عبد الله المبرد

أيها المؤمنون: ما كرر القرآن قصة ولا خبراً كقصة فرعون وطغيانه وتجبره على الأمة المستضعفة ‏من بني إسرائيل، وما أعاد القرآن حادثة عدد ما أعاد البلاء النازل بتلك الأمة المظلومة ‏المهضومة المكلومة؛ ففرعون بطغيانه وهيجانه كان يصيح منتفخاً (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) ‏‏[127 سورة الأعراف]، وكان يذبح أطفالهم ويستخدم نساءهم في خطة شنيعة؛ لإبقائهم ‏تحت نيران الذل والعبودية؛ لئلا يخرج منهم من يرد لهم كرامتهم، وينهض بهم من كبوتهم، ‏ولكن الله -عز وجل- الذي له الخلق والأمر، وإليه القبض والبسط، ومنه العز والذل – أراد ‏غير ما أراد الطاغية المتجبر (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ‏وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا ‏يَحْذَرُونَ) [6 سورة القصص].. ‏

الله أكبر آية من آيات الله عظيمة فيها عزاء ووعد وفجر يلوح في آفاق المظلومين.. إنه صبح ‏يتراءى لأهل غزة وأمثالهم على مر التاريخ، أمة تحت القهر والذل معزولة عمن ينصرها ليس ‏لها أمل في عون أحد، ولا رجاء في رحمة مخلوق أو نجدته، ليس لها من أسباب القوة ما تعلق ‏به آمالها، ولكن الذي بيده ملكوت كل شيء أراد أن يمن عليها -ومن يرد مشيئة الذي له ‏القوة المطلقة، والكبرياء المطلق سبحانه-، أراد أن يمكن لهم في الأرض وهم رغماً عن عددهم ‏الجبار، أراد أن يمكن لهم رغماً عن أعوانه وأجناده والخونة المتآمرين معه، أراد الله أن يجعل هذه ‏الأمة التي ما كانت تحلم بأكثر من الخروج من ذلها أراد أن يجعلهم أئمة -الأمة التي ما كانت ‏تحلم بأكثر من الخروج من الأرض التي ظلمت فيها-، أراد الله أن يجعل لها ملك هذه الأرض ‏والتمكين الكامل فيها. ‏

يقول ابن كثير رحمه الله ” أراد فرعون بجوله وقوته أن ينجو من موسى فما نفعه ذلك من قدر ‏الملك العظيم، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان ‏إنما منشأه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلـله وتتفداه، ‏وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يده؛ لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب ‏العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن “. ‏

أجل أيها المؤمنون: أنجى الله القلة القليلة العزلاء الذليلة، أعزها وأهلك الدولة المستكبرة ‏والمتجبرة والطاغية المستعلية في الأرض بغير الحق مع بطشه وقوته؛ لتبقى سنة الله وقانونه ‏وحكمه العادل (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [128 سورة ‏الأعراف].‏

‏ 

أيها المؤمنون: إن غزة استثنائية ومنعطف تاريخي كبير في تاريخ صراع المسلمين مع اليهود، ‏فالذين يقاتلون اليهود اليوم ليسوا كالمنظمات العلمانية التي واجهها اليهود من قبل، ولا ‏كالجيوش المأجورة التي لقوها من قبل، إنهم أبناء ثورة المساجد التي انطلقت عام 1407هـ ‏للهجرة النبوية، إنهم أبناء المقاومة الإسلامية، بل أبناء الجهاد المقدس نحسبهم كذلك ولا ‏نزكيهم على الله، ولذلك فاليهود ومن خلفهم -أبناء أبي رغال الخونة- قد يئسوا من ترويضهم ‏بالسياسة، أو إسكاتهم بالرشاوى، أو جرجرتهم لأنصاف الحلول وأرباعها وأعشارها التي كانت ‏تملأ بطون من قبلهم. ‏

إنهم قالوها بجلاء ووضوح لا اعتراف بإسرائيل، ولا بأي شبر لهم في أرض المسلمين، ففجعت ‏يهود فيما حصلوا عليه من قبل، ثم ذهل الصهاينة مرة أخرى بأن الشعب الفلسطيني اختار ‏هذه الحركة المقاتلة بفكرتها الجهادية، اختارها لقيادته فعوقب الشعب على اختياره بالجوع ‏والعزلة والإقصاء والموت البطيء ..، ولكنه صمد بل ازداد تمسكاً والتحاماً مع قادته، بل إن ‏الشعب بأكمله اعتنق الفكرة العظيمة، والهدف الكبير؛ هدف الجهاد، وتطهير الأرض من ‏رجس يهود، فسعت السياسة الصهيونية لإقناع الدول المؤثرة بخطر هذه الفكرة ورجالها حتى ‏على أنظمتهم، واستدعتهم لمؤازرتها في حصارها، لأنهم لا يريدون مسلماً يذكر أمته بواجب ‏الجهاد وفرضية تحرير القدس الشريف، ونقول للذين يرددون مبررات اليهود بلا وعي: هل ‏كانت صواريخ غزة موجودة حين ذبح اليهود 3500 مسلم في صبرا وشاتيلا ؟! وهل كانت ‏موجودة حين مذبحة خان يونس عام 56م أو يوم دير ياسين ؟! أو في مقتلة قانا التي قتل ‏فيها 1250 مسلم ؟! هل كان أحد مطلق الصورايخ حين أحرق اليهود الأقصى عام 69م ‏؟! ‏

