاحتكام إلى مقاصد الشّريعة والفكر المقاصديّ، أنّ استحضار هذا كلّه يثمر حالة من الانضباط في الفتوى، وتنعكس حالة الوحدة والاتّفاق على الحالة الإفتائيّة أيضًا، فما دام الهدف قائمًا والمقصد واضحًا، والرّؤية جليّة وظاهرة فستجد المؤهّلين للفتوى قليلي الاختلاف منضبطي الصّدور في الرّأي الشّرعيّ، والاجتهاد الفقهيّ.

ولهذا حصر الشّاطبيّ شروط المجتهد في أمرين اثنين؛ حيث قال: “إنّما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتَّصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشّريعة على كمالها، والثّاني التمكُّن من الاستنباط بناءً على فَهْمه فيها([37]).

والقضيّة الفلسطينيّة فيها نوازل كثيرة، ومستجدّات متنوّعة، لا سيّما في هذه المرحلة التي نحياها، ومن ذلك: العمليّات الاستشهاديّة، ومسيرات العودة الكبرى، والتّحالفات السّياسيّة مع دول بعينها .. إلخ.

 وهذه المستجدّات والنّوازل لن ينضبط الاجتهاد فيها ولن تُسدّد الفتوى إلّا بتفعيل مقاصد الشّريعة، سواء العالية أو الكلّيّة أو الخاصّة التي أسلفنا الحديث عنها، فتحكيم هذه المقاصد برتبها يثمر الاتّفاق ووحدة الرّأي وتقليل الاختلاف بحسب الإمكان، وهذه وظيفة مهمّة من الوظائف التي يثمرها رعاية المقاصد في الاجتهاد والفتوى.

  • تحديد الأولويّات:

ومن الفوائد المهمّة جدًّا التي تعود على الأمّة عامّة وقضيّة فلسطين خاصّة من تفعيل مقاصد الشّريعة والتّفكير المقاصديّ والنّظر المقاصديّ هي تحديد الأولويّات؛ إذ إنّ معرفة المقاصد بمراتبها وأنواعها يقود المجتهد حتمًا، ويرشد العاملين حقًّا إلى تقديم ما من حقّه التّقديم، وتأخير ما من حقّه التّأخير، فلن يقدّم الكلّيّات على الجزئيّات، ولا الفروع على الأصول، ولا الظّنّيّ على القطعيّ، ولا الحاجيّ على الضروريّ، ولا التّحسينيّ على الحاجيّ، ولا الوهميّ على الظّنّيّ، ولا التّبعيّ على الأصليّ، ولا الفرديّ على الجماعيّ .. وهل يقود إلى هذا الوعي إلّا معرفة المقاصد وتفعيل المقاصد؟!

ولهذا فإنّ فقه الأولويّات هو: “العلم بمراتب الأعمال ودرجات أحقّيّتها في تقديم بعضها على بعض المستنبط من الأدلّة ومعقولها ومقاصدها”([38]).

وكيف يحدّد العالم أو العامل أو المجاهد مراتب الأعمال ودرجة أحقّيّتها في التّقديم أو التّأخير دون معرفة بالمقاصد ومراتبها وأنواعها؛ فهذا ضروريّ وهذا حاجيّ وذاك تحسينيّ، وهذا قطعيّ وذاك ظنّيّ، وهذا أصليّ وذلك تبعيّ، وذاك أخرويّ وهذا دنيويّ، وهذا فرديّ وهذا جماعيّ، وذاك مستقبليّ وهذا حاليّ، وهذا محرّم وهذا واجب، وهذا مندوب وذاك مكروه.

إعمال فقه المقاصد – إذن – يُمَكّن من معرفة رتب المصالح والمفاسد وتحديد مراتبها ومنازلها بما يجعلنا نحقّق الأصلح فالصّالح، ونهتمّ بالأهمّ فالمهمّ، وندفع به عن الأمّة والقضيّة الأفسد فالفاسد، ولا تشغلنا بالمهمّ عن الأهمّ، ولا بالأقلّ فائدة عن الأعظم فائدة، وهكذا فإنّنا لا يمكننا تصنيف الأولويّات وتحديدها إلّا بمعرفة المقاصد وتحكيم فكرها واعتماد مدخلها في التّعامل مع الشّريعة عمومًا، وقضيّة فلسطين على وجه الخصوص.

