خاص هيئة علماء فلسطين

    

د. مجدي محمد قويدر

الملخّص

لمّا كان الخطأ طبيعة بشرية، والعملُ الجهاديُّ كغيره مِن الأعمال يقع فيه الخطأ، ويعتريه النّقصُ، فيتسبب في قتل المجاهدين أنفسهم في المعارك أو التدريب، فجاء البحث لبيان الخطأ الواقع في العمل الجهاديّ وصوره، ومرتبة هؤلاء المجاهدبن، وعدم تأثير الخطأ على منزلتهم وأجورهم في الآخرة، وبيان الأحكام الفقهيّة من حيث الغسل والصّلاة عليهم، والتكفين، ووجوب الدية والكفّارة، وقد خلص البحث إلى أنّ المقتول أثناء التدريب شهيد تجري عليه أحكام الدّنيا يُغسّل ويصلّى عليه باعتباره من شهداء الآخرة، واقترح الباحث أن يدفع لقتلى الخطأ في العمل الجهاديّ الفلسطينيّ ما يعادل الدية من المال.

Since the error is human nature, and the jihadi work like other work is wrong, and is plagued by shortage, causing the killing of the Mujahideen themselves in battles or training, the research came to explain the error in the jihadist work and its images, and the rank of these Mujahideen, and the lack of impact of the error on their status and wages in the hereafter, and the statement of jurisprudential provisions in terms of washing and prayer on them, and shrouding, and the obligation of blood money and penance, and the research concluded that the killed during training is a martyr being the provisions of the world washed and prayed upon as a martyr The researcher suggested that the dead of the mistake in the Palestinian jihadist work be paid the equivalent of blood money.

المقدّمة

إنّ وقوع الخطأ من الإنسان شيء طبيعيّ، وهذه الأخطاء تتفاوت خطورتها وتأثيراتها ونتائجها في الدّنيا والآخرة، ومن رحمة الله بالمسلم أن وضع عنه إثم الخطأ والنّسيان فقال سبحانه: {لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} [سورة البقرة: 286] وقوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ} [سورة الأحزاب:5] ولقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ”([1]).

والمجاهدون أثناء التدريب والإعداد، أو المعارك مع العدوّ تقع منهم أخطاء مختلفة الخطورة والآثار، منها ما يودي بحياة الأشخاص، ومنها ما يتسبّب في الجراح والإعاقات الجسديّة المتباينة.

وقد تكرّر وقوع مثل هذه الأخطاء في الجهاد الفلسطينيّ، ونتج عنها قتلى وجرحى وإعاقات مستديمة، فجاء البحث؛ ليتناول بيان الأحكام الفقهيّة للشّهداء الذين تسبّبوا في مقتل أنفسهم خطأ من حيث الغسل والصّلاة، والتكفين، ووجوب الدية والكفّارة على النّحو الآتي:

المبحث الأوّل: القتل الخطأ الواقع في العمل الجهاديّ وصوره.

المطلب الأوّل: تعريف القتل الخطأ لغة واصطلاحًا:

أوّلًا: الخطأ لغة واصطلاحًا:

الخطأ لغة:  نقيض الصواب الخطأ والخطاء ضدّ الصواب، وفي التنزيل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ} [سورة الأحزاب:5]  عدّاه بالباء؛ لأنّه في معنى عثرتم أو غلطتم([2]). وأخطأ الطّريق عدل عنه، وأخطأ الرامي الغرض لم يصبه. وخطّأه تخطئة نسبه إلى الخطأ وقال له أخطأت. وقال الأمويّ: المخطئ من أراد الصّواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمّد لما لا ينبغي. والاسم الخطيئة على فعيلة (الذنب)، والجمع خطايا، ويقال خطئ. في دينه خطأ إذا أثم فيه، والخطء: الذنب والإثم. وأخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدًا أو سهوًا. ويقال: خطئ بمعنى أخطأ أيضًا. وقيل: خطئ إذا تعمّد، وأخطأ إذا لم يتعمّد. ويقال: لمن أراد شيئًا ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ([3]).

الخطأ اصطلاحًا:

هو فعل يصدر من الإنسان بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه([4]).

ثانيًا: القتل لغة واصطلاحًا:

القَتْل لغة: القاف والتاء واللام أصله صحيح يدلّ على إذلال وإماتة، قَتَلَه يَقْتُله قَتْلًا وتَقْتالًا وقَتَل به، وقتله قتلة سوء، أزهق روحه فهو مقتول وقتيل، والجمع قتلى وقتالى، ورجل قتيل وامرأة قَتِيل: مَقْتولة، فإِذا قلت قَتيلة بَني فلان قلت بالهاء، وأَقْتَل الرجلَ: عرَّضه للقَتْل وأَصْبَره عليه. والقِتْلَة الحالُ يُقْتَلُ عليها. يقال قَتَله قِتلةَ سَوء. والقَتْلة المرّة الواحدة. ومَقاتِلُ الإنسان: المواضع التي إذا أُصِيبت قَتَله ذلك. والقتل معروف، قَتَله إِذا أَماته بضرْب أَو حجَر أَو سُمّ أَو علَّة، والمنية قاتلة؛ ومن ذلك: قتلتُ الشيءَ خُبرًا وعِلْمًا([5]).

والقتل اصطلاحًا: أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إن اعتبر بفعل المتولّي لذلك يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ([6])، {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]، وقال ابن الهمام: إنّ القتل فعل من العباد تزول به الحياة([7])، وقيل: إزهاق روح آدمي بفعل آدمي آخر([8]).

تعريف القتل الخطأ وأقسامه:

القتلُ الخطأ هو الذي ليس فيه تعمُّدٌ للفعل، ولا تقصُّدٌ للقتل([9]).

وقد قسمالفقهاء القتل الخطأ إلى قسمين([10]):

1- الخطأ في الفعل: هو ما قصد فيه الجاني الفعل دون الشّخص، ولكنه أخطأ في فعله([11]) مثل أن يرمي الصيد، فيخطئه ويصيب آدميًّا، أو يفعل ما يجوز له فعله، فيؤول إلى إتلاف حرّ، مسلمًا كان أو كافرًا.

2- الخطأ في القَصد: أنْ يرمي شخصًا ظنًّا منه أنّه مهدر الدم أو من الأعداء، فيتبيّن أنّه مجاهد أو مسلم معصوم الدم. وحديثنا هنا عن قتل المسلم المجاهد نفسه خطَأً في المعركة أو أثناء التدريب والإعداد.

والقتل الخطأُ لا إثمَ فيه، ولا قِصاصَ على القاتل؛ لأنّ الله تعالى أوْجَبَ به الدِّيَةَ، ولم يَذْكُرْ قِصاصًا، في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النّساء:92].

ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. يفهم منه أنّ المؤاخذة من جهة التكليف وهي: وجوب ترتّب الإثم على الفعل.

وقال النّبيُّ صلّى اللَّه عليه وسلّم: “رُفِعَ عَنْ أُمُّتِى الخَطَأُ، والنِّسْيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه”([12]).