هؤلاء اليهود والِغون في الدماء من سلفِهم الممسوخ قبل حركة الجهاد وصواريخها فقد ذكر ابن ‏كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ‏وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [21  سورة آل عمران]. ‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من ‏أول النهار في ساعة واحدة فقام مئة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل فأمروا -من قتلهم- ‏بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم ” فهم الذين ذكر ‏الله عز وجل في هذه الآية. ‏

ولن يقطع هذه اليد المضرجة بالدماء إلا الجهاد ورجاله، (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ ‏يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) [111 سورة آل عمران].‏

‏ 

أجل أيها المؤمنون هي في شرعة الجهاد التي أوجبها الله على المؤمنين، وجعلها عزهم ومجدهم ‏وسؤددهم، بل جعلها الصفقة التي جفت بها الأقلام وطويت عليها الصحف ها هي ذي ‏تصبح الرقم الصعب والمعادلة العسيرة التي تصطدم بها القوى السياسية، وتستعصي على ‏الترويض الإعلامي والمكرر الأمي إنها بيعة الله مع عباده ولا إقالة واستقالة (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ ‏الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ ‏حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ‏وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [111 سورة التوبة].‏

‏ 

هكذا يسير الزمان لتتجلى عظمة الجهاد وأهله، وليعلم العالم أجمع أن المجاهدين هم وحدهم ‏المؤهلون لاسترداد الأقصى، وهم دون غيرهم المستعدون لإعادة الأمة إلى منابر العز ومدارج ‏السؤدد، وهم دون سواهم الذين يستطيعون أن يردوا العدو إلى دوائر الذل والصغار التي ‏يستحقها وكتبها الله عليه. ‏

ظهور الجهاد هو علامة الرجوع الكبرى للدين العظيم، وعلامة النهوض بعد الكبوة والصعود ‏بعد الانحدار قال صلى الله عليه وسلم ” إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم ‏بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ” ‏

في هذا العقد من الزمان ركز اليهود والنصارى وظلهم الذليل من المنافقين على تشويه الجهاد ‏وأهله ورميهم بالإرهاب والتطرف حتى بات الحديث المجرد عن شرعة الجهاد يعد كلاماً مريباً ‏وطرحاً غريباً؛ كل ذلك لنزع هاجس الجهاد من نفوس الأجيال، كل ذلك لتموت الأمة ‏بأكملها فيه جاهلية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ” من مات ولم يغز ولم يحدث ‏نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية ” ‏

ولكن هو ذا الجهاد يعلن انبلاج صبحه، وانطلاقة خيوله؛ لتظل الطائفة المنصورة تضرب ‏بسلاحها، وتفخر بجراحها لا يضرها من خذلها ولا من عادها حتى تقوم الساعة. ‏

ولا يعني ذلك تزكية مطلقة تبريراً لكل خطأ، ولكنها النهج الشرعي الذي يجب سلوكه بأن ‏تقف مع الجهاد داعماً وداعياً وموجهاً وناصحاً. ‏

ولو سلم جهاد من خطأ لسلم منه جهاد الصحابة الذي كان يقوده محمد صلى الله عليه ‏وسلم، وانظر كم عاتبهم القرآن وتتبع هناتهم؛ يربيهم ويوجههم ويشيد بمواقفهم ويسجل رضا ‏الله عنهم ويقر لهم بالفوز الكبير، فقد تنازعوا الغنائم -رضوان الله عليهم- فأنزل الله عليه (قُلِ ‏الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [1 ‏سورة الأنفال].‏

‏ 

وفر بعضهم وفيهم عثمان بن عفان فأنزل الله (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ ‏عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [155  سورة آل عمران] وافتخر بعضهم بالكثرة والقوة ‏فأنزل الله (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا ‏عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [152  سورة آل عمران]. ‏

ولكنهم مع كل ذلك هم المرضيون عند الله، وهم خير القرون، وهم حزب الله المفلحون، وهم ‏أهل الفوز الكبير والفوز العظيم، وهم خير عصبة ركضت بها الخيول، وهم زينة البشرية وفخر ‏بني الإنسان (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن ‏تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ ‏الْمُفْلِحُونَ) [22  سورة المجادلة].