محمّد خير موسى

       إنَّ من أخطر ما يُمنى به العاملون، حَمَلةُ المشاريع العظيمة، وجند الإسلام، وأبناء الرّسالات السامية هو انشغالهم بالعمل للمشروع والرسالة عن مُسَاندات العمل ودعائمه، وغرقهم في تفاصيل الجهد المبذول زاهدين بما يعينهم على لأواء الطريق، ويبلسم جراحاتهم التي أحدثتها سهام المواجهة ونِصالُ المجابهة وأشواك الدّرب، فتتصحّر أرواحهم، وتجدبُ نفوسهم، وتكلُّ هِممهُم وتخور عزائمهم، وتقسُو قلوبهم.

وقد كان أوّل ما نزل من القرآن الكريم آمراً النبي صلى الله عليه وسلم تبليغ الرسالة آيات تضع الشروطَ العامة اللّازمة، والصّفاتِ الضرورية لأصحاب الرسالات السامية وحَمَلة المشاريع الكبيرة؛ وذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) سورة المدثر 1-7، إذ إنه لا يليق بأصحاب الرّسالات العظيمة والمشاريع الكبيرة أن يركنوا إلى الفراش الوثير، وأن ينعموا بهانئ النوم، بل عليهم أن يلقوا عنهم دثارهم، ويقوموا إلى العمل الدّؤوب والسّهر المتواصل، لا يعظّمونَ في نفوسهم إلا خالقهم، فيخلعون بذلك رهبةَ سواه من قلوبهم، ويكسرون قيود الخوف من المخلوقين مهما عظمت سطوتهم، وعَلا طغيانهم، وما داموا قد تصدّروا للعمل العام فلا بد لهم إلى جانب طهارة ما خفي عن النّاس من قلب ونفس وروحٍ، أن يطهرّوا ما ظهرَ للنَّاس منهم من الجوارح، ويتجنّبوا مواطن الشبهات التي تدنّسُ بها ثيابهم، هاجرين قبائح الأفعال والأقوال، لا يبتغون  من أعمالهم جزاءً دنيوياً، ولا منصباً زائلاً، مترفعين عن الاستكثار من لعاع الدنيا الفانية، وقد أيقنوا أنّ حامل الرسالة والمشروع لا بدّ أن يُواجَه بالأذى والطعن، وأنّ طريقه مرصوفة بالمنغّصات والمتاعب، فأعدُّوا لذلك من الصبر الجميل عدةً يستحيل مرُّ أوقاتهم حلوَ المذاق بها.

وهذه الصّفات اللازمة لا يتمكّن صاحبها من الاستمرار في طريق ذات الشوكةِ باتزان وتؤدة، وهمّةٍ دفّاقة، وإقبالٍ كبير، إلا إذا كان له زادٌ دائم من الإقبال على الله تعالى، والفزع إليه على الدوام، والإكثار من العبادة بأشكالها المختلفة.

فبعدَ أن أمر الله تعالى نبيّه بالقيام مُنذرا ً، بيَّن له زاد المسير في طريق الإنذار والتبليغ الذي يتمثلُ في القيام متبتلاً؛ إذ قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ *قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ” سورة المزمل 1 – 4

فكما أنّ على العاملين إلقاء دثار الراحة عنهم والنهوض بأعباء المهام الشاقة، فإن عليهم أيضاً إلقاء دثار الغفلة والتزوّد بالعبادات من قيامٍ وترتيل للقرآن وغيرها من وسائل الإعداد الإلهي لجند الحقّ الذين ركبوا سفينةً باسم الله مرساها ومجراها.

وقد جاء قوله تعالى: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) سورة المزمل 5-6، لبيان أن الذين يحملون المهام الثقيلة، والتكاليف العظيمة ينبغي أن تتّصل أرواحهم بالملأ الأعلى وقد هدأ الليل وسكنت الأنفس، ليُلقوا عن كاهلهم مشاكسات النهار، ومجادلات الخلق، وهموم المواجهات، فلئن كان القيام في اللّيل أجهدَ للبدن، وأتعب للجوارح، فإنه أقوم سبيلاً، وأروح للروح والقلب، وأثبت في طريق الخير.