ومن المستقرّ أنّ إعمال فقه الأولويّات الذي هو فقه مراتب الأعمال يتّسق مع الفطرة ويؤيّده منطق العقلاء، وهذا ما قرّره من قديم الإمام ابن تيميّة حين قال: “ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشّرّ، وإنّما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشرّ الشّرّين وينشد:

إنّ اللبيب إذا بدا من جسمه ** مرضان مختلفان داوى الأخطرا

قال: وهذا ثابت في سائر الأمور؛ فإنّ الطبيب مثلًا يحتاج إلى تقوية القوّة ودفع المرض؛ والفساد أداة تزيدهما معًا؛ فإنّه يرجّح عند وفور القوّة تركه إضعافًا للمرض وعند ضعف القوّة فعله؛ لأنّ منفعة إبقاء القوّة والمرض أولى من إذهابهما جميعًا؛ فإنّ ذهاب القوّة مستلزم للهلاك، ولهذا استقرّ في عقول النّاس أنّه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوّى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكنّ عدمه أشدّ ضررًا عليهم”([39]).

وبعد سقوط الخلافة الإسلاميّة التي كانت تمثّل الرّاية السّياسيّة الجامعة للمسلمين احتلّت فلسطين بعدها بقليل، ومن هنا “كان من أوجب الواجبات على العاملين لنصرة قضيّة الإسلام الأولى تطبيق فقه الأولويّات على كلّ تصرّف أو تدبير أو عمل أو اجتهاد يتعلّق بهذه القضيّة، وهذا يستلزم ضرورةً تشكيل هيئة أو هيئات مختصّة بتقدير المصالح والمفاسد وتشخيصها والموازنة بينها، وهذه الهيئة تتكوّن من مجموعة من المختصّين في أبواب الفقه وأصوله والأولويّات والمقاصد والسّياسة الشّرعيّة بالإضافة إلى مجموعة من أصحاب الخبرة السّياسيّة مع الاستفادة من أهل الاختصاصات والخبرات الأخرى عند النّظر في مسائل متعلّقة بمجالاتهم، والذي أراه أنّ هذا النّوع من الاجتهاد سوف يرشد مسيرة الاجتهاد في مسائل القضيّة، ويوحّد الجهود، ويصحّح المسارات، ويقرّبنا من الوصول إلى موعود الله عزّ وجلّ لهذه الأمّة بتحرير مسجدها الأقصى وبيت المقدس”([40]).

وقد أورد د. محمّد همام في دراسته عددًا من القضايا التي أعمل فيها فقه الموزانات مع الأولويّات، مثل: قضيّة أرض فلسطين، وبيت المقدس والأقصى، وملفّ المقاومة العسكريّة، وملفّ الحصار، وقضيّة الأسرى في سجون الاحتلال، وملفّ مقاومة التّطبيع، والملفّ الخيريّ، وقضيّة اللّاجئين وحقّ العودة، وملفّ المصالحة الوطنيّة، وملفّ زيارة القدس تحت الاحتلال، والتّفاوض مع الكيان الصّهيونيّ، ومسيرات العودة الكبرى، وقد ذهب فيها لرأي جدير بالاعتبار بناء على تحكيم قواعد فقه الموازنات والأولويّات([41]).

واعتماد فقه الأولويّات بدوره يثمرُ ثمراتٍ عظيمةً تستحقّ أن تفرد بالبحث والاستقصاء لما له من أهمّيّة؛ إذ هي من ثمرات فقه المقاصد ومن فوائده، ومن ذلك: أنّ إعمال هذا الفقه يقصّر مسافة المعاناة ويسرّع الخطى نحو التّحرير، ويوفّر الوقت والجهد والمال، ويعظّم الجهود ويستفاد منها أعظم إفادة، ويستثمر الطّاقات ويفعّلها، ويرهب العدوّ؛ لأنّ خصمه عاقل عقلًا متّسقًا مع الفطرة السّويّة والذّكاء البشريّ، وغير هذا ممّا يجعل الأمّة محتشدة حول المجاهدين والمرابطين؛ لما لذلك من تعظيم الثّقة في هذه “الطّائفة” لدى عموم الأمّة، وهذا كلّه يحتاج لبسط وتفصيل.

