خاص هيئة علماء فلسطين

         

14/1/2025

الشيخ عبد الله جاب الله

الحمد له رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين، 

إن الأصل في الحديث عن الذكرى الثمانين لاحتلال فلسطين وقلبها النابض الأقصى، هو تذكير للأمة بكارثة الكوارث التي حلّت بها ولا تزال حتّى يتعمق فيها الشعور بألم تلك الكارثة، فيكون ذلك علامة على حيويتها ورشدها، وأنها قد تهيأت للقيام بواجباتها في التحرير.

لكن وللأسف الشديد فإن عموم الأمة غافلة عن واجبها، فقادتها مناصرين لأعدائها المحتلين لفلسطين والساعين في القضاء على الخيرين من أبنائها، فقد شنوا حرب إبادة على أهلنا في غزة استعملوا كل ما أنتجته مصانع أمريكا والغرب من أسلحة الدمار الشامل والقتل الجماعي بغطاء دبلوماسي وإعلامي ومالي، شارك فيه الكثير من قادة الأنظمة العربية والكثير من أبنائها وبخاصة ذوي المال والإعلام والنفوذ مع أنظمة حكمهم في  خيانتهم وخذلانهم، ولا يفكرون إلا في أنفسهم ومصالحهم، ولا ينظرون إلا لمحيطهم الخاص بهم، وقد أثر ذلك على عموم الأمة فسكنتها الغفلة، وتمكن منها الغباء، وأضحت غير جديرة بالاحترام وليست أهلا لما يتمناه بعضها من حرية وتقدم .

إن طليعة من يوجه لهم التذكير بذكرى الإسراء والمعراج، وما يحمله من دروس عظيمة في الدلالة على وحدة الأمة ووحدة دينها ومنهجها في الحياة، وإمامة رسولها صلى الله عليه وسلم لجميع الأنبياء والـمرسلين، ومسؤولية الأمة على هذا الميراث الضخم، وما يحمله من دروس وعبر عظيمة القيمة والقدر والأثر، هي طليعة الأمة الممثلة في علمائها ودعاتها ومفكريها وحركاتها وتنظيماتها الدعوية والفكرية والثقافية والسياسية والنقابية والخيرية لأنهم الفئات الحية في الأمة، والجهات الحقيقية الوحيدة التي تعبر عن شعور الأمة تعبيرا صحيحا، وتحس بآلامها وتعمل على تحقيق رغباتها الصادقة، وهي التي ما وجدت إلاّ لخدمة هذا الدين العظيم ورفع العدوان الواقع عليه وعلى حقوق هذه الأمة المعتدى عليها، والسهر على تضميد جراحاتها ومداواة كلومها وقيادة نضالاتها نحو المستويات التي تشرفها وتعيد لها مكانتها ودورها في إقامة الدين وإحياء سلطانه ومجده في الحياة .

إن من أقدس ما يجب التذكير به في هذا الأسبوع هو :

