13/1/2026

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فقد دأبت مؤسسات العلماء والهيئات الفاعلة في الأمة ضمن إطار تنسيقية علماء الأمة نصرة للقدس وفلسطين على إطلاق أسبوع القدس العالمي في الأسبوع الأخير من شهر رجب بوصفه الخير من شهر رجب البوصفه محطة سنوية جامعة تتزامن مع ذكرى الإسراء والمعراج والتحرير الصلاحي وتتحول من مناسبة رمزية إلى موسم عمل وتعبئة وتوجيه وينطلق أسبوع القدس العالمي هذا العام تحت شعار: (القدس وغزة .. أمل قريب ) في الفترة الممتدة ما بين 24-30 من شهر رجب  1447هجري الموافق 13-19من شهر يناير لعام 2026 ميلادي.

وإنّ ذكرى الإسراء والمعراج تمثّل في الوعي الإسلامي لحظة تأسيس عقدي وحضاري ربط الله تعالى فيها بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك ربطًا أبديًا وجعل من هذا الرباط أصلًا من أصول الهوية والرسالة فقال سبحانه: ” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ” الإسراء: 1 فكان الإسراء إعلانًا إلهيًا عن مركزية القدس في مسار الأمة وعن كونها جزءًا من عقيدتها وتاريخها ومستقبلها.

وتحلّ هذه الذكرى هذا العام في سياق تاريخي استثنائي إذ يتزامن إطلاق أسبوع القدس العالمي مع الوقف الشكليّ لإطلاق النار في غزة العزّة بعد أن تبيّن للعالم حجم الإبادة الوحشية المستمرة والتدمير الممنهج الذي يتعرّض له شعبنا الفلسطيني في غزة، كما تأتي هذه المناسبة في ظل تحوّلات كبرى تشهدها المنطقة، وتتزامن هذه الذكرى كذلك مع ذكرى التحرير الصلاحي لبيت المقدس لتؤكّد من جديد أن القدس لم تكن يومًا قضية هامشية بل مسؤولية مركزية لقادة الأمة وعلمائها وشعوبها وأن العدوان الواقع عليها وعلى غزة والضفة الغربية وعلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يمثل عدوانًا على جوهر الأمة وضميرها ورسالتها.

وإذ نعلن في تنسيقية علماء الأمة نصرة للقدس وفلسطين إطلاق أسبوع القدس العالمي لهذا العام، في أعقاب صمود غزة وانكشاف حقيقة المشروع الصهيوني لنؤكد على جملة من المواقف والواجبات:

أولًا: نتوجّه بالتحية الخالصة والإجلال العميق إلى المجاهدين في غزة العزّة الذين ثبّتهم الله تعالى فثبتوا في ميادين المواجهة وحملوا لواء الدفاع عن الأمة وكرامتها، وإلى أهل غزة الثابتين الصامدين الذين احتضنوا المجاهدين ووفّروا لهم سند الصبر والرباط فكانوا بحاضنتهم جزءًا أصيلًا من معادلة الصمود، كما نحيّي الشهداء الأبرار المجاهدين والمرابطين والثابتين من أبناء غزة الذين ارتقوا بدمائهم الطاهرة شهودًا على الحق وميزانًا للعزة ونحيّي الجرحى الذين بقوا على عهد الثبات رغم الجراحات ونحيّي الأسرى الصابرين الذين يواجهون القيد بصبر الأحرار فكانوا جميعًا ببسالتهم واحتسابهم عنوان العزة وميزان الكرامة.

ثانيًا: يمثّل أسبوع القدس العالمي فرصة استراتيجية لإعادة ضبط الأولويات على مستوى الأفراد والمؤسسات والحكومات التي تعبّر عن إرادة شعوبها، فالقدس يجب أن تتصدر سلّم الاهتمامات وغزة تمثل واجب الوقت الذي يستدعي استنفار الطاقات المادية والمعرفية والإعلامية، وإنّ هذا الأسبوع محطة تزود للعمل المتواصل لأجل القدس وفلسطين على مدار العام، لا مناسبة عابرة تنقضي بانقضاء أيامها.

ثالثًا: ندعو جميع المؤسسات والهيئات والجهات الفاعلة ــ كلٌّ في مجاله ــ إلى تبنّي أسبوع القدس العالمي عمليًا عبر إصدار البيانات الرسمية وتنظيم الأنشطة والبرامج والفعاليات وتوجيه أعضائها ومنتسبيها إلى الانخراط الواسع فيه، كما ندعو إلى الاستفادة من دليل أسبوع القدس الذي أعدّته اللجنة العليا بما يضمن تنوّع الفعاليات وشمولها.

رابعًا: ندعو علماء الأمة وخطباء المساجد والدعاة إلى أن تكون خطبتا الجمعة القادمتان ضمن إطار أسبوع القدس العالمي وأن يتناول الحديث فيهما واجب الأمة تجاه قبلتها الأولى ومسؤوليتها تجاه غزة والضف، وأهمية الثبات وعدم الفتور في ظل الانقضاء الشكلي للمعركة العسكرية فمرحلة ما بعد العدوان الواسع أشد حاجة إلى العمل والبناء.

خامسًا: ندعو إلى تنظيم مظاهرات شعبية حاشدة في أنحاء العالم الإسلامي وخارجه عقب صلوات الجمعة وعلى مدار الأسبوع ــ لا سيما في أيام العطل في الدول الغربية ــ بحيث تشكّل ضغطًا شعبيًا متواصلًا نصرة لغزة ورفضًا للعدوان المتواصل في الضفة الغربية وتأكيدًا على أن القضية الفلسطينية قضية حية في وجدان الشعوب.

سادسًا: نؤكد على أهمية البعد المعرفي والتربوي في أسبوع القدس العالمي من خلال تصحيح المفاهيم ومواجهة خطاب التطبيع والتبرير وإعادة ترسيخ مركزية القدس في المناهج والخطاب الثقافي والإعلامي وبناء وعيٍ طويل النفس يحمي القضية من التمييع والنسيان.

سابعًا: ندعو إلى تكثيف الجهود الإغاثية المنظَّمة لأهلنا في غزة بوصفها جزءًا من فريضة الجهاد بالمال التي تتوجه بها الأمة جمعاء بما يرسّخ معنى البذل الواعي والمسؤول ويحوّل العطاء إلى ركيزة من ركائز الصمود والثبات بما يجعل الجهاد بالمال فعلًا مؤسسيًا مستمرًا وليس استجابة عاطفية عابرة

إنّ القدس اليوم ترفع نداءها إلى الأمة والأقصى يوقظ الضمائر من سباتها ودماء أطفال غزة وأشلاؤهم العالقة تحت الأنقاض تضع الأمة كلّها أمام مسؤولية موقف يليق بعظم التضحيات، وإنّ المجاهدين الثابتين في الميدان يحرسون كرامة الأمة بأسرها ويصونون حاضرها ويرسمون ملامح مستقبلها بدمائهم وصبرهم ورباطهم، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والحمد لله رب العالمين.