المطلب الثّاني: اندراج المقتول خطأ في الشّهداء

قسم الفقهاء الشّهداء إلى ثلاثة أقسام، وهم([13]):

1- شهيد الدّنيا: وهو الذي يقتل في قتال الكفّار، وقد غلّ من الغنيمة، أو قتل مدبرًا، أو قاتل رياء ونحوه، ويُعامل في الدنيا معاملة الشّهيد، فلا يُغسّل ولا يُكفّن، ولكن ليس له ثواب في الآخرة، بل أنبأت الأحاديث بما ينتظره من سوء العاقبة جزاءً وفاقًا لخبث طويّته، وفساد نيّته، كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: “إنَّ أولَ النّاسِ يُقضى يومَ القيامَةِ عليه رجُلٌ استُشهِد فأتى به فعرَّفه نِعَمَه فعرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فِيكَ حتى استُشهِدتُ. قال: كذَبتَ. ولكنَّكَ قاتَلتَ لِأَنْ يُقالَ جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمَر به فسُحِب على وجهِه حتى أُلقِيَ في النارِ”، وأمّا الغلول فقد شدّد الشرع في تحريمه وتعظيم خطره، وهو أحد صور الخيانة؛ لأنّه من أسباب انهزام المسلمين وخذلانهم، فقال تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورةآل عمران: 161]، وفي الحديث عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فُلاَنٌ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “كَلاَّ. إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ. فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا. أَوْ عَبَاءَةٍ” ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلّى الله عليه وسلّم: “يا ابْنَ الْخَطَّابِ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ” قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: “أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ” ([14])، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم إِلى خَيْبَرَ. فَفَتَحَ الله عَلَيْنَا. فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبا وَلاَ وَرِقا. غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ. ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي. وَمَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ. يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبيْبِ. فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ. فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ. فَقُلْنَا: هَنِيئا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “كَلاَّ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارا. أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ. لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ” قَالَ فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و سلم: “شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ”([15]).  أفاد الحديثان أنّ الذي غلّ في الغنيمة ليس بشهيد؛ لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وضّح للصّحابة حينما أطلقوا الشهادة على من غلَّ قال (كلّا)، وإن كان في الدنيا يعامل معاملة الشّهيد.

2- شهيد الدّنيا والآخرة: وهو الذي يُقتل فِي حرب الكفّار، مقبلًا غير مدبر، مخلصًا النيّة لله تعالى لا لمصلحة من مصالح الدنيا، فَهَذَا لَهُ حُكْمُ الشّهداء فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَفِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وقد ذُكر هذا النّوع من الشّهداء في الحديث النبويّ حيث روي عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أنّه قال: “جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: الرجلُ يُقاتِلُ للمَغنَمِ، والرجلُ يُقاتِلُ للذِّكرِ، والرجلُ يُقاتِلُ ليُرَى مكانُهُ، فمن في سَبيلِ اللَّهِ؟ قال: “من قاتَلَ لتَكونَ كلمَةُ اللَّهِ هي العُليا، فهو في سَبيلِ اللَّهِ” ([16]).

3- شهيد الآخرة: وهو الذي يموت في غير المعركة ويُعطى يوم القيامة أجر الشّهيد، ولا تجري عليه أحكام الشّهداء في الدنيا، فيُغسّل، ويُكفّن، ويُصلّى عليه، فقد جاء في أحاديث كثيرة، أنّ الشّهداء لا ينحصرون فيمن قتل في سبيل الله، وإنمّا يعدّ في الشّهداء: الغريق، والحريق والنّفساء، ومن قتل دون ماله أو عرضه… إلخ، منها ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: “مَا تَعُدُّونَ الشّهيد فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ”. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: “وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ” ([17]).

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: “الشّهداء خمسةٌ: المَطعونُ، والمَبطونُ، والغَريقُ، وصاحبُ الهدمِ، والشّهيد في سبيلِ اللهِ” ([18])، بالإضافة إلى ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” ([19]).  

قال الإمام النوويّ: “فَأَمَّا الْمَطْعُونُ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ، وَأَمَّا الْمَبْطُونُ فَهُوَ صَاحِبُ دَاءِ الْبَطْنِ وَهُوَ الْإِسْهَالُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ وَانْتِفَاخُ البطن، وقيل: هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنُهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِدَاءِ بَطْنِهِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْغَرِقُ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ…قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوْتَاتُ شَهَادَةً بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى؛ بِسَبَبِ شِدَّتِهَا وَكَثْرَةِ أَلَمِهَا…قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشّهداء، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ”([20])، فهؤلاء شهداء بشهادة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لهم بالشهادة، وإن لم يظهر حكم شهادتهم في الدنيا([21]).

ويندرج في هذه المرتبة القتلى الذين ارتقوا أثناء الإعداد والمهمّات الجهاديّة المختلفة سواء قتلوا خطأ بفعل أنفسهم، أو بفعل غيرهم، أو لأيّ سبب آخر.

المطلب الثّالث: شهادة المجاهد الذي يقتل نفسه خطأ

إنّ المجاهد الذي يقتل نفسه خطأ، أو يقتله غيره في المعركة أو في ميادين الإعداد للجهادلا ينقص من أجره، ولا يحط من قدره، وهو في منازل الشّهداء، ومقام السعداء إنْ شاء الله، وقد قال الله سبحانه {وَالشّهداء عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} وهذه الآية بيّنت أنّ الذين استشهدوا في سبيل الله، لهم الثّواب العظيم عند ربّهم، والنور الموعود به الذي يتلألأ ساعيًا بين أيديهم وبأيمانهم، وإن اختلفت كيفية قتلهم، ووسيلته، فهي عامّة في الشّهداء جميعًا، وأكّدت السنّة النبويّة أنّ الذي يقتل نفسه خطأ شهيد، موفور الكرامة عند الله، كما روي عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: “خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ السَّائِقُ قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ القَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ” ([22]). وفي رواية عن سلمة “غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللَّه عليه وسلّم: “كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ”، وَأَشَارَ بِإصْبَعَيْهِ”([23])

لمّا شكّ الصّحابة هل هو شهيد مجاهد أو قاتل النّفس، وزعموا أنّه رجل مات بسلاحه فكان قاتلًا نفسه فلعلّه لا يثاب على قتاله، بيَّن خطأهم هذا قائلًا “مات جاهدًا مجاهدًا” مؤكّدًا على ثبوت أجره مرّتين، بموته جاهدًا في سبيل الخير والبرّ، ومجاهدًا لأعداء اللَّه تعالى.

وقد ذهب شرّاح الحديث إلى أنّ الجاهد هو الجادّ في علمه وعمله؛ أي: إنّه لجادّ في طاعة الله والمجاهد في سبيل الله وهو الغازي وقد كرّر بين اللفظين للمبالغة. فالعرب إذا بالغت في الكلام اشتقّت من اللّفظة الأولى لفظة على غير بنائها زيادة في التّوكيد، وقد يكون قوله: “جاهد” أي جادّ مبالغ في سبيل الخير والبرّ، وإعلاء كلمة الإسلام، مجاهد عِداه([24]).

وقد ذهب العلماء في بيان الأجرين إلى أقوال منها: أن يكون لما أصاب نفسه وقتلها في سبيل الله تفضّل الله عليه بأن ضاعف أجره مرّتين([25]).

وقيل: إنّ له لأجرين هما: أجر الْجهد فِي الطَّاعَة، وَأجر المجاهدة فِي سَبِيل الله([26])، ويحتمل أن يكون أحد الأجرين لموته في سبيل الله، والأجر الثّاني: لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوّهم([27])، وقيل “إنّ له لأجرين”؛ لأنّ الرجل بارز، وهذا أجر، وقتل نفسه في سبيل الله، وهذا أجر آخر([28]).

وبيَّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ قتله لنفسه خطأ لا يحطّ من قدره، ويتساوى فضله وأجره مع من قُتل على أيدي الكفّار، فقال: “وَأي قتل يزِيدهُ عَلَيْهِ”؛ أَي: أَي قتل يزِيدهُ الْأجر على أجره؟ وَقيل: أَي أَنّه بلغ أرقى الدَّرَجَات وَفضل النِّهَايَة([29])، وفي رواية قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مشيدًا بعامر بن الأكوع “قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ” ([30]) أي: قليلٌ من العرَب مشَى في الدُّنيا بهذه الخَصْلة الحميدة التي هي الجهاد مع الجَهد، مستجمعًا صفات الكمال في القتال([31]).

                ومن السنّة أيضًا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَلَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ فَطَلَب رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَهِيدٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ”([32]).

يفيد هذا الحديث أنّ من قتل نفسه خطأ، فهو شهيد كما لو قتله الأعداء في المعركة؛ لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمّاه شهيدًا وصلّى عليه، وشهد على شهادته.

عن أنس بن مالك: “أنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أتَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَومَ بَدْرٍ، أصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، قدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِن قَلْبِي، فإنْ كانَ في الجَنَّةِ لَمْ أبْكِ عليه، وإلَّا سَوْفَ تَرَى ما أصْنَعُ؟ فَقالَ لَهَا: هَبِلْتِ، أجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي؟ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّه في الفِرْدَوْسِ الأعْلَى”([33]).

المطلب الرّابع: صور قتل المجاهد نفسه خطأ:

إنّ صور القتل الخطأ كثيرة ومتجدّدة لا تحصى عددًا أذكر منها ما يأتي:

1- انفلات الرّصاص من سلاح المجاهد على نفسه عند تنظيفه، أو صيانته، أو عدم التأكّد من خلوّ السلاح من الرّصاص أثناء تنظيفه، أو صيانته، أو العبث به، فيقتل نفسه، أو ارتداد الرّصاص على المجاهد أثناء عمليّة التدريب، أو أثناء عمليات تجريب السلاح والمقذوفات.

2- حوادث الانفجارات: أثناء إعداد المواد المتفجّرة وتصنيعها، أو تفكيك الصواعق، أو إتلاف مخلّفات الحروب والأجسام المشبوهة، أو الخطأ في التعامل مع القنابل والقذائف والعبوات المتفجّرة، وعبث المقاتل بالمواد المتفجّرة أو فضوله لاكتشافها أو دخول المقاتل أماكن خطرة مع معرفته بخطورة المكان فتنفجر فيه الألغام.

3- حالات الاختناق: انهيار الأنفاق على المجاهدين بسبب خطأ فنّيّ في أعمال الحفر ممّا يؤدّي إلى موتهم خنقًا خاصّة إذا كان يعمل في ظروف غير آمنة، ولم تتّخذ التدابير اللازمة للسلامة، أو استنشاق غازات سامّة قاتلة أثناء تركيب المواد الكيمائيّة.

4- التّردّي من الأماكن المرتفعة: سقوط المجاهد من مكان مرتفع أثناء التدريب، أو السقوط من أبراج الحراسة، أو أثناء النزول على الحبال من الأبنية والمرتفعات، أو التنقل بين المباني المرتفعة على جسور متحرّكة.

5- صور متفرقة: حوادث السير بالمركبات العسكريّة أثناء الاستعراضات والتدريب والتنقّلات.

المبحث الثّاني: الأحكام الفقهيّة لمن قتل نفسه خطأ في الجهاد.

المطلب الأوّل: حكم التّغسيل والصّلاة على من قتل نفسه خطأ

إذا قتل المجاهد نفسه خطأ بأيّ طريقة في المعركة، فقد اختلف الفقهاء في حكم غسله والصّلاة عليه على قولين:

القول الأوّل: ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في صحيح المذهب إلى أنّه يغسل ويصلّى عليه باعتباره شهيد آخرة([34]).

واستدلّوا بما يأتي:

1- عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: “كَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ شَيْخًا كَبِيرًا، فَرُفِعَ فِي الْآطَامِ مَعَ النِّسَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَرَجَ يَتَعَرَّضُ الشَّهَادَةَ، فَجَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشْرِكِينَ فَابْتَدَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فَتَوَشَّقُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، وَحُذَيْفَةُ يَقُولُ: أَبِي أَبِي، فَلَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ شُغْلِ الْحَرْبِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِدِيَةٍ”([35]).

وجه الدّلالة: يدلّ قضاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدية أبي حذيفة على أنّه شهيد آخرة لا دنيا.

2- لأنّه لم يقتل بفعل مضاف إلى العدوّ ولكنّه شهيد فيما ينال من الثّواب في الآخرة؛ لأنّه قصد العدوّ لا نفسه([36]).

القول الثّاني: ذهب أبو يوسف من الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يغسّل ولا يصلّى عليه باعتباره شهيد دنيا وآخرة([37]).

واستدلّوا بما يأتي:

1- عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ السَّائِقُ قَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ القَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ([38]). وفي رواية: أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ: وَشَكُّوا فِيهِ رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا”، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَذَبُوا مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ”([39]).

وجه الدّلالة: أنّ الذي قتل نفسه خطأ لم يفرد عن الشّهداء بحكم. ولأنّه شهيد المعركة، فأشبه ما لو قتله الكفّار([40]).

3- عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ، فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ” فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشَهِيدٌ هُوَ؟، قَالَ: “نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ”([41]).

وجه الدّلالة: ظاهره أنّه لم يغسّله ولا أمر بغسله، ويدلّ الحديث على أنّ من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل([42]).

4- الشّهيد من مات في قتال الكفّار، وبسبب من أسباب القتال([43]).

المناقشة

نوقشت أدلة القول الأول: بأن الحديث الذي استدلّوا به يقرّر دية من قتل على أيدي المسلمين خطأ في المعركة، وليس فيه دلالة على أنّ اليمان انفرد بحكم خاصّ عن بقيّة شهداء أحد([44]).

وأما التّعليل الذي ذكروه “بأنّه لم يقتل بفعل مضاف إلى العدوّ” لا يقوى على مناقضة الأدلّة الصّريحة بأنّ من قتل بسلاحه خطأ لا يختلف حكمه عن الشّهداء الذين قتلهم الكفّار.

ونوقشت أدلة القول الثاني: بأنه قتل بغير سبب من العدو فلا يصل منزلة من قتله العدو، فلا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية فيغسل ويكفن ويصلى عليه.

التّرجيح

بعد استعراض أقوال السّادة الفقهاء وأدلّتهم يتبيّن لي رجحان القول الثّاني بأنّ الشّهيد الذي يقتل نفسه خطأ في المعركة لا يغسّل ولا يصلّى عليه؛ لقوّة أدلّتهم وصراحتها في النّصّ على الموضوع؛ ولأنّه شهيد معركة، وإن لم يقتله العدو مباشرة، فإن قتالهم سبب في قتله، فلم يفرد عن الشّهداء بحكم، فأشبه ما لو قتله الكفار.

وأمّا من قتل نفسه خطأ أثناء التدريب والإعداد للجهاد فقد اتّفق فقهاء المذاهب من الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة والحنابلة على أنّه شهيد آخرة، وتجري عليه أحكام الموتى، فيغسّل ويصلّى عليه([45])، وخالف أبو يوسف من الحنفيّة فذهب إلى أنّه لا يغسّل ولا يصلّى عليه؛ إذ الأصل عنده أنّ من قتل بعمل الحراب، والقتال كان شهيدًا([46]).