  1. أن تحرير القدس واجب شرعي ومصلحة قومية وإسلامية، وهو ما فرطت فيه الأنظمة العربية القائمة في العالمين العربي والإسلامي. وقد جاءت ذكرى الاسراء والمعراج متزامنة مع الذكرى الثمانين من أسر الأقصى وفلسطين من طرف اليهود الصهاينة .
  2. كما جاءت هذه الذكرى وغزة ومعها بقية فلسطين تمر بأخطر فصل من فصول التآمر عليها، فقد كشف ترامب – وآزره في خطته مجلس الأمن- عن عداوته العمياء لأهلنا في غزة، فبإسم مجلس الأمن ودعم كثير من زعماء العرب والمسلمين يريد تحقيق أهداف إسرائيل التي عجزت عن تحقيقها خلال أكثر من سنتين من حرب الإبادة لأهلنا في غزة والقضاء على حماس والمقاومة، ونزع سلاحها وتدمير أنفاقها، ووضع غزة تحت إشراف دولي بزعامته تحت شعار: “السلام”، والحق في الحياة الذليلة لسكان غزة، وهذا السلام هو سلام الهوان، والله تعالى يقول : ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: 35].
  3. منذ عقود من الزمن والأنظمة في العالم العربي والإسلامي تتذلل لدولة الكيان الصهيوني وترجوها أن تقبل بمشروع العار: “الأرض مقابل السلام”، والكيان الصهيويني يضن عليها بذلك .
  4. إن الواجب الشرعي يؤكد أن فلسطين كلها هي عهد الإسلام إلى هذه الأمة، وأمانته في أعناقها لا تبرؤ ذمتها إلا بتحريرها كاملة غير منقوصة، وأن وجود الكيان الصهيوني محض الظلم والعدوان والباطل يجب التصدي له ورده بكل ما يتيسر من أنواع القوة والقدرة .
  5. يجب تذكير الأمة في هذه المناسبة دائما بأن فلسطين بأقصاها وجميع أراضيها لن تسترجع إلاّ بالقوة والاقتدار، وأن ذلك هو واجب الوقت ملقى على عاتق الأمة كلها على قاعدة الأقدر والأقرب، وأن التثاقل في أداء هذا الواجب أو التغافل عنه معصية كبرى موجبة للعذاب الأليم، قال تعالى : ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التوبة:39]،وقال تعالى:﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[ النساء: 74].
  6. إنه لا يقبل من المسلم البحث عن الأعذار لنفسه ليقعد عن القيام بواجب المساهمة في الإغاثة والتحرير، كما لا يقبل منه التوقف عن القيام بذلك بمجرد ما قد يعترضه من عوائق وتحديات، أو ما قد يجد من المشقة والحرج، فالله تعالى لم يعذر أحدا، وبيّن أن عقبى الجهاد دائما خير، قال تعالى :(انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)[التوبة : 41].
  7. إن أسبوع القدس خاصة وغزة وفلسطين عامة يجب أن تكون أيام السنة كلها مادامت دولة الكيان الصهيوني محتلة للأرض وواضعة يدها على مقدسات المسلمين وأموالهم وممتلكاتهم .
  8. يجب على طلائع الأمة من العلماء والدعاة والمفكرين وغيرهم من الإطارات والمناضلين في المنظمات والأحزاب والجمعيات وسائر المؤسسات أن يضربوا المثل الأعلى للإحساس المشترك والشعور بالواجب، والقيام بما يقتضيه منا الدين والوطن، ليكونوا نموذجا حسنا لغيرهم من أبناء الأمة يستحقون التأسي بهم في الفهم والشعور بالمسؤولية وتحمل تبعاتها بحسب القدرة والاستطاعة .
  9.  إن نجدة الأقصى وغزة وسائر الأهل في فلسطين أمر أكده الدين وحقوق النسب والمواطنة فلا يليق بأمة تحترم نفسها، وتريد أن يحترمها الغير أن تغض الطرف على ما هو جار في الأقصى وغزة وعموم فلسطين .
  10.  يجب على الأمة وهي مؤمنة بهذا الدين ومتبعة له ومتمسكة بقرآنه؛ تتلوه وتصلي به، وتريد أن يتقبل الله منها، أن تذكر قوله تعالى: ﴿ إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التوبة:39]،

وقوله تعالى : (وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) [محمد :38].

وقوله تعالى :  (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)[الحديد:18]. وقوله تعالى : (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ)[المزمل:20]

وأن تذكر قوله صلى الله عليه وسلم : « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم  مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».

 وقوله صلى الله عليه وسلم : « ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . متفق عليه.

 وقوله صلى الله عليه وسلم : «من لا يرحم لا يرحم».

  1. أن يذكروا الأمة دائما ودون كلل ولا ملل بأن قيامها بواجباتها نحو أقصاها ونحو غزة وفلسطين هو الذي يرضي عنها وعنا جميعا ربنا عز وجل ورسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يعمّق وحدتنا ويرفع قدر أمتنا عند خصومها وأعدائها، ويفرض عليهم احترامها، وهو الذي يجعلها أهلا لما تطمح إليه من تحرير وتحرر ومن عزة وسيادة .

الشيخ عبد الله جاب الله

الجزائر: 24 رجب 1447هـ //13/01/2026م