ثانيًا: فوائد خاصّة:

إذا كان ما سبق هو بعض الفوائد العامّة المترتّبة على إعمال مقاصد الشّريعة في القضيّة، وهي فوائد تهمّ قضيّة فلسطين وغيرها؛ فإنّ إعمالها وتحكيم فكرها واعتماد مدخلها له فوائد خاصّة لا تقل أهمّيّة عن الفوائد العامّة، ونعني بالفوائد الخاصّة تلك التي تتعلّق بقضيّة فلسطين مباشرة، وقد تلتقي هذه الفوائد مع عمل مؤسّسات خاصّة وهيئات وجهات خاصّة، لكنّها ذات تأثير مبين على قضيّة فلسطين، وذات أهمّيّة بالغة للعاملين لها والمجاهدين في سبيلها، ومن هذه الفوائد التي لن نفصّل فيها طويلًا وإنّما سنشير لها مع بعض الإضاءات والإشارات الكاشفة عن معناها وحقيقتها، ومن هذه الفوائد:

  1. تحديد مراحل العمل للتّحرير:

إنّ من مقاصدنا الخاصّة في فلسطين – كما قرّرنا سلفًا – تحرير الأرض والمقدّسات وإجلاء العدوّ، وهذا المقصد المهمّ والحاكم للحركة والجهاد والفعل والاختيارات معًا من فوائده أنّ الوصول إليه يوجب تقسيم الزّمن إلى مراحل، فتحرير الأوطان وبخاصّة بلد مقدس مثل فلسطين لا يمكن أن يكون ضربة لازب، ولا بين غمضة عين وانتباهتها، وإنّما بفكر رصين، وتخطيط رشيد، وفعل وتصرّفات حكيمة.

ومن ثمّ فإنّ اعتماد هذا المقصد وتفعيله يثمر تقسيم الزّمن إلى مراحل، وهذه المراحل تكون متدرّجة متصاعدة، وهذا التّصاعد يجب أن ينتهي إلى التّحرير.

  • وضع الخطط والإستراتيجيّات لكلّ مرحلة:

ومن فوائد إعمال مقاصد الشّريعة الخاصّة بفلسطين أنّها تقودنا إلى وضع الخطط المناسبة لكلّ خطّة، فالمراحل الأولى لن تكون خططها كالمراحل المتوسّطة فضلًا عن النهائيّة، فلكلّ مرحلة خططها المناسبة، ولكلّ خطّة ومرحلة إستراتيجيّات في العمل والممارسة والتّفاعل مع الأحداث، والرّدود على المحتلّ الغاصب، فهناك مرحلة تكون إستراتيجيّتها مشاغلة العدوّ أو ردّ الفعل، وهناك مراحل يجب أن تكون إستراتيجيّتها صناعة الفعل وتوليد الحدث بما يدخل الرّعب والفزع على قلوب العدوّ فيكرهه على الرّحيل.

  • اختيار الوسائل المناسبة وتجديدها وتغييرها:

من أهمّ فوائد إعمال مقاصد الشّريعة وفكرها أنّها تعين على اختيار الوسائل المناسبة، فما لم أعرف أيّ مرحلة أنا فيها فلن أستطيع اختيار وسائلها، ولن أستطيع معرفة كلّ مرحلة إلّا بناء على وضعها طبقًا للمقصد الذي ستحقّقه، والذي بدوره سينتهي بنا إلى مقصدنا الخاصّ من فلسطين وهو التّحرير.

والأمر لا يتوقّف على اختيار الوسائل المناسبة فقط، وإنّما اختبار هذه الوسائل طبقًا لطبيعة المرحلة ومقصدها؛ فإن حقّقت غايتها فهو المرجوّ، وإن قامت به بضعف فقد تحتاج لتجديد وتقوية، وإن لم تؤدّه أصلًا فإنّها تحتاج لتغيير؛ لأنّها حينئذ تكون باطلة، والأمر كما قال العزّ بن عبد السّلام: ” كلّ تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل”([42]).

والحقّ أنّ هذا من مقوّمات الصّلاحيّة الحضاريّة للشّريعة الإسلاميّة، ومن هنا فإنّ “معنى صلوحيّة شريعة الإسلام لكلّ زمان أن تكون أحكامها كلّيّات ومعاني مشتملةً على حِكَم ومصالح، صالحةً لأن تتفرّع منها أحكام مختلفةُ الصّور متّحدةُ المقاصد”([43]).

وإذا كانت المقاصد ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزّمان والمكان والحال، فإنّ الوسائل تمثّل عنصر المرونة والتّغيّر والسّعة في الشّريعة الإسلاميّة لاستيعاب المستجدّات، واحتضان التّطوّرات، وتحقيق الغايات([44]). والأمر أكثر وضوحًا في العمل لقضيّة فلسطين، فالمقصد من العمل فيها واضح، وهو ثابت، ومن ثمّ فإنّ تنوّع الوسائل بما يحقّق هذا المقصد هو الحافز على توظيف الطّاقات واستيعاب المتغيّرات.

