25/12/2023

المفتي: الدكتور طه أحمد الزيدي – عضو الهيئة العليا ولجنة الفتوى في المجمع الفقهي العراقي

باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد:

فإنّ التطوع بالنوافل مما يحبّه الله تعالى، ومن أعظم ما يتقرب به العبد الى ربه بعد الفرائض، وإن أبواب النوافل متعددة، ومنافذ التطوع بالخيرات واسعة، والمفاضلة بين العبادات من أدق أبواب العلم؛ لأنها مفاضلة في درجات ما يحبه الله عز وجل، وما يحتاجها عباده.

والتزاحم في أداء النوافل تحكمه قاعدة: “إن فعل القربات المندوبة ينبغي فيه مراعاة ما يحبه المعبود لا ما يشتهيه العبد”، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) رواه البخاري، وفي ظل الظروف العصيبة التي يمر بها أهلنا في غزة العزة جراء العدوان الصهيوني وما يرتكبه جيش الاحتلال من جرائم وحشية وإبادات جماعية، وتهجير قسري، وحصار إجرامي، بحق أهل غزة الصابرين، وقيام الحاجة الشديدة الى إمدادهم بالغذاء والدواء والوقود وبقية مستلزمات الحياة الانسانية الكريمة، نرى أن الانفاق على أهل غزة من أفضل القربات وأعظم الطاعات، وهو أولى من حج النافلة وعمرة التطوع، مع ما فيهما من الخير والفضل، وهذا ينسجم مع مقاصد الشريعة وأسرار التشريع والقواعد الكلية ومنها:

  • إنّ أفضل العبادات ما كانت في وقتها.

فإذا كان الناس في حاجة إلى الصدقة فالصدقة أفضل، وإذا كان هناك قوم مضطرون للنفقة، فإن الإنفاق عليهم في هذه الحال أفضل من حج النافلة وعمرة التطوع، ومن المقرر عند وجود مجاعات وفقر شديد، فإنّ الصدقة أفضل من تكرار الحج والعمرة، وقد نصّ كثير من الفقهاء على هذا التفضيل: فقد سئل الإمام مالك رحمه الله عن الحج والصدقة أيهما أحب إليك؟ فقال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، وجاء تفصيله في كتاب “مواهب الجليل”: (إن الحج -أي الفريضة- أحب إليه من الصدقة إلا أن تكون سنة مجاعة؛ لأنه إذا كانت سنة مجاعة كانت المواساة عليه بالصدقة واجبة فإذا لم يواس الرجل في سنة مجاعة من ماله بالقدر الذي يجب عليه بالمواساة في الجملة فقد أثم، وقدر ذلك لا يعلمه حقيقة، فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة أولى من التطوع بالحج الذي لا يأثم بتركه)، وفي “كتاب الفروع لابن مفلح” قال: سئل الإمام أحمد رحمه الله: (أيحج نفلًا أم يصل قرابته؟ قال: إذا كانوا محتاجين يصلهم أحب إليّ)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “الاختيارات”: (وأما إذا كان له أقارب محاويج، فالصدقة عليهم أفضل- أي من نافلة الحج-، وكذا إذا كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته).

  • القُربة المتعدية أفضل من القُربة القاصرة.

وأجر النوافل المتعدية بنفعها إلى غيره مع قيام الحاجة إليها أفضل من النوافل القاصرة بنفعها على صاحبها فحسب، قال المناوي رحمه الله في “كتابه فيض القدير”: (وأشرف المنفعة ما تعلق بالخلق؛ لأن الحسنة المتعدية أفضل من القاصرة)؛ لقول النّبي عليه الصلاة والسلام: (أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا)، رواه الطبراني في المعجم الكبير، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري ومسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (.. وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم.

 وعليه فالصدقة وإغاثة الملهوف وإنقاذ المضطر في زمان الفاقة والحاجة وشدة الجوع أولى وأفضل من نافلة الحج والعمرة؛ لأنّ نفع الحج والعمرة قاصر على صاحبه، والصدقة على الجياع يتعدى نفعها إلى غيره، وما كان نفعه متعدّيًا أفضل مما كان نفعه قاصرًا، وهذا الأمر عام في فقراء المسلمين، وقد خرج عبدالله بن المبارك رحمه الله في الحج سنة فلقي فتاة تقول له: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلّا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلّا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلّت لنا الميتة منذ أيام، فدفع إليها نفقة الحج، وقال: هَذَا أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنَا فِي هَذَا الْعَامِ، ثُمَّ رَجَعَ.

  • ضرورة حفظ نفس المسلم تقدم على حاجيات حفظ الدين على أهميتها.

 وكذلك تقدم حاجيات حفظ النفس على تحسينيات حفظ الدين، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ – يَعْنِي المَسْجِدَ النبوي – شَهْرًا) رواه الطبراني في المعجم الكبير، وقد فطن إلى هذا المعنى كبار الفقهاء، قال الفقيه الثقة جابر بن زيد رحمه الله وهو من كبار علماء التابعين: ” لأنْ أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين، أحب إليَّ من حجة بعد حجة الإسلام”، وقال الإمام الحسن البصري رحمه الله: “يقول أحدهم: أحج أحج، قد حججت، صِلْ رحمًا، تَصَدَّقْ عَلَى مَغْمُومٍ ، أحسنْ إلى جار”، وقال الإمام أحمد رحمه الله: “يضعها في أكباد جائعة أحبُّ إليَّ -يعني من حج النافلة-“..

وخلاصة الفتوى: إنّ الناظر في أحوال أهل غزة اليوم (ولا يخفى حالهم على أحد) يرى أن أغلبهم إن لم نقل كلّهم من المضطرين إلى النفقة والمحتاجين إلى الصدقة، ليستعينوا بها على قضاء حوائجهم الضرورية، فهم لا يجدون المأكل والمشرب والمأوى والعلاج والوقود، فيكون الانفاق والتصدق عليهم أولى من إنفاق المال في نافلة الحج والعمرة أو ادخاره، فهذا خير وقت للإنفاق وإخراج الصدقات. والله أعلم وأرحم.