خاص هيئة علماء فلسطين

         

5/2/2026

المفتي: لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الإخوة في لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين حفظكم الله

نتوجه إليكم بالتحية سائلين المولى عزّ وجلّ ان يبارك جهودكم وينفع بكم الإسلام واهله.

تمس الحاجة عندنا في لبنان عموما، ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين خصوصا لبيان الرأي الشرعي في موضوع الهجرة إلى دول الغرب وأوروبا لأسباب عديدة، منها الهروب من الواقع الاقتصادي أو السياسي أو لأي سبب آخر.

نريد فتوى توضح الحكم الشرعي بخصوص صور الهجرة إلى بلاد أوروبا والغرب وغيرها، ما المشروع منها وما الممنوع، علما أن سفر الشباب أو العائلات من لبنان يتم بشكل هجرة غير شرعية غالبا عبر مهربين بين الحدود، وقد وقعت مخاطر حقيقية أزهقت فيها أرواح شباب ونساء وأطفال في البحر، كما حصل في قارب نهر البارد حيث غرق المركب بمن فيه، وهناك من تعرض للقتل على يد عصابات إجرامية، وهناك من يموت نتيجة الجوع والعطش في الفيافي والصحاري والغابات، وقليل جدا منها ما يكون بطريقة قانونية آمنة، وظاهرة الهجرة غالبا تستهدف الشباب، وكثيرا ما تبوء بالفشل بسبب نصب واحتيال سماسرة السفر أو بسبب إلقاء القبض عليهم من حرس الحدود، أفتونا مأجورين؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

فالأصل في هذه المسألة هو عدم جواز إقامة المسلم في بلاد الكفر والعيش بينهم من غير ضرورة ولا حاجة، وذلك من عدة وجوه:

أولها: ورود الأحاديث النبوية الناهية عن إقامة المسلم في بلاد الكفر، والآمرة بمفارقة الكفار، حيث قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رواه أبو داود (2645)، والترمذي (1604)، وعَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: (أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ) رواه النسائي (4177).

ثانيها: أن بلاد الكفر في هذا الزمن كثرت فيها الفواحش وأنواع الشذوذ؛ وتفننوا في ذلك، حتى أصبحت من عاداتهم وعرفهم ولا ينكرها عندهم أحد إلا عابوه بل ربما عاقبوه، فمثل هذه البلاد إذا سافر إليها المسلم وعاش فيها فقد عرض نفسه للفتن والفواحش.

ثالثها: أنه يعرِّض ذريته للفساد والضياع، حتى الأولاد في كثير من بلاد الكفار لا سيطرة لآبائهم عليهم، بل يزود الصغار في رياض الأطفال برقم خاص للاتصال بالشرطة متى ما تعرضوا لتعنيف من أحد الوالدين!! ولعلك إذا تأملت هذه المخاطر العظيمة، والمفاسد الجسيمة فهمت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)..

والله جل جلاله قد جعل المسلم عزيزاً بدينه، وبما منّ عليه من الهدى والحق، فلا يجعل المسلم نفسه بدار كفر ومذلة، ولذا فإن ضاقت عليك بلد من بلاد المسلمين، ففي بلاد الإسلام متسع وبديل بإذن الله؛ كما قال سبحانه وتعالى { يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (سورة إبراهيم (56)(

 ومن لم يستطع إظهار دينه في بلد المهجر، فيجب عليه الهجرة منها إلى بلاد الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء / 97)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ). رواه أبو داود (2645)، قال الحافظ ابن حجر عن قوله صلى الله عليه وسلم: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) قال: وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَن عَلَى دِينه اهـ. “فتح الباري” شرح حديث رقم (2825).

وقال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في كتابه “أسنى المطالب” (4/207) “تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الإِسْلامِ عَلَى مُسْتَطِيعٍ لَهَا إنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ” اهـ.

وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ المالكي: الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الإِسْلام، وَكَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ” اهـ . من “نيل الأوطار” (8/33) للشوكاني.

وجاء في “الموسوعة الفقهية” (20/206) مختصرا: “دَارُ الْحَرْبِ: هِيَ كُلُّ بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً،… وقد قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النَّاسَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ:

أ – مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. . .

ب – مَنْ لا هِجْرَةَ عَلَيْهِ: وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، إمَّا لِمَرَضٍ أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الإِقَامَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ أَوْ ضَعْفٍ كَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، لقوله تعالى: (إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا).