  • تحديد رجال كلّ مرحلة والخطاب الإعلاميّ ومفرداته:

إذا وقفنا على المقاصد الخاصّة التي ننشدها في فلسطين، وحددنا مراحل العمل الموصلة لهذا الهدف بخطط كلّ مرحلة ووسائلها، فلا بدّ أنّ يقودنا ذلك إلى الاختيار المناسب لرجال كلّ مرحلة، ورجال كلّ ساحة ومساحة، فرجال التّربية غير رجال السّياسة والمناورة واقتناص الفرص، ورجال العمل العسكريّ غير رجال العمل الخيريّ، وهكذا، فلكلّ ساحة رجالها، وهي ضمن الوسائل لكن جعلناها مستقلّة لأهمّيّتها.

وكذلك فإنّ من فوائد تحديد المراحل بخططها ووسائلها أن نختار الرّجال المناسبين لكلّ مرحلة، فمرحلة ردود الأفعال ومشاغلة العدوّ تختلف عن مرحلة الهجوم وصناعة الحدث، ومرحلة البداية لحشد الطّاقات وصناعة بنية تحتيّة مناسبة للحفاظ على الكيان المسلم المجاهد تختلف عن مراحل النّهاية التي يكون فيها إساءة الوجه والتّحرير والإجلاء الكامل، فلكلّ مرحلة رجالها المناسبون لها والقائمون بخططها، والمتّبعون لإستراتيجيّتها، والمحقّقون لهدفها.

وكذلك من الفوائد تحديد طبيعة الخطاب الإعلاميّ المناسب لكلّ مرحلة، وما في هذا الخطاب من ثوابت لا يجوز التّنازل أو التّراجع عنها، ومتغيّراته التي تقبل المرونة فيها، ولهذا الخطاب الإعلاميّ مفرداته وكلماته وطبيعته التي تناسب مرحلته وتحدّد هدفها، كلّ هذا يثمره إعمال مقاصد الشّريعة والفكر المقاصديّ واعتماد مدخلها منهجًا للعمل وطريقة للأداء.

  • ضبط التصرّفات الجزئيّة داخل الأحداث الجزئيّة:

قد تكون هذه أدنى درجة من درجات النّظر، بل أقلّ رتبة من رتب المقاصد وهي المقاصد الجزئيّة التي تحكم التّصرفات الجزئيّة والأحداث الجزئيّة، والتي يجب أن تكون منضبطة بالمقاصد العالية والكلّيّة الضّروريّة، وهي – من ثمّ – تخضع للمرحلة التي تنتمي إليها والتي وضعناها طبقًا لهدفها بالنّظر إلى الهدف الخاصّ الكبير وهو التّحرير والإجلاء.

ومن هنا فلا يجوز تقييم الحدث الجزئيّ والتّصرّف الفرعيّ بمعزل عن مرحلته، ولا بفصل عن هدف تلك المرحلة، فالتّصرّفات الجزئيّة معتبرة بمراحلها مضبوطة بمقاصد كلّ مرحلة، “وهذا يبيّن لنا أنّ استحضار المقصد قبل العمل وأثناءه وبعده يعدّ – بلا شكّ – معيارًا يقيس مدى صحّة العمل من خطئه، ومدى نجاحه من فشله، ومدّة ما حقّقه من إنجاز ونفع، كما أنّنا يمكن أن نقيم أعمالنا وممارساتنا وتصرّفاتنا في ضوء المقصد منها، فالمقاصد عمومًا – والجزئيّة منها خصوصًا – تضبط السّلوك وتقيمه، كما أنّها تصحّحه وتقوّمه”([45]).

وهذا يفيدنا في تقييم التّصرّفات الجزئيّة في العمل الفلسطينيّ والنّظر للأحداث الفرعيّة الرّامية إلى التّحرير، من ناحية التّقويم حين يحدث انحراف، ومن ناحية التّقييم حين نريد أن نقيّم وضعنا وأداءنا، وحين نريد تحديد مكان قدمنا في المرحلة التي نمرّ بها، ومع من نتعامل ومع من نغلق الباب، وهذا كلام دقيق جدًّا يحتاج إلى نظر فاحص وتقدير سليم، وتوفيق من الله تعالى.

