مقابلة خاصة مع فضيلة الدكتورة نور الحيلة

    

حول سيرتها، رؤيتها، ومواقفها من الطوفان والأقصى

19/1/2026

🖊 أجرى الحوار: د. عمر الجيوسي

📍 السّيرة الذّاتيّة والمكانيّة

  1. إذا أراد علماء وعالمات وشابّات اليوم أن يتعرفوا على د. نور الحيلة حيث مساقط الذكريات الأولى …فعلينا أن نذهب معك إلى الزّمان، والمكان، والتنشئة، وسيرتِك؟

ابنة للإسلام العظيم، لأبٍ غزِّيٍّ وأمٍّ مقدسية تعيش على يقين برؤية أمها القدس وتطفئ نار أشواقها وحنينها، تعيش عائلتي في خان يونس-غزة. ولدتُ في مدينة خان يونس المدينة التاريخية، قلعة المقاومة في غزة العزة التي أنجبت الرجال وأبطال الطوفان. أتممت في خان يونس المراحل التعليمية إلى أن تخرجت من الثانوية العامة في القسم العلمي بمدرسة عكا الثانوية للبنات بمعدل امتياز. ثم التحقتُ بكلية أصول الدين عدلًا عن كلية الهندسة التي كانت حلمًا لي في طفولتي، وكانت حلمًا لأمي. كنت على قناعة حين اتخذت هذا القرار أن هذا العلم الشرعي لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فهو لا يؤخذ من قراءات عابرة في أوقات الفراغ. فالتحقتُ بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، وشجعني والدي على ذلك مع أن كثيرًا ممن كانوا حولي لم يشجعونني، وكانت كلمةً قيلت لي: “أنت اخترت الطريق الصواب؛ فكثير من الناس في العالم يحتاجون إلى تعلم الإسلام بطريقة صحيحة، ففكري أن تنشري الإسلام في العالم وليس في مكان محدد”، فكان لهذه الكلمات وقعها، فرسالتنا رسالة عالمية. فسلكت طريقي على أن أكمل الدراسات العليا في تخصص التفسير وعلوم القرآن، إلا أن تكليفًا في الحديث الشريف على أعتاب الدراسة في كلية أصول الدين، وقراءة في مُصنَّفَي أبي بكر بن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همَّام الصنعاني جعلاني أعدل مرةً أخرى إلى تخصص الحديث الشريف وأهتمُّ به. تخرجت في كلية أصول الدين بمعدل امتياز مع مرتبة الشرف ولله الحمد، والتحقتُ مباشرة بقسم الحديث الشريف في الماجستير، كما عُينت معيدة في الجامعة الإسلامية التي نعتز بها لمدة عام. وبعد أن انتهى العام عملتُ في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية وكلية مجتمع الأقصى كمدرس مساعد. انتهيت من الماجستير بمعدل امتياز مع مرتبة الشرف وكنتُ الأولى على دفعتي. وكانت أطروحتي في الماجستير بعنوان: “ترجمة البلقيني – تحقيق ودراسة” لعبد الرحمن بن عمر البلقيني.

ثم كان الانتقال إلى إسطنبول لإكمال الدكتوراة في التخصص نفسه في جامعة إسطنبول، بحياةٍ مختلفةٍ عن الحياة التي عهدناها في غزة، وعن التربية التي كبرنا معها. أنهيت مرحلة الدكتوراة من جامعة إسطنبول، بأطروحة باللغتين العربية والتركية، بعنوان: جهود المحدثين في ضبط الأحاديث النبوية صحيح البخاري أنموذجًا” وقد تم طباعة نسخة الرسالة العربية بحمد الله.

أعمل الآن في مركز البحوث الإسلامية في إسطنبول، ومحاضرة غير متفرغة في جامعتي ابن خلدون وجامعة صباح الدين زعيم. لي عدة أبحاث منشورة في الحديث الشريف وخاصة ما يتعلق بمنهج الإمام البخاري في صحيحه، وأبحاث ومقالات حول القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى باللغتين العربية والتركية.

