خاص هيئة علماء فلسطين
6/1/2026
لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تعلمون خطر العملاء، ودورهم الخطير في فلسطين وخاصة غزة؛ حيث قاموا بسرقة الأغذية والمساعدات؛ وساعدوا الاحتلال في وصوله إلى بعض المواقع؛ ويعطونه معلومات عن تواجد المقاومة، ويتلقون منه الأموال والسلاح، ويتوعدون المقاومة بالقضاء على رجالها خدمة للاحتلال؛ ويقومون بتنفيذ عمليات اغتيال للقيادات الأمنية والمقاومين … وغير ذلك الكثير..
فما حكم إهدار دمهم والسعي لقتلهم وتنظيف المجتمع الفلسطيني من دنسهم وخيانتهم؟
الفتوى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فإن هذه الاعمال والتصرفات المنصوص عليها في السؤال كلها جرائم كبرى، وكل واحدة منها إنما تمثل كبيرة من كبائر الذنوب والآثام، بل إن بعضها قد يكون ردة عن الإسلام، مثل التعاون مع العدو، ودلالته على عورات المسلمين ومواقع المجاهدين أو نقاط ضعفهم، وكشف أسرارهم إذا كان ذلك بدافع الحب لهذا العدو، واعتقاد أحقيته في الغلبة والانتصار؛ لأن هذا الفعل عندئذ يكون من باب تولي العدو وقد قال الله تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (المائدة:51)
ولا شك أن هذه الأعمال تفتُّ في عضد المسلمين وتضعفهم، وتخدم مصالح الأعداء وتسهم في تمكينه من المسلمين؛ فهي خيانة لله ولرسوله وعباده المؤمنين، والله تعالى يقول { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الأنفال : 27).
والمعركة في فلسطين إنما تدور بين المجاهدين وبين محتل معتد على الأنفس والأعراض، بل على الدين والمقدسات، فهي مواجهة وجهاد دفع واجب متعيِّن شرعاً على المسلمين جميعاً، آثم من يزهد فيه مع قدرته عليه، وأما من لا يستطيع مباشرة ذلك الجهاد بنفسه لمانع قام به؛ فإنه يجب عليه أن يعين عليه بكل ممكن من رأي ومال ولسان يساعد به المجاهدين.
وحرام كل تصرف يفتُّ في عضد المجاهدين أو يضعف صمودهم وثبات حاضنتهم من الشعب، بل إن من كبائر الذنوب تخذيل الناس عن جهاد اليهود الغاصبين، وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى ذلك من خصال المنافقين فقال { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } (الأنفال : 60) ومثله خذلان المسلمين المدافعين عن حقوقهم وحقوق الأمة، بما يؤدي إلى إخفاق المجاهدين في تحقيق الغايات الكبرى التي يرومونها من مواجهة المعتدين وكف أيدي الظالمين واسترداد مقدسات المسلمين.
ومن صور ذلك الخذلان والخيانة محاولة إضعاف المسلمين؛ بسرقه طعامهم أو سلاحهم، إذ ذاك ليس من قبيل السرقة المحضة التي حكمها قطع يد السارق، بل إنها خيانة كبرى لله ولرسوله ولعباده، وإفساد في الارض وتمكين للكفار
وأما الدلالة على عورات المسلمين ومجموعاتهم المجاهدة؛ فإنه ليس مجرد نقل أخبار للعدو على عظم هذه الجريمة، وإنما هو انحياز لصف العدو ووقوف إلى جانبه، مما قد يوصل فاعله إلى الردة عن الإسلام، بما يجعله من الأعداء المعتدين؛ بل هو أشد خطراً منهم؛ لكونه متغلغلاً في صفوف المسلمين كاشفاً لأسرارهم مطلع على خباياه، وذلك كله مؤد إلى معاملته مثل معاملة الأعداء باستهدافه بالقتل؛ تخليصاً للمسلمين من شره وكفاً لأذاه وبأسه.