وإنَّ مشاغل النهار التي تستنزف الطاقات، وتستغرق الأوقات بحاجة إلى تجديد الهمّة والتزوّد بالطاّقة لأعباء يوم جديد، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم اللّيل حتى تتورّم قدماه، ويطيل السّجود حتى تظن عائشة رضي الله عنها أنه قد قُبض.

وإنّ من أهم المعينات على الثّباتِ عند المواجهة، وتحصيلِ الفلاح عند احتدام المعركة كثرة العبادة، من الذّكر وغيره مما انشغل عنه العاملون؛ والله تعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الأنفال 45

وها هو موسى عليه الصّلاة والسّلام يسأل ربّه تبارك وتعالى أن يشدّ عضده بأخيه هارون ليكون ظهيراً له في مواجهة فرعون، مبيناً الزاد الذي يتزوّدان به بين يدي هذه المواجهة: ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ) طه 29-35

وكم يعاني كثيرٌ من العاملين من تصحُّر الروح وجفاف القلب الناجم عن ضعف الصّلة بالله تعالى، والانشغال عن الزّاد الروحي بحجّةِ الانشغالِ بحراسة الثُّغور التي أقامهم الله تعالى عليها، والاستغراق بالعمل من أجل مصلحة الثورة والمشروعِ والأمة، وضيق الأوقات أمام كثرة الالتزامات، فتُؤخَّر الصلوات عن أوقاتها، وتُضَيَّع السنن الرواتب، ويُهجَر كتاب الله تعالى أياماً بل ربما أسابيع، ولا يعرف الذّكر إلى اللّسان سبيلاً إلا على سبيل التبرّم حيناً أو تعبيراً عن الانزعاج أحياناً أخرى، وإنّما كثرة العبادة هي الغيث الذي ينزل على القلب فيحييه من الموات، وعلى النفس فتعشب بعد جدب وقحط، بل هي السُّور الذي يقي من تسلُّلِ العدوِّ الأول الذي أمرنا الله تعالى باتخاذه عدواً وهو الشّيطان إلى الحصن، فإن زال السّور غدا الحصن نَهبًا للعدوّ وتحت نيرانه.

وهذا ما وعاه الصّحب الكرام رضي الله عنهم، والجند الصادقون الذين فتح الله على يديهم على مرِّ تاريخ أمة الإسلام، فعندما وكَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وعباد بن بشر رضي الله عنهما بحراسة فم الشعب حيثُ نزل الجيش العائد من غزوة ذات الرقاع، فقسما الليلة بينهما نوبتين، وكانت نوبة عبّاد بن بشر رضي الله عنه قام يصلي من الليل وقد وعى تماماً أن أهمّ ما يعين حراس الثغور والقائمين عليها ـ على اختلاف صُوَرِ الثغور وأشكالها ـ على القيام بأعباء ما أقامهم الله فيه إنّما هو صدق الالتجاء إليه والفزع إلى العبادة والإكثار منها بين يديه.

بل إنّ ذلك يعدّ من أهمّ ما يربط على القلب ويُغَشِّيه السَّكينةَ إذا ابتُليت النفوس بمواجهة الباطل وزلزلت زلزالاً شديداً، وطمح الجند الصادقون إلى الفتح، ولا تزال صورة الشيخ” آق شمس الدين ” الذي يعد الفاتح المعنوي للقسطنطينية وهو شيخ السلطان محمد الفاتح تلوح في الأفق ليلةَ فتحِ القسطنطينية بعد أن علت في وجوههم حصون الباطل؛ إذ آوى إلى خيمته طالباً من حارسها أن يمنع أحداً من الدّخول عليه فجاء السلطان محمد الفاتح ولم يرغب بمخالفة رغبة شيخه، فاطّلع عليه من طرف الخيمة ليراه ساجداً وقد أطال السجود، فتدحرجت عمامته وبانَ شيب رأسه وسالت على الثَّرى دموعه، وكان ذلك بين يدي فتح القسطنطينية الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا هوَ ما أرادَ صلاح الدِّينِ الأيُّوبيّ ترسيخَه في مرحلةِ الإعداد للنَّصر على الصَّليبيينَ وتحريرِ بيتِ المقدسِ بقوله: من هنا يأتي النَّصر، وهو يشير إلى خيمةٍ من خيام جنده كان أفرادها يقومون الليل ويرتّلون القرآن، بينما قالَ وهوَ يشيرُ إلى خيمةٍ نامَ أفرادها: من هنا تأتي الهزيمة!!