الخاتمة

تبيّن لنا من هذا البحث أهمّيّة مقاصد الشّريعة باعتبارها فكرًا معياريًّا حاكمًا وضابطًا للفقه والفتوى والاجتهاد بصفة عامّة، ولمجال السّياسة الشّرعيّة بصفة خاصّة، وللاجتهاد والفتوى والعمل والجهاد لقضيّة فلسطين بصفة أخصّ.

وقد رأينا الآثار السّلبيّة بل الكارثيّة لممارسات الاحتلال على المقاصد بكلّ مراتبها: العالية والكلّيّة الضّروريّة والخاصّة، كما رأينا في الوقت نفسه أهمّيّة استدعاء المدخل المقاصديّ وتفعيل الفكر المقاصديّ بين العاملين للقضيّة والمجاهدين في سبيلها توحيدًا للكلمة وتقريبًا من اليوم الموعود، يوم التّحرير والإجلاء.

كما تبيّن لنا بجلاء الفوائد العظيمة المجتناة من اعتماد المدخل المقاصديّ وتفعيل مقاصد الشّريعة للقضيّة الفلسطينيّة، سواء أكانت فوائد وثمرات عامّة، مثل: امتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وتحقيق الوحدة مع ورود الاختلاف، وضبط الإفتاء والاجتهاد الشّرعيّ للقضيّة، وتحديد الأولويّات. أم كانت ثمرات خاصّة، مثل: تحديد مراحل العمل للتّحرير، ووضع الخطط والإستراتيجيّات لكلّ مرحلة، واختيار الوسائل المناسبة وتجديدها وتغييرها، وتحديد رجال كلّ مرحلة والخطاب الإعلاميّ ومفرداته، وضبط التّصرّفات الجزئيّة داخل الأحداث الجزئيّة.

ويوصي الباحث بمزيد من الدّراسات المقاصديّة التي تبيّن أثر تفعيل المقاصد واعتمادها منهجًا للتّفكير في قضايانا المختلفة: الفكريّة والتّربويّة والدّعويّة والجهاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة؛ فإنّ فقه مقاصد الشّريعة الإسلاميّة بما تتضمّنه من مداخل التّعليل والمصالح والموازنات والمآلات هو الفقه الحضاريّ على الحقيقة.