فهذه الجرائم المنكرة والأفعال الدنيئة دائرة بين خيانة المسلمين وإضعافهم، وبين الردة والكفر بالانحياز إلى الكفار، وفاعل ذلك مستحقٌّ كلَّ ما يستحقه المحارب من القتل والأسر وإيقاع الأذى به؛ لأنه في واقع الأمر عدو محارب لله ورسوله والمؤمنين.
بل إن النظم الوضعية تجعل الخيانة في زمن السلم غيرها في زمن الحرب؛ فتشدد العقوبة وقت الحرب؛ لما يترتب عليها من ضرر عظيم وتمكين للعدو
وعليه؛ فإنه رغم اختلاف أهل العلم في حكم من يتجسس من المسلمين لصالح الأعداء، ونوع العقوبة التي ينبغي أن تنزل به، إلا أنه لا خلاف بينهم أنه إذا ترتب على تجسسه لصالح العدو تسليم خلايا من المجاهدين للعدو، أو قتل لبعضهم، أو أدت أفعاله إلى إخافة المسلمين وتوهينهم، أو كان يُخشى من فعله أن يؤدي إلى شيء من ذلك فإن حكمه القتل. وهذا الحكم ليس هو عقابا لهذا المجرم على فعله وخيانته وحسب، بل هو دفاع عن النفس وعن المسلمين، إذ إن شره ما زال مخوفاً، وخطره ما زال يتهدد المجاهدين وحاضنتهم، بل إن وجوده بين الناس يمثل رافداً للعدو في الحصول على المعلومات التي تخدم إجرامه وعدوانه، فقتله إنما هو من باب دفع مفسدة متوقعة أكثر من كونه عقاباً على أفعال ماضية؛ وذلك حتى لا يقول قائل: إن إقامة الحدود من مهام السلطان لا من تصرفات آحاد الرعية.
وليس بعيداً إلحاق تلك الأفعال بالحرابة؛ التي بيَّن الله سبحانه وتعالى عقوبتها في قوله { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (المائدة: 33) إذ ليس قاطع الطريق الذي يخيف المسلمين أولى بتلك العقوبة ممن يتخابر مع العدو بما يؤدي إلى زعزعة أمن المسلمين وإخافتهم وإتلاف نفوسهم وانتهاك حرماتهم.
وهذا الناقل أخبار المسلمين إلى الصهاينة الغاصبين، الممكن لهؤلاء الأعداء، إنما هو عدو لأهل الإسلام، سواء أحكمنا بخيانته أو ردته، والواجب صدُّ عدوانه وقصده بالقتل؛ قطعاً لدابره وزجراً لمن كان على شاكلته؛ إذ لو علم أصحاب القلوب المريضة ممن يميلون مع العدو رغبة في عطائه أن مصيرهم القتل في حال كشف خيانتهم لارتدع كثير منهم عن هذا المسلك الوبيل والشر المستطير.
فهذه العقوبة ليست مجرد حد أو تعزير لهؤلاء على سوء فعالهم، بل هي من أجل ردع أمثالهم في المستقبل عن تعاطي مثل ما صنعوا، وهي من باب الدفاع عن النفس أكثر من كونها إقامة للحد
وإن لنا لعبرة فيما قام به المجاهدون سابقاً من قطع أذرع العدو في غزة، وذلك من خلال تشديدهم في محاسبة العملاء وإنزال العقوبة بهم، مما أراح المسلمين من شرورهم.
هذا، ولا بد من الحذر من أخذ الناس بالظنة والمسارعة إلى العقوبة بمجرد الشبهة، أو الاجتراء عليهم لوشاية أو حظ نفس؛ بل الواجب التحري عن ثبوت تلك الجرائم والتحقق من وقوعها؛ وبعد ذلك ليس ثمة حرج في قتل أولئك العملاء لما يمثله وجودهم من مخاطر وشرور على عموم الأمة { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (الأنفال: 42). والله تعالى أعلم.
لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين
17/ رجب / 1447
6/ 1/ 2026