23/2/2024

عودة الخلافة الإسلامية

عن ابْن زُغْبٍ الْإِيَادِيَّ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ رضي الله عنه، فَقَالَ لِي: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا فَرَجَعْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا فَقَامَ فِينَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ، فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ» ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، أَوْ قَالَ: عَلَى هَامَتِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا ابْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ» رواه أبو داود.

الشرح والتعليق

1-    يدل الحديث على بشارة عظيمة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أن الخلافة الإسلامية ستعود، وتكون عاصمتها (القدس) في فلسطين.

2-    قوله (عَلَى أَقْدَامِنَا) أَيْ رَاجِلِينَ لَيْسَ لَنَا مَرْكَبٌ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بَعَثْنَا أَيْ أَرْسَلْنَا لِنَأْخُذَ الْغَنِيمَةَ رِجَالًا غَيْرَ رِكَابٍ.

3-    قوله (وَعَرَفَ الْجَهْدَ) أَيِ الْمَشَقَّةَ وَالتَّعَبَ.

4-    قوله (لَا تَكِلْهُمْ) مِنْ وَكَلَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ وَكْلًا وَوُكُولًا سَلَّمَهُ.

5-    قوله (فَأَضْعُفُ عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ مُؤْنَتِهِمْ.

6-    قوله (فَيَعْجَزُوا عَنْهَا) أَيْ عَنْ مُؤْنَةِ أَنْفُسِهِمْ.

7-    قوله (فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ) أَيْ يَخْتَارُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ فَيَعْجَزُوا إِشْعَارًا بِأَنَّهُمْ مَا يَكْتَفُونَ بِإِظْهَارِ الْعَجْزِ بَلْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى أَنْ يَخْتَارُوا الْجَيِّدَ لِأَنْفُسِهِمْ وَالرَّدِيءَ لِغَيْرِهِمْ.

8-    قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَعْنَى لَا تُفَوِّضْ أُمُورَهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْ كِفَايَةِ مُؤْنَتِهِمْ وَلَا تُفَوِّضْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجَزُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ شَهَوَاتِهَا وَشُرُورِهَا وَلَا تُفَوِّضْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَخْتَارُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَيَضِيعُوا بَلْ هُمْ عِبَادُكَ فَافْعَلْ بِهِمْ مَا يَفْعَلُ السَّادَةُ بِالْعَبِيدِ.

9-    قوله (أَوْ عَلَى هَامَتِي) الْهَامَةُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ.

10-   قوله (إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ) أَيْ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ.

11-   (قَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ الْمُقَدَّسَةِ) أَيْ صارت عاصمة الخلافة في (بيت المقدس) في فلسطين.

12-   والدليل على أن المراد بالحديث خلافة مقرها فلسطين وعاصمتها القدس؛ أن القرآن الكريم وصف فلسطين بالأرض المقدسة، فقال على لسان موسى عليه السلام (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) والمعروف أن الأرض التي رفضوا دخولها هي فلسطين، وأن يوشع بن نون خليفة موسى عندما بدأ تنفيذ أمر موسى كان ذلك بدخوله أرض فلسطين، وبلاد الشام إنما تأخذ قدسيتها من كونها محيطة بالمسجد الأقصى، وقال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) فالبركة مقرها المسجد الأقصى، وكل ما قرب منه فهو أكثر قدسية، ولذلك حملنا الحديث على أن المراد به خلافة تكون عاصمتها القدس، وقاعدتها أرض فلسطين، ومثل هذا لم يحدث من قبل.

13-   قوله (فَقَدْ دَنَتْ) أَيْ قَرُبَتْ.

14-   قوله (وَالْبَلَابِلُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَلَابِلُ الْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ وَبَلْبَلَةُ الصَّدْرِ وَسْوَاسُ الْهُمُومِ وَاضْطِرَابُهَا.

15-   يجب أن يلهج الناس بحفظه وترديده، ومما يجب أن يعملوا لأن يكونوا من جند الخلافة الإسلامية الراشدة التي تكون في بيت المقدس بعون الله تعالى، ومن بعد زوال دولة اليهود القائمة الآن، وقبل نزول المسيح عليه السلام..

16-   يقول د. محمد أبو صعيليك تعليقا على هذا الحديث: على الرغم من حالة الضعف التي نمر بها، وعلى الرغم من كثرة كيد الكائدين لها، وتفريط المفرطين من أبنائها، ويأس اليائسين فيها، وعلى الرغم من استعلاء اليهود واستكبارهم، وعلى الرغم من المكائد الدولية التي تحاك لها من أعدائها، وعلى الرغم من تخاذل المسلمين في هذه الأيام؛ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الشريفة يبشر الأمة المسلمة بخلافة مسلمة راشدة؛ تكون في فلسطين قاعدتها والقدس عاصمتها، وهذا في الأيام القادمة، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، ووعده أمته صدق، هذا ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ونحن نتحدث عنه، وهذا وعد منه صلى الله عليه وسلم للأمة وهو وعد من الله تعالى ولن يخلف الله وعده، ولن تتخلف بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيحقق كل ما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة.. هذا ما نقول لأمتنا، وهذا ما نؤمن به، ولا يتم لنا إيمان إلا بذلك، وهو من مقتضى الإيمان بالرسول وتصديقه، فمن صدق خبره فقد آمن به، ومن شكك في خبره فقد شكك في نبوته، والله أعلم.

والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين

مع تحيات د. عمر حماد

الجمعة 3/11/2023م

الموافق 19/ربيع الثاني/1445هـ