خاص هيئة علماء فلسطين

         

9/2/2026

لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

فإن الحكم الشرعي في هذه المسألة يدور حول تحرير المصطلحات المتداولة في توصيف الآخر، وبيان الفرق بين العداوة العقدية القلبية وبين العدوان الموجب للقتال.

ونبدأ بتحرير المصطلحات فنقول:

إن اليهودي وصف ديني يصدق على من انتسب إلى اليهودية اعتقاداً أو هوية دينية، مع تفاوت أفراده في الاعتقاد والسلوك والموقف السياسي، فيدخل فيهم محاربٌ ومسالم، ومعاهَدٌ ومواطن في دول متعددة، بما في ذلك مواطنون في بلاد المسلمين أو بلاد مسالمة.

وأما الصهيوني: فهو وصف فكري سياسي يقوم على مشروع استيطاني وسيادة قومية على أرض فلسطين وما يتصل بها من منظومة تشريع وقرار وتمويل ودعاية، وقد يندرج تحته يهودي وغيره، مع العلم أن أكثر يهود العالم هم مؤيدون وداعمون للصهيونية، ومع ذلك فإن الصهيوني يمكن أن يكون يهودياً، أو نصرانياً، أو هندوسياً، أو ملحداً، ولربما يكون متلفعاً بالإسلام، بل ربما يتحدث بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد يعتلي المنبر أحياناً مع الأسف.

وأما الإسرائيلي: فهو وصف قانوني مدني لمن حمل جنسية الدولة القائمة على أرض فلسطين المحتلة، ويشمل فئات دينية وقومية متعددة بحسب أنظمة التجنيس والإقامة، فيشمل قرابة مليونين من الفلسطينيين المسلمين أو النصارى، الذين اضطروا لحمل هذه الجنسية وإلا خسروا حقهم في البقاء في بلادهم، وتشمل اليهود الذين كانوا من أهل البلاد وانخرطوا مع الكيان وصاروا جزءاً منه ويشمل أيضاً اليهود الذين قدموا على وجه الاحتلال والعدوان إلى فلسطين، ومناط الأحكام في الفقه في هذه المسألة يتعلق بوصف المحاربة والاعتداء والعدوان وبوصف العهد والأمان والمواطنة.

إذ إن الشريعة الإسلامية تنزِّل أحكامها على الأوصاف المؤثرة شرعاً لا على الانتماءات المجرَّدة، وتجعل الحكم دائراً مع علته وجوداً وعدماً وتقديراً، فحيث تَحقَّق وصف المحاربة ترتب حكمها، وحيث قام وصف العهد أو الأمان تثبت أحكامه.

ثانياً: الفرق بين العداوة والعدوان

1- العداوة في أبواب العقيدة والموالاة تدور عل معنى المفاصلة الدينية وامتناع الموالاة، ويترتب عليها الكره والرغبة في إنهاء الفكرة والهوية وتمكين المعتدي، وعليه فإن العداوة المجردة هي موقف قلبي وولاء عقدي وانحياز حكمي دون أن تفضي إلى فعل قتالي، أو اعتداء مادي، فالعداوة العقدية لا تستلزم نقض عهد ولا تبرّر قتالا، بل إن العهد والعقد لغير المسلمين قائم حتى مع وجود العداوة بينهم وبين المسلمين ما دامت لم تتطور الى عدوان، فهي لا ترفع عصمة دم ثبتت بعقد أو أمان أو غيره، بل يبقى معها حق حفظ الضرورات الخمس لصاحبها، وتُنزَّل في إطار مقاصدها العامة التي تجمع بين صيانة الدين وحماية الأنفس والأموال واستقرار العمران.

قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة الممتحنة (8))

وأما العدوان فهو عداوة تطورت حتى ترتب عليها فعل عدواني أو استعداد له سواء أكان الفعل قتالاً أم إلحاق ضرر بالمسلمين، أم إعانة معتد عليهم، وعليه فإن الفارق بين العداوة والعدوان أن الأولى اعتقاد قلبي وحالة داخل نفس الإنسان لا يترتب عليها فعل ضده ولا إيذاء ولا قتال، والثانية “العدوان” هو ذات العداوة مع ترتيب فعل حقيقي ضد المسلمين أو إعداد له.

ومن هنا كان الفرق بينهما أن الأول لا يستلزم نقض عهد ولا قتالا ولا يبرر مواجهة، بل إن العقد والعهد لغير المسلمين ينعقد مع قيام حالة العداوة، وأما حالة العدوان فإنها ناقضة للعهد حال وجوده، موجبة للقتال ما أمكن اليه سبيل، مقررة لعقاب المعتدي وتأديبه حسب مستوى العدوان الواقع او المتوقَّع.