وتنزيل هذه الأحكام على قتلى الخطأ في فلسطين المحتلّة كالآتي:

من قضى نحبه بخطأ نفسه بأيّ صورة من صور القتل الخطأ المذكورة سابقًا، أو أمر لا علاقة للعدوّ به أثناء الإعداد والمهمّات الجهاديّة المختلفة، فإنّه يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه كباقي الموتى من المسلمين، وهو من شهداء الآخرة، مع التّأكيد على أنّ قتله لنفسه خطأ لا ينقص أجره، ولا يحطّ درجته، ولا يقدح في مقامه العالي عند الله تعالى، وهو إن شاء الله مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

ومن قتل نفسه خطأ أثناء المعارك والحروب والمواجهات المسلّحة مع قوات الاحتلال الصهيوني فهو شهيد دنيا وآخرة، فلا يغسّل ولا يصلّى عليه كما هو الراجح في المسألة.

المطلب الثّاني: تكفين الشّهيد ونزع ثيابه واستبدالها:

اتّفق الفقهاء على مشروعيّة تكفين الشّهيد في ثيابه التي أصيب فيها([47])، واختلفوا في حكم نزع ثيابه واستبدالها بغيرها على قولين:

القول الأوّل: ذهب الحنفيّة والمالكيّة وقول عند الحنابلة إلى تحريم نزع ثياب الشّهيد التي أصيب بها وتكفينه بها([48]).

واستدلّوا بما يأتي:

1-  أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قال يومَ أُحُدٍ: “زَمِّلوهُم في ثِيابِهِم” ([49])، وجه الدلالة : أنه أمر  صلى الله عليه وسلم  أن يدفنوا بثيابهم وهذا ينفي التّخيير، ولأنّه شيء على جسده أمر بدفنه فيه، فلم يكن للوارث إزالته عنه كالدّم([50]).

2- عَنْ جَابِرٍ قَالَ: “رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”([51]).

القول الثّاني: ذهب الشّافعيّة ورواية عن الإمام أحمد إلى جواز نزع ثياب الشّهيد واستبدالها بأكفان([52]).

واستدلّوا بما يأتي:

1- أنَّهُ لمَّا كانَ يَومُ أُحُدٍ أقبَلَتِ امرَأةٌ تَسعى، حتى إذا كادَتْ أنْ تُشرِفَ على القَتلى، قال: “فكَرِهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تَراهم. فقال: المَرأةَ، المَرأةَ. قال الزُّبَيرُ: فتوَسَّمتُ أنَّها أُمِّي صَفيَّةُ، قال: فخرَجتُ أسعى إليها، فأدرَكتُها قَبلَ أنْ تَنتَهيَ إلى القَتلى، قال: فلَدَمَتْ في صَدري، وكانتِ امرَأةً جَلدةً، قالتْ: إليكَ، لا أرضَ لكَ. قال: فقلتُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عزَمَ عليكِ. قال: فوقَفَتْ، وأخرَجَتْ ثَوبَيْنِ معها، فقالتْ: هذان ثَوبانِ جِئتُ بهما لِأخي حَمزةَ، فقد بلَغَني مَقتَلُهُ، فكَفِّنوهُ فيهما قال: فجِئْنا بالثَّوبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فيهما حَمزةَ، فإذا إلى جَنبِهِ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ قَتيلٌ، قد فُعِلَ به كما فُعِلَ بِحَمزةَ، قال: فوجَدْنا غَضاضةً وحَياءً أنْ نُكَفِّنَ حَمزةَ في ثَوبَيْنِ، والأنصاريُّ لا كفَنَ له. فقُلْنا: لِحَمزةَ ثَوبٌ، ولِلأنصاريِّ ثَوبٌ. فقَدَرناهما فكانَ أحَدُهما أكبَرَ مِنَ الآخَرِ، فأقرَعْنا بَينَهما، فكَفَّنَّا كُلَّ واحِدٍ منهما في الثَّوبِ الذي طارَ له”([53]).

2- مَا رُوِيَ، “أَنَّ صَفِيَّةَ ذَهَبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ بِثَوْبَيْنِ تُرِيدُ أَنْ تُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: وَأَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَوْسَعُ مِنَ الآخَرِ، قَالَ: فَوَجَدَتْ إلَى جَنْبِهِ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَقْرَعَتْ بَيْنَهُمَا، فَكَفَّنَتِ الْفَارِعَ أَوْسَعَ الثَّوْبَيْنِ، وَالآخَرَ فِي الثَّوْبِ الْبَاقِي”([54]).

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن حمزة رضي الله في ثوب غير الذي قتل فيه، وكذلك الرجل الذي وجد مقتولا كفن في ثوب غير الذي قتل فيه، فدل ذلك على جواز تكفين الشهيد في غير ما قتل فيه، فالأمر ليس بحتم، وإنّما الخيار للوليّ إن شاء كفّنه في ثيابه التي مات فيها، وإن شاء نزعها وكفّنه في غيرها([55]).

المناقشة

نوقشت أدلة القول الأول: بأن الأمر فيه محمول على الإباحة والاستحباب للجمع بين الأدلة([56]).

ونوقشت أدلة القول الثاني: بأن استدلالهم بحديث حمزة، فأجيب بأنّ حمزة سلبت ثيابه، ومثّل المشركون بجسده؛ لذا وجب تكفينه وستر جسده، وأنّ الثوب الذي كفّن به ضمّ إلى ما بقي من ثيابه([57]).

  إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمر بدفن الشّهداء بثيابهم، والأمر يقتضي الوجوب، قال الشّوكاني: “والظّاهر أنّ الأمر بدفن الشّهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب”([58]).

– نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن أن تنزع بثياب الشّهداء، والنّهي يقتضي التّحريم.

الترجيح

بعد عرض أقوال السّادة الفقهاء وأدلّتهم يتبيّن لي أنّ الراجح هو وجوب دفن الشّهداء بثيابهم.

وبناء عليه فالمجاهد الذي يقتل نفسه خطأ في المعركة يدفن بثيابه التي أصيب فيها، أمّا المجاهد الذي يقتل نفسه خطأ في ميدان التدريب والإعداد فإنّه تنزع عنه ثيابه التي أصيب بها ويكفّن كسائر الموتى.

المطلب الثّالث: وجوب الدية والكفّارة على من قتل نفسه خطأ في العمل الجهاديّ.

 الفرع الأوّل: مفهوم الدية ومشروعيّتها

أوّلًا: الدية لغة واصطلاحًا

الدية لغة: الدية حقّ القتيل، وهي مصدر ودى وقد ودَيْته ودْيًا، وجمعها ديات، وديت القتيل أديه دية إذا أعطيته ديته، ويقال فلان ودى فلان إذا أدّى ديته إلى وليّه([59]). إذًا فهي المال الذي يدفعه القاتل لأولياء المقتول.

والدّية اصطلاحًا:

عرّفها الحنفيّة: ما يؤدّى، وقد صار هذا الاسم علمًا على بدل النفوس دون غيرها([60]).

وعرّفها المالكيّةبأنّها مال يجب بقتل آدميّ حرّ عوضًا عن دمه([61]).

وعرّفها الشّافعيّة بأنّها اسم للمال الواجب بجناية على الحرّ في نفس أو فيما دونها([62]).

وعرّفها الحنابلة: الْمَال الْمُؤَدَّى إلَى مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ مَنْ أَتْلَفَ إنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ([63]).

