خاص هيئة علماء فلسطين
7/1/2026
لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

السؤال:
يوجد لدينا في غزة نزاع على ملكية مولد كهرباء قدرة ١٢ كيلو وات. حيث قام العدو باجتياح المكان وتهجير سكانه، وهنالك مواطن كان يملك المولد المذكور ترك بيته وعائلته نجاةً بأنفسهم ، كان من المحتمل وبشكل كبير أن يقوم العدو بتدمير المنزل وباقي المنطقة. وأثناء وجود بعض الشباب في المعسكر وبعد رحيل الناس عثروا على لص يحمل مولداً على عربة حمار وقاموا بالتحريز على المولد ، كانت القطع التي بحوزة اللص هي ثلاث قطع رئيسية من المولد لا غير ، لم يُعرف حينها لمن يعود المولد . وبعد توقف الحرب قام الشباب بتعمير المولد وتركيب قطع بدل الفاقد قدرتها لجنة فنية ب 7000 دولار ، وقاموا باستعماله في سقيا الناس، علما أنهم سيدفعون ثمنا ما يوميا في حال قاموا باستئجار مولد متساوٍ في القدرة.
وجد المواطن مالك المولد بيته مفرّغ بسبب انفجار روبوت قريب من منزله ولم يعثر على المولد وظل يتحرى، قمنا بتشكيل لجنة أثبتت من خلاله تعريفه بالمولد ملكيته له.
والآن يوجد نزاع وتظلم كبير من المواطن صاحب المولد، بينما يقول الشباب أنهم دفعوا مالا ، وهنا نضع بعض المعطيات نصب أعينكم .
١- المولد لو بقي في المنزل كان على الأرجح أنه سيتعرض للتهتك، أو ربما يطير في مكان آخر تحت الردم وربما لا.
٢- الشباب الذين حرزوا عليه من اللص عرضوا أنفسهم للخطر ، وهي بالمناسبة ليست مسؤوليتهم الشرعية القانونية إنما هي مسؤولية الشرطة التي لم تكن حاضرة في المكان بحكم الظرف الخطير ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حماية ممتلكات الناس هي واجب أخلاقي يقع على الناس، ولكن نتكلم من الناحية الحقوقية الصرفة .
٣- المال الذي تم دفعه للتعمير هو أيضا مال موقوف للتعمير والصيانة ولا نستطيع التفريط به للصالح الفردي.
٤- صاحب المولد فقير للغاية ( كان تاجرا كبيرا قبل الحرب ) ولا يمتلك القدرة على دفع تعويض للشباب .
٥- نأخذ بعين الاعتبار الخلاف الحاصل بين أهل العلم فيما يخص المال الشخصي الذي حصل عليه المسلمون بعد أن كان تحت سيطرة العدو ، وأحقية عودته لصاحبه قبل القسمة أو بعدها وإذا كان هناك ارتباط أو لا ، حيث أن المنطقة ظلت لشهور تحت سيطرة العدو .
نرجو منكم السرعة في الإفتاء لأن المواطن مسن ويعاني من ألم كبير بهذا الخصوص ويأتي أحيانا يسب ويشتم ، وفي الجانب الآخر فإن الأخوة سيقعون في أزمة في حال تسليمه المولد حيث سيترك ذلك عطشا في المنطقة. والله يحفظكم ويرعاكم
الفتوى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛ فنوصي جميع الأطراف بتقوى الله تعالى، ولزوم العدل، وترك الشتم والسباب فإن ذلك يزيد القطيعة ولا يرفع حقًا ولا يرد مظلمة، ونذكّر صاحب المولّد والشباب جميعًا بأن سُقيا الماء من أعظم القربات، فقد أخرج أحمد في مسنده عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ. وأخرج عبد الرزاق بن همام في مصنفه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُدَيْرٌ الضَّبِّيُّ، أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَهُمَا أَعْمَلَتَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «تَقُولُ الْعَدْلَ، وَتُعْطِي الْفَضْلَ»، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ الْعَدْلَ كُلَّ سَاعَةٍ، وَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَ فَضْلَ مَالِي، قَالَ: «فَتُطْعِمُ الطَّعَامَ، وتُفْشِي السَّلَامَ»، قَالَ: هَذِهِ أَيْضًا شَدِيدَةٌ، قَالَ: «فَهَلْ لَكَ إِبِلٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِكَ، وَسِقَاءٍ ثُمَّ انْظُرْ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ لَا يَشْرَبُونَ الْمَاءَ إِلَّا غِبًّا فَاسْقِهِمْ، فَلَعَلَّكَ أَلَّا يَهْلِكَ بَعِيرُكَ، وَلَا يَنْخَرِقَ سِقَاؤُكَ حَتَّى تَجِبَ لَكَ الْجَنَّةُ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ الْأَعْرَابِيُّ يُكَبِّرُ، فَمَا انْخَرَقَ سِقَاؤُهُ، وَلَا هَلَكَ بَعِيرُهُ، حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»، وأن الإحسان في أزمنة الشدة مضاعف الأجر، لكن القُربات لا تُبنى على ظلم ولا على أكل أموال الناس بالباطل. وبناءً على ما ورد في السؤال من أن المولّد عُرف صاحبه لاحقًا، فإن الأصل المقطوع به شرعًا أن حقّ الملكية ثابت لصاحب المولّد، ولا يسقط بتركه اضطرارًا بسبب الاجتياح والتهجير، ولا يتأثر هذا الحق باحتمال تهتك المولّد أو ضياعه لو بقي في مكانه، لأن الحقوق لا تُزال بالظنون ولا تُبطلها الاحتمالات، ولأن القاعدة الفقهية المقررة: «الملك أقوى من اليد»؛ فمجرد وضع اليد على الشيء وحيازته – ولو بقصد الحفظ – لا يجعله مملوكًا للحائز، ويؤكد ذلك أيضًا ما تقرره الشريعة من أن «مال المسلمين لا يُملك بالاستيلاء عليه»؛ فلا تملُّك بالغلبة ولا بالاستحواذ ولا بالالتقاط إذا عُرف المالك، وقد قال النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، فحق الرجل في مولّده ثابت، وفي المقابل فإن ما قام به الشباب من حفظ المولّد من اللص وتعريض أنفسهم للخطر عملٌ محمودٌ ويُرجى لهم فيه الأجر، لكنه لا يُسقط حق المالك ولا يُنشئ لهم ملكيةً في المولّد، غير أن الشرع كذلك لا يرضى بضياع حقوقهم المالية التي ترتبت بسبب الصيانة والتعمير؛ فإذا ثبت بتقرير أهل الخبرة ولجنة فنية موثوقة أن الإخوة الذين دفعوا مبلغًا كبيرًا لإعادة تشغيل المولّد وتركيب قطع بديلة لازمة، فإن هذا المال حق ثابت يجب ردّه لأصحابه، لأن القاعدة: «من دفع شيئًا ليس بواجبٍ عليه فله استرداده»، فهم لم يكونوا مُلزمين أصلاً شرعًا بدفع نفقات إصلاح ملك غيرهم، فإذا دفعوها لحفظ المال العام ولسقيا الناس ولصيانة المولّد بعد العثور عليه، ثبت لهم حق الرجوع بما دفعوا، وبخاصة إذا كان المال المدفوع مالًا موقوفًا للصيانة لا يجوز التفريط به؛ فيلزم شرعًا حفظ هذا المال وإعادته إلى جهته وعدم تحميله على سبيل التبرع بغير إذن الجهة المالكة له. وعليه فالوجه العادل الجامع بين حفظ حق المالك ومنع الضرر عن الناس وحفظ حق من أصلح المولّد هو السعي إلى صلحٍ مُوثقٍ سريعٍ، وأقرب الحلول لذلك: أن يبيع صاحب المولّد المولّد لمؤسسةٍ أو لجنة خدمات أو جهة خيرية بثمنٍ عادل يقدّره أهل الاختصاص، على أن تتكفل المؤسسة فورًا بسداد مبلغ الصيانة (7000 دولار) لجهته المستحقة، وتدفع لصاحب المولّد بقية ثمن المولّد، وبذلك يبقى المولّد لسقيا الناس وتُغلق أبواب الخصومة؛ فإن تعذر هذا الحل فالحل الثاني أن يلتزم صاحب المولّد بردّ مبلغ الصيانة بالتقسيط بحسب استطاعته مع توثيقٍ مكتوبٍ وشهودٍ وجدولٍ واضح، مع مراعاة حاله إن كان معسرًا فيمهّل وييسّر عليه دون إسقاط أصل الحق، وفي مدة السداد يُتفق على استمرار تشغيل المولّد لسقيا الناس بما يمنع تعطّل الماء؛ والحل الثالث أن يُتفق على أن يجعل صاحب المولّد جزءًا محددًا من وقت التشغيل يوميًا لسقيا الناس مجانًا (مثل ساعتين أو ثلاث) ببرنامجٍ ثابت، مقابل أن تتولى مؤسسةٌ خيرية أو لجنةُ دعمٍ سداد مبلغ الصيانة المستحق (7000 دولار) لجهته، ويستفيد صاحب المولّد من تشغيله تجاريًا في بقية الوقت، فيجتمع بذلك أجر السقيا مع حفظ الملك ورد النفقة. ونوصي في مثل هذه الحالات أن تُشكَّل لجنة شرعية تضم مختصًا شرعيًا ومختصًا فنيًا لتثبيت المبالغ والحقوق وتوثيق الاتفاق، والله تعالى أعلم.
لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين
17/ رجب / 1447
6/ 1/ 2026