هل من حدث أثّر في مسار حياتكم وفتح عيونكم على قضية فلسطين ثم جعلها في صلب مشروعكم؟

ما كان مسارًا لنا في الحياة في غزة، نبراسًا لنا في طريقنا، بيوت الله تعالى، فقد نشأنا فيها على موائد القرآن التي دفعني والدي وشجعتني أمي على الالتزام بها – حفظهما الله وفرج كرب أهلنا في غزة-، وتربينا في محاضنها التربوية، فأنار الله تعالى بصيرتنا ودلَّنا على الطريق، عرفنا أن قضيتنا قضية عقيدة وليست مجرد قضية أرض ووطن. فهمنا أن هذا الطريق طريق ابتلاء وتضحيات مسبوق بالعمل، وأن العمل له اصطفاء من الله تعالى، وأنه تكليف وليس تشريف، تعلمنا في تلك الحلقات والمحاضن معنى الولاء والبراء، ورفض المجاملات على حساب ديننا وقضيتنا، وأن الحياة الحقيقية هي العمل لهذا الدين. من أبلغ المعاني التي اكتسبناها من خلال هذه المحاضن أن من يعمل لقضية فلسطين ويصرف من أجلها أثمن أوقاتها يمنُّ الله تعالى عليه بالبركة والبصيرة، يرفع درجاته بالعلم والعمل الصالح.

تعلمنا أن هذا الطريق المحفوف بالأشواك يسير فيه صاحب العقيدة لو كان حافيًا مستشعرًا أن الله معه، تعلمنا أن الحق لا يُجزَّأ والقيم لا تُبتر ولا تُبدَّل، وأن المسلم لا ينبهر بما هو زائل، وأنه تاجر نيات، صاحب أفعال إذا تحدث مترجمًا ما تعلمه وما قاله على أرض الواقع.

نحن في غزة ولدنا وتغذينا على قضية فلسطين قضية العقيدة وكبرنا معها، والحياة التي عشناها في غزة من قصف وتدمير واقتحامات مستمرة، جعلنا نفكر ونحن حديثي الأسنان أن نعمل لها، خاصة أننا كنا نقرأ في هذه السنوات المبكرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة رضي الله عنهم وحملة الإسلام العاملين له في كل عصر، وتربينا على كتب الإمام الشهيد حسن البنا وكتب الدكتور فتحي يكن وعشنا مع كلمات سيد قطب وحكاية زينب الغزالي والكلمات التي خطها الشهيد عبد الله عزام، رحمهم الله جميعًا، وتربينا على يد الجيل الذي شهد انطلاقة العمل في فلسطين وتأسيس الجامعة الإسلامية في غزة، كلمات الشيخ أحمد ياسين التي كانت تخرج من جسد ضعيف وقلب قوي، ولم يكن يثنيه شيئٌ عن المضي قدمًا في رسالته ودعوته وجهاد المحتل، وإن كنتُ لم أره إلا مرة أو مرتين “رحمه الله”. فتربينا كبارًا ونحن في سنِّ صغيرة نجمع بين الدراسة والعمل لدعوتنا، حملنا على عاتقنا تربية من هم في جيلنا ومن هم في سنِّنا في المدرسة والمسجد والجامعة.

كبرنا مع قضية فلسطين والعمل من أجلها وحملها والحديث عنها أينما كُنّا، فالقضية لا تتجزأ ولا تتبدل بتبدل المكان والزمان، وهذا كان أحد أسباب تعلمي اللغة التركية، حيث سألتني واحدة عن القدس حين جئت إلى إسطنبول ولم أكن تعلمت إلا القليل من اللغة التركية، فلم أستطع أن أشرح لها جيدًا فتألَّمتُ حتى تعلمتُ، وصرتُ أحاضر عن فلسطين وأنقل جرح غزة وأملها وصوت أهلها باللغة التركية إلى جانب اللغة العربية.

  • هل ترون أن الأمة مقصّرة في معرفة علمائها المجاهدين؟ ومن المسؤول؟

في تاريخنا الإسلامي أنموذج العالم العامل المجاهد، فالقارئ المتأمل في سير علمائنا على مر العصور يجدهم يجاهدون ويرابطون، ومنهم من رحل إلى الثغور للرباط ومات مرابطًا إلى جانب مجالسهم العلمية، وانشغالهم بالتصنيف والتأليف. هذا النموذج لا يُبرز بالشكل الكافي خاصة في الخطابات وفي المحاضرات العامة للشباب خارج أرض الرباط، ويُكتفى بالحديث عن الجانب العلمي عند العلماء مع أنه لم يكن منفصلًا عن الجهاد في سبيل الله في حياة العلماء، وهذا لعله راجع إلى سبيين: الأول: الخوف من الحديث عن الجهاد، وقد بات قبل طوفان الأقصى مصطلحًا يُصدر على أنه مصطلح مساوٍ للإرهاب والثاني: الأكاديمية الغربية التي حطَّت رحالها في عالمنا الإسلامي بعدما بنى الغربُ حضارته على حضارة المسلمين مستلًّا منها وسارقًا، والتي ترى أن الأكاديمي يجب أن يكون موضوعيًّا محايدًا علميًّا لا علاقة له إلا بدراساته ومحاضراته.