ويلاحظ أنّ تعريف الحنفيّة والمالكيّة للدية اقتصر على الجناية على النّفس، بينما اشتمل تعريف الشافعيّة والحنابلة على وجوبها في النّفس وما دونها من الأعضاء، وهو الرّاجح لحديث أبي بكرِ بن محمَّد بن عَمرِو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – كتبَ إلى أهلِ اليمنِ، وكانَ في كتابه: “في النَّفسِ الدِّيَةُ، مائةٌ مِن الإِبلِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُه الديةُ مائةٌ من الإِبلِ، وفي الأسْنانِ الدِّيةُ، وفي الشِّفتَيْنِ الدِّيةُ، وفي البيضَتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ، وفي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدَّيةِ، وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلَةِ خمسَ عشْرةَ من الإِبلِ، وفي كُلِّ إِصبَعٍ مِن أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ من الإِبلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ من الإِبلِ. وفي رواية: وفي العينِ خَمسُونَ، وفي اليدِ خمسونَ، وفي الرِّجْلِ خمسونَ، وفي المُوضحَةِ خَمْسٌ([64]).

ثانيًا: مشروعيّة الدية في الشريعة الإسلاميّة:

ثبتت مشروعيّة الدية بالكتاب والسّنّة والإجماع:

1- قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:92].

2- قوله صلّى الله عليه وسلّم: “مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ”([65]).

وجه الدّلالة: دلّ الحديث بصراحة على حقّ أولياء القتيل في القصاص أو الدية([66]).

3- وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: “ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ، قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ”([67]).

وجه الدّلالة: دلّ على وجوب الدية فيمن قتل خطأ لقوله صلّى الله عليه وسلّم وأنا والله عاقله([68]).

4- انعقد الإجماع منذ زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا على وجوب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد([69]).

5- إنّ الآدميّ لما خلق في الأصل معصوم النفس، محقون الدم، مضمونًا عن الهدر، فيجب صون حقّه عن البطلان([70]).

الفرع الثّاني: دية من قتل نفسه خطأ في الجهاد.

اختلف الفقهاء في وجوب الدّية لمن قتل نفسه خطأ إلى قولين:

القول الأوّل: ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة ورواية عند الحنابلة([71]) أنّ من قتل نفسه خطأ فلا دية له.

واستدلّوا بما يأتي:

1- رُوِيَ أنّ عامر بن الأكوع رضي الله عنه في غزوة خيبرَ أراد قتلَ يهوديٍّ، فارتدَّ السيفُ إليه، فقتلَ نفسَه، فقال بعضُ النّاس: حبط عملُه؛ لأنّه قتل نفسَه قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ” ( [72])، وقد بوّب عليه البخاريُّ في صحيحِه: “بابٌ إذا قتل نفسَه خطأً فلا ديةَ له”.

“لم يوجب الشارعُ لعامرٍ ديةً على عاقلةٍ، ولا غيرِها، ولو وجب عليها شيءٌ لبيّنه؛ لأنّه مكانٌ يُحتاج فيه إلى البيان، بل شهد له بأنّ له أجرين، والنّظرُ ممتنعٌ أنْ يجب للمرء على نفسِه شيءٌ؛ بدليل الأطرافِ، وكذا النّفس”. قال الماوردي: “فدلّ الظاهر على أنّ هذا جميع حكمه، ولو وجبت الدية لأبانها، لأنّه لا يؤخّر بيان الأحكام عن أوقاتها([73]).

2- أنّ جناية العمد أغلظ من جناية الخطأ، فلما أهدر عمده كان خطؤه أهدر، ولأنّه يواسى بدية الخطأ تخفيفًا عنه، وهو لا يلزمه بقتل نفسه ما تتحمّله العاقلة تخفيفًا عنه، فصار هدرًا وجرى مجرى استهلاكه مال نفسه لا يرجع ببدله على غيره([74]).

3- أنّ وجوب الدّية على العاقلة إنّما كان مواساة للجاني، وتخفيفًا عنه، وليس على الجاني ههنا شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابها([75]).

القول الثّاني: ذهب أحمد في الرّواية الثّانية إلى أنّ العاقلة تتحمّل دية من جنى على نفسه بالقتل يؤدونها إلى ورثته ([76]).

واستدلّوا بما يأتي:

1-  قال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ }[النساء: 92]، وجه الدلالة:إن الآية عامة في موجب الدية، وهو القتل الخطأ سواء وقع من المكلف على نفسه، أو أوقعه على غيره([77]).

2- روي “كَانَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا وَكَانَ رَاكِبًا عَلَيْهِ، فَضَرَبَهُ بِعَصًا مَعَهُ، فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ فَأَصَابَتْ عَيْنَهُ فَفَقَأَتْهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: هِيَ يَدٌ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُصِبْهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى أَحَدٍ، فَجَعَلَ دِيَةَ عَيْنِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ” ([78]).

 2- أنّها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته، كما لو قتل غيره([79]).

المناقشة

نوقشت أدلة القول الثاني بأن سياق الآية يدل على أن المراد من قتل غيره، وهذا القول أرجح، بدليل قوله: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ([80]) وقاتل نفسه لا تجب فيه دية. كما أنّ قصّة عامر هذه حجّة عليهم إذ لم ينقل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوجب في هذه القصّة له شيئًا، ولو وجب لبيّنها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا على أنّه لو قطع طرفًا من أطرافه عمدًا أو خطأ لا يجب فيه شيئًا([81]).

وأما الأثر المروي عن عمر رضي الله عنه لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيف، فراويه ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف الحديث([82]).

وأما استدلالهم بالقياس على قتل الغير، فإن وجوب الدية على العاقلة على خلاف الأصل، مواساة للجانى وتخفيفا عنه، وليس على الجانى ههنا شئ يخفف عنه، ولا يقتضى النظر أن تكون جنايته على نفسه كجنايته على غيره، إذ في حال الجناية على غيره، فإنه لو لم تشاركه العاقلة، لأجحف به وجوب الدية لكثرتها([83]).

التّرجيح

بعد استعراض أقوال السّادة الفقهاء ومناقشتها يتبيّن لي رجحان قول جمهور الفقهاء بأنّ المجاهد إذا قتل نفسه خطأ في المعركة مع العدوّ فلا دية له؛ لأنّ حوادث قتل النّفس خطأ وقعت على زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يثبت أنّه قرّر فيها الدية لذوي المقتول، ومع ذلك يبقى واجب التّكفُّل بذوي المجاهدين والشّهداء حتّى لا يُتركوا يتكفَّفون النّاس، ويكون ذلك صيانةً لهم، وإعانةً على مواصلة طريق الجهاد، وتخفيفًا عنهم، وجبرًا لمصابهم؛ بابًا واسعًا من حقوقهم على المجتمع المسلم قد يكون أحيانًا خيرًا لهم من أن يأخذوا دية محدودة القدر.

والذي أراه في قتلى الخطأ في الإعداد والمهمّات الجهاديّة في فلسطين أن يقوم تنظيمهم العسكري باعتباره عاقلتهم بدفع بإعطائهم ما يعادل دية القتل الخطأ للأسباب الآتية:

  • لأنّه ينسجم مع ما قرّره الشّرع من عدم إهدار الدماء وصيانتها والاحتياط لها

– والعمل بهذا الرّأي فيه تقدير واعتبار لخصوصيّة المجاهد الذي يدافع عن دينه ووطنه، ولولا مشاركته في الإعداد وتحمّله للمسؤوليّة وإقباله على اكتساب القوّة لدفع العدوّ لما تعرّض لمثل هذه المخاطر والحوادث التي تتلف النّفس وتزهق الرّوح. 