وحال اليهود والتعامل معهم مبنيٌّ على هذه القاعدة، كغيرهم من الأمم، فقد وصف الله تعالى اليهود بقوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}(المائدة/ 82) ومع هذا الوصف وأثناء وجود هذه الصفة فيهم بنص القرآن الكريم، فقد كان العهد معهم قائماً، ولم يُنقض عهد أحد منهم إلا من اعتدى فتحوَّل عداؤه إلى عدوان بقتال أو تحريض أو إساءة للمسلمين. والنبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير. وصالح يهود خيبر على الشطر مما يخرج منها. ووادع يهود فدك وتيماء.

وبناء عليه، فإن يهود اليوم وإن كان أكثرهم وربما جلهم يحملون العداوة للمسلمين، بمعنى أنهم لا يحبون دينهم ويكرهونهم ويكرهون ما يحملون من قيم وتشريعات ويتمنون زوال المسلمين من الوجود، ولا يحملون لهم ولاء ولا وداً، هذا من حيث العداوة.

إلا أنهم من حيث العدوان، فإنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من كانوا مقيمين في البلاد التي ينتمون إليها، سواء أكانت إسلامية أو غير إسلامية، وهم لا يشاركون اليهود الغاصبين لفلسطين عدوانهم ولا يظاهرونهم على المسلمين ولا يدعمونهم في عدوانهم، فهؤلاء لا يجوز الاعتداء عليهم ولا قتالهم لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الممتحنة: 8)

وأما القسم الثاني: فهم كالقسم الأول، لكنهم يظهرون موقفاً معارضاً لعدوان أبناء ملتهم على فلسطين، حباً من بعضهم للعدالة، وشعوراً بكراهية الظلم الذي أوقعه أبناء ملتهم على المسلمين في هذه البلاد، واعتقاداً من آخرين منهم أن هذا الظلم من علامات زوالهم ونهايتهم، وأن ذلك يُلزمهم بنصرة أهل فلسطين، فهؤلاء يمكن أن يكون المسلمون معهم في حلف فضول لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ما داموا معارضين لأفعال الصهاينة المغتصبين، ولا يجوز قصدهم بقتل ولا قتال بل لا بد من إحسان معاملتهم ما لم يأتوا إلى فلسطين للمشاركة في احتلالها.

وأما القسم الثالث: فهم جميع اليهود الذين قدموا إلى فلسطين من أنحاء الأرض لاحتلالها والبقاء فيها عدوانا وظلماً، يستوي في ذلك من اعتقد منهم أنهم أحق بأرض فلسطين من أهلها، ومن ادَّعوا أنهم ضد مشروع الصهيونية وأنهم مع الحق الفلسطيني؛ وذلك أن هذا القول يخالفه الواقع فهم يمارسون الاحتلال والعدوان من جهة ويدَّعون نصرة المظلوم من جهة أخرى، وفعلهم أقوى من ادعائهم.

ويلحق بهم من كان في بلده الأصلي، ولكنه يساند المحتلين ويدعمهم، فهؤلاء جميعاً أعداء معتدون، ومظاهرون على العدوان، وحق لنا أن نقاتلهم بكل ما أوتينا من قوة وإمكانات. وقد نطقت بذلك أدلة الشرع كقوله تعالى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 9) وقوله تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (سورة الممتحنة: 1) وقوله تعالى { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج: 39- 40)

وإن حال يهود اليوم مبنيٌّ على هذا التقسيم الذي ذكر آنفا، فمن عادى ولم يعتدِ وبقي في دياره ولم يشارك المعتدين ولم يظاهرهم برأي أو مال، فلا عدوان عليه ولا يستباح له دم ولا مال.

وأما من شارك بالعدوان أو ظاهر أهله، أو جاء إلى فلسطين مع محتليها فهو منهم ويُعامَل معاملتهم ولو زعم معارضته للاحتلال، فهؤلاء أعداء معتدون ليس لهم إلا القتال والقتل والطرد من أرضنا وبلادنا ويجب أن تتضافر جهود المسلمين على قتالهم وتحرير الارض المغتصبة من سلطانهم. والله تعالى أعلم.

لجنة الفتوى في هيئة علماء فلسطين

الثلاثاء 15/شعبان/ 1447

3/ 2/ 2026