أهمّ المراجع

  1. ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الحديث، القاهرة، الطّبعة الأولى، 1414هـ/1993م.
  2. أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، الموافقات، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، القاهرة، مصر، الطّبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.
  3. أبو الحسن سيف الدين الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، دمشق.
  4. أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطّبعة الأولى، 1413هـ – 1993م.
  5. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النّبويّة، السعودية، 1416هـ/1995م.
  6. أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، تخريج وتصحيح محب الدين الخطيب، دار المعرفة – بيروت، 1379ه.
  7. جريدة القدس العربي، عدد 27 مارس، 2004م.
  8. جمال الدين يوسف بن حسن بن المبرد الصالحي الحنبلي، محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، طبعة عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلاميّة، المدينة النّبويّة، المملكة العربية السعودية، الطّبعة الأولى، 1420هـ/2000م.
  9. جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشّريعة، دار الفكر. دمشق. الطّبعة الأولى. 1422هـ/ 2001م.
  10. رأفت محمد رائف المصري، بيت المقدس وأسس المعركة القادمة مع اليهود، تقديم د. صلاح الخالدي، دار الفاروق، عمان، الأردن، الطّبعة الأولى، 1437هـ/2016م.
  11. سامي الصلاحات، فلسطين: دراسات من منظور مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، الأردن، الطّبعة الثانية، 1431هـ/ 2010م.
  12. سيف الدين عبد الفتاح، فقه المقاصد وقضيّة القدس رؤية سياسية، ضمن كتاب دورة المعارف المقدسية “عمل جماعي لعدة علماء”، تحرير رجب الباسل، دار البشير للثقافة والعلوم، مصر، الطّبعة الثانية، 2011م.
  13. عبد المجيد النجار، مقاصد الشّريعة بأبعاد جديدة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطّبعة الثانية، 2008م.
  14. فؤاد إبراهيم الزبيدي ود. رأفت محمد رائف المصري، زاد الفاتحين نحو ترشيد العمل المقدسي وإنضاج الرؤية والمساهمة في صناعة فلسفة موحدة للعاملين لأجل القدس، دار الفاروق، عمان، الأردن، 1440هـ/2019م.
  15. محسن صالح، فلسطين: دراسات منهجية في القضيّة الفلسطينية، دار الفجر، ماليزيا، الطّبعة الأولى، 2002م.
  16. محمد همام ملحم، القواعد المقاصديّة في تصنيف الأولويات وتطبيقاتها في القضيّة الفلسطينية، دار النداء، اسطنبول، الطّبعة الأولى. 2019م.
  17. وصفي عاشور أبو زيد، رؤى مقاصدية في أحداث عصرية، دار المقاصد، القاهرة، الطّبعة الأولى، 1439هـ/2018م.
  18. وصفي عاشور أبو زيد، مقاصد الأحكام الفقهية تاريخها ووظائفها التربوية والدعوية، العدد (54) من سلسلة روافد، وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة، الكويت، الطّبعة الأولى، 1433هـ/2012م.
  19. سفي رخلافسكي، حمار المسيح الأصولية اليهودية – الحاضر والجذور، دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، 2016م.
  20. صحيح البخاري. (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه). لمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي. طبعات مختلفة، منها طبعة بتحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة – بيروت، الطّبعة الثالثة، 1407 – 1987م.
  21. صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم). لمسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري. طبعات مختلفة، منها طبعة بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريح.
  22. عبد الشافى محمد عبد اللطيف، السيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلامي، دار السلام – القاهرة، الطّبعة الأولى، 1428هــ.
  23. عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق: محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.
  24. مجموعة علماء، بحوث ندوة مسيرة العودة الكبرى من منظور شرعي، من منشورات هيئة علماء فلسطين في الخارج، دار النداء، اسطنبول، الطّبعة الأولى، 2018م.
  25. محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، قطر، 1425هـ – 2004م.
  26. محمد الغزالي، نظرة على واقعنا الإسلامي المعاصر، الطّبعة الثانية، دار ثابت، القاهرة، 1983م.
  27. محمد مصطفى النوباني، وموسى محمد حداد، دليل المرابطين لتحرير فلسطين، عمان، الأردن، 2012م.

([1]) عطيّة، جمال الدّين، نحو تفعيل مقاصد الشّريعة، دار الفكر. دمشق. الطّبعة الأولى. 1422هـ/ 2001م، ص: 111.

([2]) ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، وزارة الأوقاف والشّئون الإسلاميّة. قطر، طبع على نفقة سموّ الأمير خليفة بن حمد آل ثاني، الطّبعة الأولى، 1425هـ/ 2004م: 3/313.

([3]) انظر مراجع الموضع السّابق من المصدر السّابق، وقد صنّف العلّامة د. عبد المجيد النّجار المقاصد تصنيفًا مختلفًا، فعدّ من المقاصد: حفظ قيمة الحياة الإنسانيّة، وأدرج تحتها حفظ الدّين، وعدّ منها أيضًا حفظ إنسانيّة الإنسان، وأدرج تحته حفظ الفطرة الإنسانيّة، وحفظ كرامة الإنسان، وحفظ غائيّة الحياة، وحفظ الحرّيّة الإنسانيّة، وجعل منها حفظ الذات الإنسانيّة، وأدرج تحتها حفظ النّفس مادّيًّا ومعنويًّا، وحفظ العقل مادّيًّا ومعنويًّا، وجعل منها حفظ المجتمع، وأدرج تحته حفظ النّسل، وجعل منها: حفظ الكيان الاجتماعيّ، وأدرج تحته حفظ المؤسّسيّة الاجتماعيّة مثل الأسرة والدّولة، وحفظ العلاقات الاجتماعيّة برباط الأخوّة وميزان العدل وعلاقة التّكافل، وجعل منها حفظ المحيط المادّيّ، وأدرج تحته حفظ المال، وحفظ البيئة. راجع د. عبد المجيد النّجّار، مقاصد الشّريعة بأبعاد جديدة، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، لبنان، الطّبعة الثّانية، 2008م، ص: 57-234.

([4]) ابن قيّم الجوزيّة، إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، دار الحديث، القاهرة، الطّبعة الأولى، 1414هـ/1993م، 3/5.

([5]) ابن المبرد، جمال الدّين يوسف بن حسن، محض الصّواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، طبعة عمادة البحث العلميّ بالجامعة الإسلاميّة، المدينة النّبويّة، الطّبعة الأولى، 1420هـ/2000م، 2/ 473.