– أنّ دفع الدّية لورثته وذويه أحد وجوه التكفّل بذوي المجاهدين والشّهداء الذي قرّرته الشّريعة الغرّاء، ورتّبت عليه أجورًا عظيمة مصداقًا لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “مَن جَهَّزَ غَازِيًا في سَبيلِ اللَّهِ فقَدْ غَزَا، وَمَن خَلَفَ غَازِيًا في سَبيلِ اللَّهِ بخَيْرٍ فقَدْ غَزَا”([84]) فإذا كان هذا الثواب لمن خلف غازيًا في سبيل الله في أهله، وقام على ما يصلحهم، واعتنى بهم فترة غيابه عنهم، فإنّه يشارك المجاهد في المثوبة والأجر؛ لأنّه فرّغ الغازي وكفاه أمر أهله وعياله، فكيف بمن يتكفّل بأهل الشّهداء وأبنائهم.

– عاقلة المقاتل هي الجهة المجاهدة الّتي ينتمي إليها أو الكتيبة العسكريّة التي يجاهد معها إذا كانت ذات قدرة ماليّة ويسار عليها دفع ديته لورثته؛ صيانة لذوي الشّهداء، وتقديرًا لبذلهم فلذات أكبادهم ومواساة لهم، وحتّى لا يضنّ النّاس بأبنائهم وشبابهم عن العمل الجهادي، ويبقى الإمداد بالطّاقة البشريّة مستمرًّا حتى التحرير.

الفرع الثّالث: وجوب الكفّارة على من قتل نفسه خطأ.

اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على من قتل نفسه خطأ إلى قولين:

القول الأوّل: ذهب الحنفيّة، والمالكيّة وقول عند الشافعية ([85]) إلى عدم وجوب الكفّارة على من قتل نفسه خطأ.

واستدلّوا بما يأتي:

 1- بأنّ ضمان دية نفسه لا يجب، لأنه لا يؤدي عقل نفسه فكذا غيره لا يعقل عنه فكذلك تسقط الكفّارة ([86]).

2- يطالب الإنسان بالكفّارة ما دام مؤهلا للخطاب الشرعيّ وعلى قيد الحياة، فإذا قتل نفسه انعدمت الأهليّة، فلا كفّارة([87])، فلا تجب الكفارة على قاتل نفسه بحيث تخرج الكفارة من تركته.

القول الثّاني: ذهب الشافعيّة في الأصحّ، والحنابلة([88]) إلى وجوب الكفّارة في مال من قتل نفسه خطأ.

واستدلّوا بما يأتي:

1- قوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء:92]، وجه الدلالة: أنّ من قتل نفسه خطأ فهو آدميّ مقتول خطأ، فتجب الكفّارة كما لو قتله غيره، فهو داخل في عموم الآية([89]).

2- لأنّه معصوم كغيره، ويُحرَّمُ عليه قتل نفسه كما يُحرّم على غيره، وتخرج من تركته([90]).

3- أنّ الكفّارة تجب لحقّ الله تعالى، وحقّ الله في دم من قتل نفسه ثابت، فلا يمتنع أن يلتزم الكفّارة([91]).

المناقشة

نوقشت أدلة القول الثاني بما يأتي: أما استدلالهم بقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} إنّما أريد بها إذا قتل غيره، بدليل قوله: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}([92]). وفي آخر الآية قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} خرج منه قاتل نفسه لامتناع تصوّر هذا الجزء من الكفّارة فيه، وإذا بطل الجزء بطل الكلّ.

أما استدلالهم بالمعقول، فنوقش بأنّه اجتهاد مع النّص، فقد ورد النّص في السّنّة النبويّة بما يدلّ على عدم وجوب الكفّارة لمن قتل نفسه خطأ كما في حديث عامر بن الأكوع عندما قتل نفسه خطأ فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بكفارة([93]).

أما قولهم: “الكفّارة تجب لحقّ الله تعالى”، فيناقش بأن الكفارة عبادة، وهي توقيفية مردها إلى الشرع، والرسول لم يأمر في قتل عامر لنفسه خطأ بكفارة، كما أن العبادة لا يخاطب بها غير المكلفين، كالصبي والمجنون والكافر([94])، فمن باب أولى ألا يخاطب بها الميت (القاتل لنفسه)، كما أن الحكمة من مشروعية الكفارة، هي شعور المكلف بالتقصير وطلب المغفرة من ربه؛ لكونه أزهق نفسا خطأ غير متحققة بموت المكلف.

التّرجيح

بعد استعراض أدلّة الفقهاء في المسألة يتبيّن لي رجحان قول الحنفيّة والمالكيّة؛ لقوّة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولأنّ حديث عامر بن الأكوع عندما قتل نفسه خطأ صريح صحيح في عدم إلزام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ورثته بإخراج كفّارة من تركته([95]).

الخاتمة

بعد هذه الجولة في الأحكام الفقهيّة للمجاهدين الذين قتلوا أنفسهم خطأ نقف عند أهمّ النتائج، وهي:

1- اندراج المجاهدين الذين قتلوا أنفسهم خطأ أثناء التدريب والإعداد للجهاد في قسم شهداء الآخرة، وتجري عليهم أحكام الموتى من الغسل والكفن والصلاة عليهم.

2- يقترح الباحث دفع الدية لأولياء قتلى الخطأ في الإعداد والمهمّات الجهادية في فلسطين للأسباب التي ذكرناها في موضعها من البحث.

3- إنّ عاقلة المقاتل هي الجهة المجاهدة التي ينتمي إليها أو الكتيبة العسكريّة التي يجاهد معها، وهي مسألة بحاجة إلى مزيد بحث وتدقيق وفق مستجدّات الواقع وإكراهاته، وقابلة للتّطوير بما يحقّق مقصد الشّرع في صيانة الدّماء، وحالة الجهاد في فلسطين تقتضي الاجتهاد في هذه المسألة، وتغطية هذه الثّغرة الفقهيّة، وإيجاد البدائل الممكنة التي يتّسع لها مفهوم العاقلة.

4-  اقتصر البحث على الأحكام الفقهيّة للشّهداء الذين قتلوا أنفسهم خطأ، والعزم معقود على استكمال البحث في أحكام الذين قُتلوا خطأ في المعارك وميادين الإعداد والتدريب بنيران صديقة بالتّعبير المعاصر، ومن الله نستمد العون والتّوفيق.

المصادر والمراجع:

الأصفهاني، الراغب- مفردات ألفاظ القرآن، وزارة الأوقاف، قطر،ط1، 2017م.

البخاري، محمد بن إسماعيل- صحيح البخاري. مؤسسة الرسالة ناشرون، ط3، 2019م.

ابن بطال، علي بن خلف، شرح صحيح البخاري لابن بطال، مكتبة الرشد السعودية، 2003م.

البغدادي، عبد الوهاب بن علي- الإشراف على نكت مسائل الخلاف، دار ابن حزم، ط1، 1999م.

البهوتي، منصور بن يونس – كشاف القناع على متن الإقناع، دار الكتب العلمية، بيروت. 

البيهقي أحمد بن الحسين – السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.

الترمذي، محمد بن عيسى-سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1975م.

الجويني، عبد الملك بن عبد الله- نهاية المطلب في دراية المذهب، وزارة الأوقاف، قطر، 2007م.