وأنموذج العالم العامل مع التقصير في تربيته وصناعته في أيامنا إلا أنه موجود غير معدوم لكنه مغيب عن عيون شباب الأمة بقصد، حاضر في أذهان الشباب وأمام عينيها في غزة، فحتى -كما تقدم- المصطلحات الجهادية صارت مصطلحات يُخاف منها، وبعضهم يخاف من طرحها حتى لا يُتهم من الإرهاب، فكيف لو عرضت النماذج الجهادية للعلماء! هذا الخوف أرجعنا خطوات عديدة إلى الوراء وغيب عن شباب الأمة القدوات الحقيقية، وحلت محلها قدوات هشة تنشر التفاهات وتستخف بعقول الشباب، جعلتهم يلهثون خلف المادية، وكاد عدونا يكسبهم في معركة الرهان على الجيل إلا أن الله تعالى أنقذهم بطوفان الأقصى، فأُعيدت البوصلة إلى اتجاهها الصحيح.

في حين أن رفع الله مكانة الإنسان كإنسان، ثم أعلى قدره بالإسلام تصدر من يروجون للتفاهات، ومن حولوا حياة الشباب إلى ترند وطبخ ولباس ومطاعم، أمام كل ذلك قصَّرت الأمة في إبراز علمائها فهذا الدور لهم، أن يأخذوا بيد الشباب، فصار أمثال هؤلاء التافهين قدوة للشباب. لما غابت القدوة الحقيقية ظهرت القدوة المزيفة، وذلك لم تكن ردة الفعل في بلادنا الإسلامية كما ينبغي حين كان يُقتل أهل غزة على الهواء مباشرة.

ودعونا نكون صريحين فأحيانًا تزهد الهيئات المسئولة في دعاتها الشباب وفي علمائها وفي تقديمهم وترميزهم، فيطفو هؤلاء التافهون ويتصدرون المشهد؛ بل ويفتون للأمة! فإذا ما صدرت فتوى من العلماء لا يُؤخذ بها، وإذا صدرت من التافهين أخذوا بها!

تربينا في غزة خاصة في الجامعة الإسلامية على أيدي النماذج العالمة العاملة، فكان أساتذتنا يدرسونا ويربونا، وكنا نراهم في الجامعة وفي مؤسسات المجتمع المحلي بين الناس يعينونهم ويساعدونهم، وعلى المنابر خطباء بين الناس، فلم يكونوا بين الجامعة والمكتبة والبيت، لكن بينها وبين التواجد بين الشباب في المساجد وفي مؤسسات المجتمع المختلفة يربونهم ويعلمونهم ويساندونهم.

  • هل زرتم فلسطين سواء الضفة أو غزة؟ وما الذي بقي أو سيبقى متعلقا وعالقًا أو ذكريات قادمة ترجونها؟

ولدتُ في خان يونس بغزة وعشت فيها وتربيت على أرضها المباركة الحمد لله، أما مدن فلسطين الأخرى فقد حُرمنا من زيارتها؛ لأن الاحتلال يمنع أهل غزة من الوصول إلى القدس أو مدن فلسطين الأخرى. أمي أصلها من القدس ولكنها لم ترَ القدس في حياتها. عشنا في غزة نقرأ عن مدن فلسطين ونحصل على أعلى الدرجات في اختبارات التربية الوطنية التي تتحدث عنها وأشهر ما فيها، من غير أن نراها، أو يقصُّ علينا من زارها ومن رآها. حُرمنا من زيارتها بتهمة أننا أبناء غزة، ولا تبعد القدس عن غزة إلا مسافة القهر التي خطَّها الاحتلال الصهيوني وخطَّها خذلان الأمة لنا.