([6]) الغزاليّ، محمّد، نظرة على واقعنا الإسلاميّ المعاصر، الطّبعة الثّانية، دار ثابت، القاهرة، 1983 م، ص: 24، وانظر: عبد الشّافي محمّد عبد اللّطيف، السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ، دار السّلام – القاهرة، الطّبعة الأولى، 1428هــ، ص: 410.

([7]) أبو حامد الغزاليّ، المستصفى من علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السّلام عبد الشّافي، دار الكتب العلميّة، الطّبعة الأولى، 1413هـ – 1993م، ص: 174.

([8]) الشّاطبيّ، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللّخميّ، الموافقات، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفّان، القاهرة، مصر، الطّبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م: 2/ 17-18.

([9]) الشاطبيّ، أبو إسحاق، الموافقات، 2/ 18.

([10]) الآمديّ، أبو الحسن سيف الدّين، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: عبد الرّزّاق عفيفي، المكتب الإسلاميّ، دمشق، 2/274.

([11]) الصّلاحات، سامي، فلسطين: دراسات من منظور مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، مركز الزّيتونة للدّراسات والاستشارات، بيروت، الأردنّ، الطّبعة الثّانية، 1431هـ/ 2010م، ص: 65.

([12]) سفي رخلافسكي، حمار المسيح الأصوليّة اليهوديّة – الحاضر والجذور، دار كنعان للدّراسات والنّشر، دمشق، 2016م، ص: 241.

([13]) جريدة القدس العربيّ، عدد 27 مارس 2004م، وانظر كتاب: “الصّراع مع الصّهيونيّة: أصوات معارضة يهودية” لمؤلفته الإسرائيليّة دافنا ليفيت، الّتي قدّمت فيه صورة متشائمة لمستقبل إسرائيل؛ استنادًا لمواقف 21 مفكّرًا يهوديًّا انتقدوا إسرائيل لأسباب أخلاقيّة وثقافيّة.

([14]) انظر في تفصيل هذه المعارك وتلك الشّنائع والمجازر: د. محسن صالح، فلسطين: دراسات منهجيّة في القضيّة الفلسطينيّة، دار الفجر، ماليزيا، الطّبعة الأولى، 2002م، ص: 140، وما بعدها.

([15]) جزء من حديث أخرجه أحمد، تتمّة مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهليّ، (٢٢٣٢٠) واللّفظ له، والطّبرانيّ باب الصّاد (٨/١٧١)، دار إحياء التّراث العربيّ، برقم: (٧٦٤٣) بسندهما عن أبي أمامة الباهليّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “لا تَزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ لعَدوِّهم قاهرينَ، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، إلّا ما أصابَهم مِن لَأواءَ حتى يَأتيَهم أمْرُ اللهِ وهم كذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأين هم؟ قال: ببَيتِ المَقدِسِ وأكنافِ بَيتِ المَقدِسِ”. وقال شعيب الأرنؤوط  في تخريجه للمسند: “صحيح لغيره دون قوله: “قالوا: يا رسول الله، وأين هم … إلخ”.

([16]) عبد الفتّاح، سيف الدّين، فقه المقاصد وقضيّة القدس رؤية سياسيّة، ضمن كتاب دورة المعارف المقدسيّة “عمل جماعيّ لعدّة علماء”، تحرير رجب الباسل، دار البشير للثّقافة والعلوم. مصر، الطّبعة الثّانية، 2011م، ص: 57.

([17]) الصّلاحات، سامي، فلسطين: دراسات من منظور مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، ص: 105.

([18]) المصري، رأفت محمّد رائف، بيت المقدس وأسس المعركة القادمة مع اليهود، تقديم د. صلاح الخالدي، دار الفاروق، عمّان، الأردنّ، الطّبعة الأولى، 1437هـ/2016م، ص: 29.

([19]) راجع في ذلك جداول تاريخيّة عند د. سامي الصّلاحات، بالحركات والجماعات اليهوديّة التي كرّست جهدها للقضاء على الأقصى، في دراسته: فلسطين: دراسات من منظور مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، ص: 108-109، وانظر رأفت المصري المصدر السّابق، ص: 69، وما بعدها.

([20]) عبد الفتّاح، سيف الدّين، فقه المقاصد وقضيّة القدس رؤية سياسيّة، ضمن كتاب “دورة المعارف المقدسيّة”، عمل جماعيّ لعدة علماء وباحثين، تحرير رجب الباسل، دار البشير للثّقافة والعلوم. مصر، الطّبعة الثّانية، 2011م، ص: 57.