كما أنّ التجاء العاملين إلى الله تعالى وإكثارهم من العبادات يبارك بالأوقات، ويجلو الأرواح والقلوب، فإنّه يثمر أيضاً تجرداً صادقاً عن الذّات وانعتاقاً من الأنا، وخروجاً من ضيق الانتساب إلى سعة الانتماء.

يذكر أبو شامة المقدسي في كتابه النفيس (الروضتين في أخبار الدولتين) أنّ أحد الأئمة في زمن نور الدين الشهيد رحمه الله تعالى رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة رحيل الفرنج عن دمياط وقال له: أعلم نور الدين أنّ الفرنج قد رحلوا عن دمياط هذه الليلة، فقال: يا رسول الله، ربما لا يصدّقني، فاذكر لي علامة يعرفها، فقال: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت يا رب انصر دينك، ولا تنصر محموداً، ومن محمود الكلب حتى تنصره ؟!!

يقول الإمام: فانتبهت ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أنّه ينزل إليه بغَلَس، ولا يزال يركع حتى صلاة الصبح، فتعرَّضت له فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة، إلّا أنّني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين: اذكر العلامة كلّها، وألحّ علي في ذلك فقلتها، فبكى ـ رحمه الله ـ وصدّق الرؤيا، فأرَّختُ تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة.

والخبر يبيّن أنّ نور الدين ـ رحمه الله ـ كان مواظباً على القيام، كثير العبادة، وقد أثمر ذلك تجرداً في نفسه، وعدم اهتمام بتسجيل الإنجاز ونسبته إليه، بل كان همّه نصر الفكرة والمبدأ، وهذا من أهم ما يحتاجه العاملون، لا سيما إذا اختلفت توجّهاتهم ومدارسهم وتياراتهم، فتراهم قد تفرقت قلوبهم، واختلفت أرواحهم، وانتصر كل منهم لرأيه أو حزبه أو تنظيمه، ومما يساعد على إزالة هذا الضيق في النظرة والسلوك، كثرة العبادة بين يدي الله تعالى التي تورث تجرداً صادقاً، فيكون هَمُّ العاملين ودأبهم ودعاؤهم كما قال نور الدين محمود: ” اللهم انصر دينك، ولا تنصر محموداً ” فلا يكون الهمّ هو انتصار التّيار أو الحزب أو الجماعة أو التنظيم أو الحركة أو المدرسة، بل هدفهم وغايتهم انتصار الإسلام الذي تُعَدُّ هذه الانتماءات وسائل لتحقيق هذا الهدف، فتبقى الوسائل في نصابها الحقيقي فلا تتحوّل غايات بحد ذاتها ولا يتنافس في سبيلها العاملون.

فما أحوجَ حَمَلة المشاريع الكبيرة وجند الرسالات إلى العودة إلى نفوسهم وأرواحهم على الدّوام، فيسقونها آيات كتاب الله تعالى ترتيلاً وتفكراً، ويعرِّضُونها لنفحات السَّحَر واستغفاره، ويروونها دموع الضّراعة وصدق الالتجاء، ويقلّبونَها بالقيام في هدأة الليل ليبذروا فيها طاقةً تثمر همّةً في العمل وسعةً في الأفق، وثباتاً على الطريق وحلماً على الجهل، وسمواً في الأهداف والغايات ورفعةً عن الصّغائر، والتفاتاً عن السّفاسف وتواضعاً في السّلوك، فلا يعرف التصحُّر إلى أرواحهم طريقاً، ولا الجدبُ إلى نفوسهم سبيلاً، ويكونون كما أرادهم ربُّنا تبارك وتعالى أشدّاء على الكفار رحماء بينهم، يشفي الله بهم صدورَ عباده المؤمنين، ويغيظُ بهم عدوّه، وينصر دينه وشريعته.

11/شعبان/1435هـ

الموافق 10/6/2014م