خاص هيئة علماء فلسطين
2/2/2026
إعداد قسم القدس في هيئة علماء فلسطين
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، فيا عباد الله:
نقف في هذه الأيام، ومع دخولنا الحادي عشر من شهر شعبان، عند ذكرى عظيمة من ذكريات هذا الدين، ذكرى ليست حادثة تاريخية تُحكى، ولا قصة تُروى ثم تُنسى، بل آية باقية، وامتحان ممتد، وسؤال مفتوح على الأمة إلى قيام الساعة… إنها ذكرى تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
القصة في إيجاز واعٍ:
لقد صلى رسول الله ﷺ والمسلمون نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة، وكان ﷺ يحب أن تكون قبلته إلى الكعبة، قبلة أبيه إبراهيم، فكان يتقلب وجهه في السماء انتظارًا لأمر الله. حتى نزل قول الحق سبحانه:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فتحولت القبلة بأمر الله، وفي صلاة واحدة، استدار الصحابة استدارة الجسد والقلب معًا، دون نقاش، دون تردد، دون سؤال: لماذا؟ وكيف؟ بل قالوا بلسان الحال: سمعنا وأطعنا. لا تفريق بين القبلتين
إن تحويل القبلة لم يكن أبدًا فصلًا بين المسجدين، ولا نزعًا لمكانة الأقصى، ولا إلغاءً لدوره في عقيدة الأمة. فالمسجد الأقصى هو القبلة الأولى، وهو مسرى رسول الله ﷺ، وثالث الحرمين، وذكره الله مقرونًا بالمسجد الحرام في كتابه. فمن زعم أن مكانة الأقصى انتهت فقد جهل، ومن فرّق بين القبلتين فقد ضل، ومن ظن أن حب مكة يقتضي نسيان القدس فقد أساء الفهم عن الله ورسوله.
لكن… لماذا التحويل؟ يأتي الجواب القرآني صادمًا، واضحًا، قاطعًا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ لم يكن الموضوع اتجاهًا للصلاة، بل غربلة للأمة، وامتحانًا للطاعة، واختبارًا للاتباع الحقيقي حين تكون الأوامر ثقيلة، وحين لا تُفهم بالحسابات البشرية. القرآن الذي لا تنقضي عجائبه وإن من أعجب ما في هذا القرآن – وهو كلام الله الأزلي، القديم قدم الله، الباقي بقاء الله – الذي ربّى أصحاب محمد ﷺ، والذي لن تفلح هذه الأمة إلا إذا عاشت في ظلاله… أنه يعلّمنا أن القبلة التي كانوا عليها – بيت المقدس – ستظل إلى الأبد السؤال الأصعب، والاختبار الأكبر. فما جعل الله ما يحدث للأقصى وأهله اليوم، ولا ما يُرى من حصار ودماء وتشريد، إلا ليُظهر ويميز: من يتبع الرسول ويناصره ممن ينقلب على عقبيه ، ثقل الطريق… وسرّ الهداية قد يقول قائل: الثمن غالٍ… والطريق شاق… والتضحيات موجعة… لكن الله حسم الأمر بقوله: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فهي كبيرة على القلوب الخاوية، ثقيلة على النفوس المريضة، أما الذين هداهم الله، فهي في أعينهم خفيفة، بل رخيصة أمام ما أعده الله لهم في الآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: يختم الله مشهد تحويل القبلة بكلمة لو تدبرتها القلوب لزالت عنها كل الشكوك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ كأن الله يقول: يا من صليتم نحو الأقصى، يا من رابطتم، يا من جاهدتم، يا من صبرتم من أجل هذه القبلة… من رحمتي بكم ألا أضيع أعمالكم، وحاشاه سبحانه أن ينظر إلى هذه الدماء التي سالت من أجل الأقصى على أنها هباء، أو تضيع بلا ثمن. فهذا كتاب كتبه على نفسه: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد
اللهم إنا نشهدك أننا لم ننسَ قبلتنا الأولى، ولم نبع قضيتنا، ولم نساوم على مقدساتنا. اللهم اربط على قلوب أهلنا في المسجد الأقصى، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم اجبر كسرهم، وتقبّل شهداءهم، واشفِ جرحاهم، وفك أسر أسراهم. اللهم لا تجعلنا ممن ينقلب على عقبيه، واجعلنا ممن يتبع الرسول حق الاتباع، وينصر الحق ولو طال الطريق.
اللهم إنا نؤمن بوعدك، ونثق بنصرك، ونعلم أنك لا تخلف الميعاد. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.