ابن حجر، أحمد بن علي- فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار السلام، الرياض، ط1، 2000م.

ابن حنبل، أحمد- مسند الإمام أحمد، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط1، 2001م.

أبو داوود، سليمان بن الأشعث- سنن أبي داوود، تحقيق شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العالمية، ط1، 2009م.

الرملي، محمد بن أحمد بن حمزة- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2009م.

الزركشي، محمد بن عبد الله- شرح الزركشي على مختصر الخرقي، دار العبيكان، ط1، 1993م.

الشربيني- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، دار الفيحاء، دمشق، 2009م.

الشوكاني، محمد بن علي- نيل الأوطار، دار الحديث، مصر، ط1، 1993.

ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد- المصنف لابن أبي شيبة، تحقيق محمد عوامة، دار قرطبة، بيروت، ط1، 2006م.

الطريفي، عبد العزيز- التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل، مكتبة رشد، ط1/ 2001م.

ابن عبدالله، عبد الرحمن- أحكام الشّهيد في الفقه الإسلامي، دار البيان، السعودية، ط1، 2001م.

ابن عثيمين، محمد- الشرح الممتع على زاد المستقنع، دار ابن الجوزي ط1، 1422 – 1428 هـ.

العدوي، علي بن أحمد- حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، دار الفكر، بيروت، 1994م.

ابن عرفة، محمد- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر بدون طبعة وتاريخ.

عودة، عبد القادر- التشريع الجنائي في الإسلام، الرسالة العالمية، دمشق، ط2، 2012م.

العيني، محمود بن محمد- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث، بيروت.

القاضي، عياض بن موسى- إكمال المعلم بفوائد مسلم، دار الوفاء، مصر، 1998م.

ابن قدامة، عبد الله بن أحمد- المغني، دار الفكر بيروت، ط1، 1405ه.

ابن قدامة، عبد الرحمن بن محمد- الشرح الكبير على المقنع، دار هجر، القاهرة، ط1،  1995م.

القرافي، أحمد بن إدريس- الذخيرة، دار الغرب بيروت، ط1، 19994م.

الكاساني، أبو بكر بن مسعود- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1986م.

اللخمي، عمر ابن علي بن سالم- التحرير والتحبير في شرح رسالة  ابن أبي زيد القيرواني، مركز نجيبويه، المغرب، ط1، 2018م.

ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد- سنن ابن ماجه، تحقيق شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العالمية، ط1، 2009م.

 ابن مازة، محمود بن أحمد- المحيط البرهاني في الفقه النعماني، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط1، 2004 م.

الماوردي، علي بن محمد- الحاوي الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009م.

المرداوي، علي بن سليمان- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، دار هجر، مصر، ط1، 1995م.

مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري- صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت

ابن الملقّن، عمر بن أبي الحسن علي- عمدة المحتاج إلى شرح المنهاج، وزارة الأوقاف قطر، 2018م.

ابن منظور- محمد بن مكرم، دار صادر، بيروت، 2004م.

الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت، ط4، 1993م.

ابن النجار، تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي- منتهى الإرادات، مؤسسة الرسالة، 1999م.

ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية، بيروت، 2013م.

النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 2001م.

النووي، محيي الدين بن شرف الدين – شرح صحيح مسلم، دار الفيحاء دمشق، ط1، 2021م.

النووي، محيي الدين بن شرف الدين- المجموع شرح المهذب، دار عالم الكتاب، 2003م.

ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد- فتح القدير، دار الفكر بدون طبعة وتاريخ.


([1]) سنن ابن ماجه، كتاب أبواب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، ح2045، وقال الأرناؤوط: “حديث صحيح، وهذا إسناد منقطع، فإنّ عطاء -وهو ابن أبي رباح- لم يسمعه من ابن عباس، والواسطة بينهما عُبيد بن عمير، أخلّ بذكرها الوليد بن مسلم فإنّ له أوهامًا، وذكرها بشر بن بكر التنيسيّ وهو من ثقات أصحاب الأوزاعيّ. وعبيد بن عمير ثقة.

([2]) ابن منظور- محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 2004م، 5/96.

([3]) المرجع السابق، 5/96-67.

([4]) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، 19/129.

([5]) ابن منظور- محمد بن مكرم- لسان العرب، 12/22-23.

([6]) الأصفهاني، الراغب- مفردات ألفاظ القرآن، وزارة الأوقاف، قطر،ط1، 2017م، ص522.

([7]) ابن الهمام، كمال الدين محمّد بن عبد الواحد- فتح القدير، دار الفكر بدون طبعة وتاريخ، 10/203.

([8]) عودة، عبد القادر- التشريع الجنائيّ في الإسلام، الرسالة العالميّة، دمشق، ط2، 2012م، 3/15.

([9]) انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 16/61.

([10]) الزركشي، محمد بن عبد الله- شرح الزركشي على مختصر الخرقي، دار العبيكان، ط1، 1993مم، 3/7-8

([11]) عودة، عبد القادر- التشريع الجنائيّ في الإسلام، 3/120.

([12]) سبق تخريجه.

([13]) الرملي، محمّد بن أحمد بن حمزة- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 2009م، 2248-249، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 26/273، ابن عبدالله، عبد الرحمن- أحكام الشّهيد في الفقه الإسلاميّ، دار البيان، السعوديّة، ط1، 2001م، ص74-75.

([14]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، ح182.

([15]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، ح183.

([16]) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسّير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ح2810.

([17]) صحيح البخاريّ، كتاب الجهاد والّسير، بَابٌ: الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ، حديث2829، صحيح، مسلم، كتاب الإمارة، بَابُ بَيَانِ الشّهداء، حديث رقم1915.

([18]) صحيح البخاريّ، كتاب الأذان باب فضل التهجير إلى الظّهر،ح 653، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، بَابُ بَيَانِ الشّهداء، ح1914.

([19]) سنن التّرمذيّ، أبواب الديات، باب من قتل دون ماله فهو شهيد، ح1421، وإسناده صحيح.

([20]) النوويّ، المنهاج شرح صحيح مسلم، دار الفيحاء دمشق، ط1، 2021م، 13/ 72-73.

([21]) الكاسانيّ، بدائع الصنائع في ترتيب الشّرائع، 1/322.

([22]) صحيح البخاريّ- كتاب الديات، بابٌ إذا قتل نفسَه خطأ فلا ديةَ له، ح6891.

([23]) صحيح مسلم- كتاب الجهاد والسّير، بابٌ غزوة خيبر، ح1802.

([24]) القاضي، عياض بن موسى- إكمال المعلم بفوائد مسلم، دار الوفاء، مصر، 1998م، 6/146، النوويّ- شرح صحيح مسلم، 13/ 72-73.

([25]) ابن بطّال، عليّ بن خلف- شرح صحيح البخاريّ لابن بطال، مكتبة الرشد السعوديّة، 2003م،9/323.

([26]) العيني، محمود بن محمد- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث، بيروت، 22/184، النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، 12/ 182.

([27]) العيني، محمود بن محمد- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 22/184، ابن بطال، علي بن خلف- شرح صحيح البخاري لابن بطال، 9/323.

([28]) ابن عثيمين- الشرح الممتع، 14/186-187.

([29]) العيني، محمود بن محمد- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 242/51.

([30]) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر، ح1802.

([31]) النووي- شرح صحيح مسلم، 12/ 182.

