خاص هيئة علماء فلسطين
9/2/2026
المفتي: لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

السؤال: اقتتلت عائلتان، وأُطلقت أعيرة نارية متبادلة، فأصيبت امرأة بطلقة طائشة أفضت إلى وفاتها، وتعذّر تعيين مطلق النار بعينه. طالب أولياؤها بالدية، وثار السؤال عن الجهة التي تتحمّل ديتها شرعًا، وعن حكم المشاركة في دفعها من أموال الزكاة والصدقات.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أولًا: توصيف الواقعة فقهيًا
هذه الواقعة تندرج في باب القتل بالتسبّب؛ لأن الوفاة ترتّبت على فعل محرّم صدر من جماعة متشاركة في سببٍ واحد، تمثّل في تبادل إطلاق النار، وهو فعل تتوقّع منه الهلكة عادة، ويُعدّ سببًا مباشرًا في إزهاق النفس، وإن تعذّر تعيين الفاعل المباشر على وجه التحديد.
وقد قرّر الفقهاء أن التسبّب إذا كان ظاهرًا متعدّيًا مؤدّيًا إلى التلف غالبًا، لزم عنه الضمان، وثبت به حكم الدية.
جاء في فتاوى دار الإفتاء الأردنية في الفتوى رقم: 3041 بتاريخ : 11-02-2015 : في الإجابة عن سؤال: إذا قام شخص بإطلاق عيارات نارية في الهواء، وقدَّر الله تعالى أن تنزل على أحد الناس فتقتله، فهل هذا من القتل العمد؟،
جاء في نص الجواب: “يعد هذا من قبيل القتل الخطأ، وهو لا يخلو من الاستهانة بأرواح الناس، فتجب عليه الدية، والكفارة وهي صوم شهرين متتابعين، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (النساء/92) وللقاضي أن يعزره بالعقوبات الرادعة له ولأمثاله. والله تعالى أعلم”
ثانيًا: حكم الدية في القتل بالتسبّب الجماعي
إذا اشترك جماعة في سبب محرّم أفضى إلى قتل نفس معصومة وتعذّر تعيين الجاني بعينه تعلّق الضمان بالجماعة المشتركة في السبب كلٌّ بحسب مشاركته وتثبت الدية في ذممهم على وجه الاشتراك؛ لأن الفعل الجماعي هنا أوجد سبب الهلاك ولأن الشريعة تقرّر حفظ الدماء وتمنع تعطيل الحقوق بتعذّر تعيين الفاعل المفرد.
وعليه فتكون دية المرأة واجبة بسبب هذا القتل المتسبَّب فيه وتتحمّلها الجهتان اللتان شاركتا في إطلاق النار ويُناط تقدير ذلك وتوزيعه بالسلطة المختصة وفق ما يراه أهل الشرع والقضاء محققًا للعدل وقاطعًا للنزاع ومانعًا لتجدّد الفتنة.
ثالثًا: جهة تحمّل الدية
الدية في هذا النوع من القتل تثبت حقًّا ماليًا لأولياء المقتولة وتُحمَل على من تسبّب في إزهاق النفس وتُؤدّى من أموال المتسبّبين أو من الجهات التي تقوم مقامهم في الضمان عند تعذّر الاستيفاء الفردي تحقيقًا لمقصد الشريعة في صيانة الدماء ومنع إهدار الحقوق وإطفاء أسباب النزاع.
رابعًا: حكم دفع الدية من الزكاة والصدقات
إذا تعذّر جمع الدية من المتسبّبين على وجه يحقّق المقصود الشرعي جاز صرف أموال الزكاة والصدقات في هذا الباب باعتبار إصلاح ذات البين ورفع الظلم الواقع على أولياء الدم وقطع أسباب الاقتتال وهو مصرف معتبر عند جمع من أهل العلم متى انضبط بضوابطه الشرعية وتولّت أمره جهة موثوقة تُحسن التقدير والتنزيل.
قال ابن حزم رحمه الله في المحلى: “وهي في الخطأ على عاقلة القاتل وأما في العمد فهي في مال القاتل وحده…. فمن لم يكن له مال ولا عاقلة، فهي في سهم الغارمين في الصدقات، وكذلك من لم يعرف قاتله”
ويقول الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى: “أما المساهمة في دية قاتل الخطأ السكران، من مال الزكاة، فهذه تحتاج إلى نظر وتأمل، ذلك أن هذا القاتل لا يعدو كونه قاتلا خطأ، فالأصل أن تطبق عليه أحكام من قتل خطأ، وقد قال تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (النساء:92)، وجاءت السنة فبينت أن الدية في الخطأ على “العاقلة” وهم عصبة الإنسان وقرابته من جهة أبيه.
ثم يقول بعد شرح مستفيض: “ولكن يبقى السؤال: إذا عجز عن دفع الدية لأهل القتيل، فهل بطل دمه ويضيع هدرًا، مع أنه من المقرر: ألا يبطل دم في الإسلام؟ هنا يمكن لبيت المال أن يتدخل ويمكن لصندوق الزكاة أن يساعد إذا لم يكثر ذلك حفاظًا على حقوق الفقراء، والله أعلم”
خامسًا: خلاصة الفتوى
الواقعة محل السؤال من قبيل القتل بالتسبّب الجماعي، وتترتّب عليها الدية ضمانًا لحق أولياء المقتولة، وتتحمّلها الجهتان المشاركتان في السبب المؤدّي إلى القتل، ويُناط تقديرها وتوزيعها بالسلطة المختصة، ويجوز الإسهام في أدائها من أموال الزكاة والصدقات عند الحاجة تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ النفوس ورفع التنازع وإصلاح المجتمع.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين
الثلاثاء 15/شعبان/ 1447
3/ 2/ 2026