ج – مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ وَلا تَجِبُ عَلَيْه، وَهُوَ: مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْب ويستطيع حفظ ذريته من الانحراف والضياع، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْجِهَادِ، وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ” اهـ.

فيتبين مما سبق أنه لا بد من توفر شرطين هامَّين في جواز السفر إلى بلاد الكفر والإقامة فيها، وهما:

الشرط الأول: أن يتمكن من إظهار دينه، وممارسة شعائره، وتربية أولاده تربية إسلامية محافظة، وأن يغلب على ظنه الأمن من فتن الشبهات والشهوات المنتشرة هناك بكثرة.

الشرط الثاني: أن تكون هناك مصلحة راجحة في سفره وإقامته في بلاد الكفر لا يمكن تحقيقها في بلاد المسلمين، كطلب علم مهم لا يوجد في بلاد المسلمين، أو دعوة إلى دين الله، ونحو هذا، أو يكون ممن هم مضطرون اضطراراً حقيقياً إلى الذهاب إلى تلك البلاد ممن يخشون على أنفسهم القتل أو السجن إن هم بقوا في البلاد الإسلامية، وهذه فئة قليلة نادرة في الناس.

وننوه هنا إلى ثلاث نقاط مهمة:

١_ لا يجوز ركوب البحر عند هيجانه والسفر بمركب متهالك، فإن العبد مطالب بحفظ نفسه من أسباب الهلاك وعدم التغرير بها والإعانة على إزهاقها، وقد جاء في الحديث: (من ركب البحر عند ارتجاجه فمات، فقد برئت منه الذمة). رواه أحمد وحسنه الألباني.

ولذلك نقل جمع من أهل العلم اتفاق العلماء على أن البحر لا يجوز ركوبه حين ارتجاجه، منهم ابن عبد البر في التمهيد، والقاضي عياض في إكمال المعلم، وابن الملقن في التوضيح، وقال ابن بطال: أما إذا كان إبان ارتجاجه، فالأمة مجمعة أنه لا يجوز ركوبه، لأنه تعرض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك بقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ـ وبقوله: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. اهـ.

وكذلك الحكم إذا لم يرتج البحر، ولكن غلب على الظن عدم السلامة بسبب آخر، كتهالك المركب، والزيادة الكبيرة على حمولته عن المعتاد، ونحو ذلك من الأسباب المؤدية إلى الهلاك في البحر، فمن لم يتحرز من مثل ذلك فمات كان عاصيا بسفره في البحر، وفاته بذلك فضل الشهادة بالغرق، قال القرطبي في المفهم: هؤلاء الثلاثة ـ يعني الحريق والغريق وصاحب الهدم ـ إنما حصلت لهم مرتبة الشهادة لأجل تلك الأسباب، لأنهم لم يغرروا بنفوسهم، ولا فرطوا في التحرز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله وقدره، فأما من غرر أو فرط في التحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات، فهو عاصٍ، وأمره إلى الله، إن شاء عذب، وإن شاء عفا. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ركوب البحر للتجارة جائز إذا غلب على الظن السلامة، وأما بدون ذلك فليس له أن يركبه للتجارة، فإن فعل فقد أعان على قتل نفسه، ومثل هذا لا يقال: إنه شهيد. اهـ.

٢- أهمية ومركزية الآخرة في حياة المسلم، وأنه ينبغي أن يحرص على نجاته وفلاحه في الآخرة، وأن يكون هذا هو معيار تفكيره واختياراته، وما ينبغي له أن يغتر بما يراه من تمتع الكافر بالدنيا، فإنما هي لحظات عابرة يعقبها عذاب طويل، قال تعالى:{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ} (آل عمران:١٩٦-١٩٨).

٣- نذكِّر المسلمين وخاصة من أنعم الله عليهم بالأموال الطائلة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بوجوب دعم فقراء المسلمين وتثبيتهم في بلدهم وتوفير الحياة الكريمة لهم، وخاصة أهل فلسطين وأهل بلاد الشام المباركة، وكذلك نذكِّر ونخوِّف وعيد الله من يظلمون الناس وينهبون ثروات الشعوب ويفقرونها ويضيِّقون عليهم حياتهم بأن يتوبوا إلى ربهم ويقوموا على أداء أمانتهم ومسؤوليتهم تجاه الناس، فبلادنا مليئة بالخيرات والبركة وهي مطمع لكل غازٍ ومحتل، فلنحسن إدارة مواردنا ولنعط الناس حقهم لننجو ونسعد في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.

لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

الثلاثاء 15/شعبان/ 1447

3/ 2/ 2026