خاص هيئة علماء فلسطين

         

9/2/2026

المفتي: لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

السؤال: ماذا يترتب على الطلاق إذا وقع قبل الزفاف بعد الخلوة الشرعية؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

فإن الله سبحانه تعالى قد أرشد إلى الصلح قبل إيقاع الطلاق، فقال: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء:128]، فعلى الزوجين السعي في حل مشاكلهما، وإصلاح ما فسد بينهما، فإن تعذَّر ذلك، فقد أرشد الله تعالى إلى بعث الحكمين من أهلهما، فقال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) [النساء:35]، فإن تعسرت كل الحلول وكان الطلاق هو الحل والرحمة فيصار إليه اضطرارا، لكننا ننصح الزوجين بعدم التسرع في أمرهما، والاستخارة واستشارة من يوثق بعلمه ورأيه قبل الإقدام على هذا الأمر.

وأما طلاق الزوجة قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة بها فهو طلاق بائن، لا يملك الزوج الرجعة فيه عليها، إلا أن يعقد عقداً جديدا، ولا عدة عليها فيه، لأن الرجعة إنما تكون في فترة العدة، والمطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) الأحزاب/49 .

قال ابن قدامة في “المغني” (7/397)  “أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تَبِينُ بطلقة واحدة، ولا يستحق مطلقُها رجعتَها”، وجاء في دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات: (ولا عدة في فرقة) زوج (حي قبل وطء أو) قبل (خلوة ولا) عدة (لقبلة أو لمس) لقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا }[الأحزاب: 49]، ولأن الأصل في العدة وجوبها لبراءة الرحم وهي متيقنة هنا”.

والخلوة الصحيحة هي الخلوة التي يمكن فيها ـ عادة ـ حصول الجماع، جاء في الشرح الصغير للدردير: “خلوة يمكن فيها الوطء عادة”، وأما مجرد الانفراد مع عدم الأمن من دخول الغير، فلا يعد خلوة صحيحة، جاء في الفتاوى الهندية: “والمكان الذي تصح فيه الخلوة أن يكونا آمنين من اطلاع الغير عليهما بغير إذنهما كالدار والبيت … إذا خلا بامرأته في البيت إن كانت الأبواب مفتوحة من أراد أن يدخل عليهما من غير استئذان لا تصح الخلوة، وكذا لو خلا بها في بيت من دار وللبيت باب مفتوح في الدار إذا أراد أن يدخل عليهما غيرهما من المحارم أو الأجانب يدخل؛ لا تصح الخلوة”.

وعليه؛ فإن كان ما حصل بينهما قد اقتصر على جلوس المرأة مع زوجها وحدهما يحادثها في مكان لا يؤمَن فيه دخول الغير عليهما، أو خروج ومشي في الشارع وجلوس في مطعم، ونحو ذلك… فهذه لا تُعَدُّ خلوة صحيحة، وإذا طلقها فلا عدة عليها، ولا يملك رجعتها إلا بعقد جديد، ولا تستحق المهر كله، ولكن لها نصف المهر المسمَّى إلا أن يعفو أحدهما للآخر عن النصف (أي تعفوا المرأة عن النصف الذي يحق لها أو يعطيها الرجل المهر كله).

أمَّا إذا سألت هي الطلاق والخلع دون سبب أو ضرر متحقق، فللزوج أن يمتنع من إجابتها حتى ترد إليه المهر وتوابعه أو ما يتفقان عليه؛ لأن في الطلاق بهذه الطريقة إضراراً بالزوج وتحميله تكلفة الطلاق والزواج الجديد، فالزوجة إذا طلبت الخلع من زوجها، فعليها أن تعيد للزوج ما أخذته منه أو ما يتفقان عليه، لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة:229]، ولما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أتردين عليه حديقته”؟، قالت: نعم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “اقبل الحديقة وطلقها تطليقة”، فهذه المرأة قد ردت على الزوج الحديقة التي دفعها مهراً لها لما طلبت الطلاق.

لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

الثلاثاء 15/شعبان/ 1447

3/ 2/ 2026