([32]) سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه، ح2539، قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف، الوليد -وهو ابن مسلم الدمشقي، وإن كان ثقة- يدلِّس تدليس التسوية، ولم يُصرِّح بالسماع في شيء من طبقات الإسناد، ثم إن سلَّام بن أبي سلَّام والدَ معاوية مجهول، لكن جاء في بعض نسخ أبي داود من رواية اللؤلؤي أن أبا داود قال بإثر الحديث: إنما هو معاوية، عن أخيه، عن جده. قال: وهو معاوية بن سلّام بن أبي سلّام. قلنا: وأخو معاوية هو زيد بن سلام ثقة، لكن تبقى شبهة تدليس الوليد بن مسلم.

([33]) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، ح2809. وكتاب الرّقاق، باب صفة الجنة والنار، ح 6567.

([34]) ابن مازة- المحيط البرهاني في الفقه النعماني، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، ط1، 2004 م، 2/165، القرافي، أحمد بن إدريس- الذخيرة، دار الغرب بيروت، ط1، 19994م، 2/476.المرداوي، عليّ بن سليمان- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، دار هجر، مصر، ط1، 1995م، 6/99.

([35]) البيهقيّ، السنن الكبرى، باب المسلمون يقتلون مسلمًا خطأ، ح16477. حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، الحاكم في مستدركه ج 3/ 223 حديث رقم: 4909.

([36]) ابن نجيم- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، 2/211، الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/323.

([37]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/324، النووي- المجموع شرح المهذّب، 5/261، المغني- ابن قدامة، 2/397.

([38]) سبق تخريجه

([39]) سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، باب في الرّجل يموت بسلاحه، ح2540، إسناده صحيح.

([40]) المغني- ابن قدامة، 2/398.

([41]) سبق تخريجه

([42]) الشوكاني، محمّد بن علي- نيل الأوطار، 4/38.

([43]) الشربيني- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، 1/972-973.

([44]) ابن عبدالله، عبد الرحمن- أحكام الشّهيد في الفقه الإسلامي، ص163.

([45]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/323-324، البغدادي، عبد الوهاب بن علي- الإشراف على نكت مسائل الخلاف، دار ابن حزم، ط1، 1999م، 1/358.النووي- المجموع شرح المهذب، 5/261.

([46]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/324.

([47]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/324، ابن قدامة- المغني، 2/396.

([48]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/324، ابن عرفة، محمد- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر بدون طبعة وتاريخ، 4/287، ابن قدامة- المغني، 2/396.

([49]) مسند الإمام أحمد، ح (23657) من حديث عبدالله بن ثعلبة، قال الأرناؤوط: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث في ح رقم (23662) ، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح، وعبد الله بن ثعلبة لم يشهد هذه القصة لأنه لم يكن مولوداً بعدُ، وإنما رواه عن جابر بن عبد الله ح رقم (23660) ، فهو مرسل صحابي.

([50]) البغدادي، عبد الوهاب بن علي- الإشراف على نكت مسائل الخلاف، 1/358.

([51]) سنن أبي داوود، كتاب الجنائز، باب الشّهيد يغسل، ح3133، وقال الأرناؤوط: رجاله ثقات.

([52]) الماوردي- الحاوي الكبير، 3/35،  ابن قدامة- المغني، 2/396.

([53]) مسند الإمام أحمد، ح (1418) من حديث الزبير بن العوّام. قال الأرناؤوط: إسناده حسن، عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق حسنُ الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ سليمان بن داود الهاشمي، فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة.

([54]) مصنّف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب (39-39) ح11172، قال عوامة في تحقيقه: وإسناد المصنف مرسل صحيح، 7/168.

([55]) الماوردي- الحاوي الكبير، 3/35،  ابن قدامة- المغني، 2/396.

([56]) ابن قدامة- المغني، 2/396.

([57]) البهوتي- كشّاف القناع، 2/100.

([58]) الشوكاني- نيل الأوطار، 4/50.

([59]) ابن منظور- محمد بن مكرم، لسان العرب، 15/184.

([60]) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية، بيروت، 2013م 9/75.

([61]) العدوي، عليّ بن أحمد- حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الربّاني، دار الفكر، بيروت، 1994م، 2/298.

([62]) الشربيني- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، دار الفيحاء، دمشق، 2009م،  5/5.

([63]) ابن النجّار، محمّد بن أحمد الفتوحي- منتهى الإرادات، مؤسّسة الرسالة، 1999م، 5/55.

([64]) سنن النسائيّ، كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن جزم في العقول، ح2029، 7032.

([65]) صحيح البخاري- كتاب الديات، بابٌ من قتل له قتيل فهو بخير النّظرين، ح6880.

([66]) ابن حجر- فتح الباري شرح صحيح البخاري، 12/261.

([67]) البيهقيّ- السنن الكبرى، كتاب الجراح، باب الخيار في القصاص، ح16037. قال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأحمد في مسنده، (27160)، وأخرجه مطولاً ومختصراً أبو داود (4504)، والترمذي (1406) ،وغيرهم

([68]) ابن حجر- فتح الباري شرح صحيح البخاري، 12/261.

([69]) الشربيني- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، 5/5.

([70]) ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، 9/75.

([71]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 7/276، اللخمي، عمر بن علي بن سالم- التحرير والتحبير في شرح رسالة  ابن أبي زيد القيرواني، مركز نجيبويه، المغرب، ط1، 2018م، 5/476، ابن الملقّن- عمدة المحتاج إلى شرح المنهاج، 13/201، ابن قدامة- المغني، 8/303.

([72]) صحيح البخاري- كتاب الديات، بابٌ إذا قتل نفسَه خطَأً فلا ديةَ له، ح6891.

([73]) الماوردي – الحاوي الكبير، 12/358.

([74]) المرجع السابق، 12/358.

([75]) ابن قدامة- المغني، 8/303.

([76]) المرجع السابق، 8/303.

([77]) الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، 6/207.

([78]) أخرجه ابن أبى شيبة، كتاب الديات: باب الرجل يصيب نفسه بالجرح، ح28277. وليث هو ابن أبي سليم ضعيف الحديث.

([79]) ابن قدامة- المغني، 8/303.

([80]) ابن قدامة- المغني، 8/401.

([81]) ابن حجر- فتح الباري، 12/272.

([82]) الطريفي، عبد العزيز- التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل، مكتبة رشد، ط1، 2001م، ص 496.

([83]) ابن قدامة، عبد الرحمن بن محمد- الشرح الكبير على المقنع، دار هجر، القاهرة، ط1،  1995م، 25/339-340.

([84]) ابن حجر- فتح الباري، 12/272.

([85]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الصنائع، 7/276، ابن عرفة، محمد- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 4/287.

([86]) ابن عرفة، محمد- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 4/287.

([87]) المرجع السابق، 4/287.

([88]) الجويني، عبد الملك بن عبد الله- نهاية المطلب في دراية المذهب، وزارة الأوقاف، قطر، 2007م، 16/539، ابن قدامة- المغني، 8/401.

([89]) ابن قدامة- المغني، 8/401.

([90]) ابن الملقّن- عمدة المحتاج إلى شرح المنهاج، 13/201.

([91]) الجويني- نهاية المطلب في دراية المذهب، 16/539.

([92]) ابن قدامة- المغني، 8/401.

([93]) ابن قدامة- المغني، 8/401.

([94]) الكاساني- بدائع الصنائع في ترتيب الصنائع، 7/252.

([95]) ابن قدامة- المغني، 8/401.