د. عمر حماد عضو هيئة علماء فلسطين
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ»، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ» قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ. متفق عليه، وهذه رواه مسلم.

الشرح والتعليق
- هذا الحديث يدل على شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على وجوب تقدم القادة للحرب والجهاد، والمبادرة إلى القتال وعدم انتظار الناس.
- كما يدل هذا الحديث على بعض الصفات الرائعة الجميلة للرسول صلى الله عليه وسلم.
- قوله (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم أحسن الناس) أي أحسن الناس خلقا وخلقا، وصورة وسيرة، ونسبا وحسبا، ومعاشرة ومصاحبة.
- قوله (وأجود الناس) أي أكثرهم كرما وسخاوة.
- قوله (وأشجع الناس) أي: قوة وقلبا، ويدل عليه قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} على القتال، ولذا كان يركب البغل لأنه لا يتصور معه الكر.
- قوله (ولقد فَزِع أهل المدينة) فزع بكسر الزاي ولها معنيان: الخوف والاستغاثة، يقال: فزِع منه أي خاف منه، وفزِع إليه أي استغاث به.
- سبب الخوف أنهم سمعوا بالليل أصواتا أنكروها.
- قوله (فانطلق الناس قِبَل الصوت) قِبَل بكسر القاف وفتح الباء أي: باتجاه الصوت.
- قوله (فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ) أي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – تلقّى الناس أثناء عودته راجعا إليهم حال كونه قد سبق الناس إلى الصوت وتحقق عدم الفزع عنده.
- قوله (وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ) هذا الفرس يسمَّى (مندوب) وهو لأبي طلحة، استعاره منه النبي صلى الله عليه وسلم، وورد في آخر الحديث أن الفرس كان بطيء السير عادة.
- قوله (عُرْيٍ) بضم العين وسكون الراء صفة لفرس، أي لا يوجد عليه سَرْج، وهذا يصعب على الراكب قيادة الفرس والثبات عليه، وهو أمر لا يجيده إلا المهرة.
- قوله (فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ) أي أن النبي صلى الله عليه وسلم علّق السيف في عنقه بالحمائل (الحبال) كما نحمل نحن (الشنطة المدرسية أحيانا من جهة واحدة)
- قوله (لمْ تُراعُوا) بضم التاء والعين، مبنيٌّ للمجهول، من الرَّوْع بمعنى الفَزَع والخوف، أي: لم تخافوا ولم تفزعوا، وأتى بـ(لمْ) وهي صيغة الجحد مبالغة في النفي، وكأنه ما وقع الروع والفزع قط.
- قوله (لمْ تُراعُوا) كرره تأكيدا، أو أن الأولى كانت لخطاب قوم عن يمينه والثانية لخطاب قوم عن يساره.
- قوله (وجدناه بحرا) أي أنّ الفرس البطيء في السير صار (بحرًا) واسع الجري.
- قوله (أو قال إنه لبحر): هذا الشك من الراوي)
- قوله (وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ) أي يُعرف بالبطء والعجز وسوء السير.
- ومن فائد الحديث:
- بيان شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس.
- بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان يبطَّأ وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم (وجدناه بحرا) أي واسع الجري.
- جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو مالم يتحقق الهلاك.
- جواز العارية (الاستعارة) وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك.
- استحباب تقلد السيف في العنق.
- استحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الشهادة، وأن يبلغنا منازل الشهداء
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين
مع تحيات د. عمر حماد
الجمعة 2/8/2024م
الموافق 27/محرم/1446هـ