([21]) أخرجه البخاريّ في صحيحه عن أبي موسى الأشعريّ، كتاب الأحكام، باب إجابة الحاكم الدّعوة، برقم (7173).

([22]) أخرجه مسلم في صحيحه عن زيد بن خالد الجهنيّ، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير، برقم: (1895).

([23]) عطيّة، جمال الدّين، نحو تفعيل مقاصد الشّريعة، ص: 131.

([24]) النّجّار، عبد المجيد، مقاصد الشّريعة بأبعاد جديدة، ص: 44.

([25]) ابن عاشور محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، 3/403.

([26]) الشّاطبيّ، أبو إسحاق، الموافقات، 3/ 23.

([27]) وهو ما أوردناه أعلاه عن د. جمال الدّين عطيّة، ود. عبد المجيد النّجّار، والعلّامة ابن عاشور.

([28]) النّوباني، محمّد مصطفى، وحدّاد، موسى محمّد، دليل المرابطين لتحرير فلسطين، عمّان، الأردنّ، 2012م، ص: 108-109.

([29]) ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة: 3/275.

([30]) انظر تفصيلًا في تناول القرآن الكريم للوحدة: وصفي عاشور أبو زيد، رؤى مقاصديّة في أحداث عصريّة، دار المقاصد، القاهرة، الطّبعة الأولى، 1439هـ/2018م، 1/57-62.

([31]) أخرجه البخاريّ في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة النّاس والبهائم، برقم: (٦٠١١)، ومسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، برقم: (٢٥٨٦) واللّفظ له.

([32]) ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ، ترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي، تخريج وتصحيح محبّ الدّين الخطيب، دار المعرفة – بيروت، 1379هـ:  10/ 439-440.

([33]) ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة: 3/5-8.

([34]) للإمام يوسف القرضاوي كتاب بعنوان: “الصّحوة الإسلاميّة بين الاختلاف المشروع والتّفرّق المذموم”، وفيه تفصيل للخلاف المذموم والاختلاف المحمود، ومعالم هذا وذاك.

([35]) من ذلك كتب: حسين مؤنس عن “عماد الدين زنكي”، وسعيد عاشور عن “الحركة الصليبيّة”، ومحمّد الزّحيلي عن “العزّ بن عبد السّلام”، وعرسان الكيلاني عن: “هكذا ظهر جيل صلاح الدّين”، وغيرها.

([36]) الزّبيدي، فؤاد إبراهيم والمصري، رأفت محمّد رائف، زاد الفاتحين نحو ترشيد العمل المقدسي وإنضاج الرّؤية والمساهمة في صناعة فلسفة موحّدة للعاملين لأجل القدس، دار الفاروق، عمّان، الأردنّ، 1440هـ/2019م، ص: 144.

([37]) أبو إسحاق الشّاطبيّ، الموافقات: 5/41-42.

([38]) ملحم، محمّد همام، القواعد المقاصديّة في تصنيف الأولويّات وتطبيقاتها في القضيّة الفلسطينيّة، دار النّداء، إسطنبول، الطّبعة الأولى. 2019م، ص: 18.

([39]) ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشّريف، المدينة النّبويّة، السّعوديّة، 1416هـ/1995م: 20/54.

([40]) ملحم، محمّد همام، القواعد المقاصديّة في تصنيف الأولويّات، ص: 10-11، وانظر: مجموعة علماء، مسيرة العودة الكبرى من منظور شرعيّ، من منشورات هيئة علماء فلسطين في الخارج، دار النّداء، إسطنبول، الطّبعة الأولى، 2018م: 104-127.

([41]) المصدر السابق، 141-172.

([42])  ابن عبد السّلام، عزّ الدّين عبد العزيز، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق: محمود بن التّلاميد الشّنقيطي، دار المعارف، بيروت، لبنان: 1/121.

([43]) ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة: 3/276.

([44]) أبو زيد، وصفي عاشور، مقاصد الأحكام الفقهيّة تاريخها ووظائفها التّربويّة والدّعويّة، العدد (54) من سلسلة روافد، وزارة الأوقاف والشّئون الإسلاميّة، الكويت، الطّبعة الأولى، 1433هـ/2012م: ص: 130.

([45]) أبو زيد، وصفي عاشور، مقاصد الأحكام الفقهيّة: ص: 129.