خان يونس أو غزة تحمل ذكريات ومستقبل عز وكرامة، فغزة وفلسطين والقدس الوطن الذي يُشتاق إليه في هذه الدنيا، عزة البلاد وفخر العباد. ما تزال أصوات المساجد، ومشاهد الفعاليات لنصرة قضايا أمتنا، وما تزال سيارة الإذاعة التي كانت تجول في الشوارع وتنشد أناشيد الشهادة حين يرتقي أحدهم شهيدًا حاضرة في ذهني. ما تزال سوافي خان يونس برمالها الذهبية التي تشرق بالحياة، وشاطئ بحرها وأصوات الأطفال عالقًا في ذهني، هذا البحر المتنفس الوحيد لأهل غزة، وهذا البحر نفسه الذي يُذكرنا بالضفادع البشرية التي قهرت الاحتلال وتمنى رابينُ يومًا أن يستيقظ وغزة قد أغرقها البحر، فرحل رابين ورحل غيره وسيرحلون وتبقى غزة عزيزة تُزين البحر.

  • القدس… صفي علاقتكِ بها كعالمة فلسطينية، خاطبيها كأنها ماثلة أمامك، قدمي لها عذرك وقهرك؟

لا يوجد قضية تجمع الأمة الإسلامية كأمة واحدة كقضية القدس. القدس فيها مسجدنا الأقصى الذي يتوسط ذكره كتاب ربنا سبحانه وتعالى، أول قبلة للمسلمين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، ومنه عُرج برسولنا خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام إلى السموات العلا حيث التقى بالأنبياء وصلى بهم.

القدس لا تُختزل في جغرافيا أو حدود أرض، القدس قضية كل مسلم فينا، فهي أمانة نبينا صلى الله عليه وسلم ومسئوليتنا جميعًا أمام الله تعالى. القدس لها حنين مختلف بالنسبة لي، فأمي حفظها الله من مدينة القدس، وقد كتبت للقدس تسعين خاطرة في غزة سميتها “خواطر القدس والياسمين”.

وما زال حلمنا الذي كبر معنا، وعلى يقين بالله أنه سيتحقق، أننا سنرى القدس ونصلي في رحاب المسجد الأقصى بإذن الله تعالى. ما زلنا نراك يا قدس في المنام، لكننا على يقين باللقاء حرة، وهذا بعد طوفان الأقصى صار على مرمى البصر بإذن الله تعالى.

كان لنا مشروع في غزة أطلقنا عليه مشروع “الأقصى قضيتي”، هدفه إعداد كوكبة من الطالبات الملمات بالمعارف المقدسية، فتم اختيار مجموعة من الطالبات المتفوقات في دراستهن، ليكنَّ سفيرات بعد ذلك في مدارسهن، وترتيب برنامج كامل فيه محاضرات وأنشطة متنوعة. وأرجو تعميم هذه الفكرة؛ لأننا نحتاج الأقوياء في حمل هذه القضية وتوصيلها للناس.

أقول للقدس: نتوق إليك، ونرنو إلى أسوارك كل حين، فأنت تعيشين فينا، أنت منّا ونحن منك، وإن غبنا فأنت حاضرة في قلوبنا وفي حياتنا وأعمالنا. اعذري تقصيرنا وسامحينا، لكن خلفك رجال أطلقوا الطوفان من أجلك حين تخلف من تخلف عن دوره، وتخلى من تخلى عن مسئولياته تجاهك، والله تعالى يصطفى من يحميك ومن يعمل لأجلك، فمعركتك أنقى معركة يختار الله لها أنقى عباده.

أسئلة الّتي تحت الرّماد 🔥

  • طوفان الأقصى… هل كان قرارًا شرعيًا أم خطوة عسكرية متهورة كما يقول البعض؟

ليس مهمتي ولا مهمة واحد منَّا أن يحكم أو يحاكم طوفان الأقصى، فقد عاش أبطال الطوفان ما يقارب 80 سنة تحت نيران الاحتلال وظلمه وبطشه. علينا أن نسأل أنفسنا أين كنا في ساعة الفجر حين خرج الشباب الذين يحملون في صدورهم الكتاب ولم يودع الواحد منهم أمه أو أباه أو زوجته أو فلذات كبده، وقد غار على مسرى نبيه وغار على هذه الأمة التي كانت ترتمي في حضن الصهاينة أعداء الله فمضى يجاهد عدو الله؟!

القرارات العسكرية في معارك المسلمين لا تنفصل عن القرارات الشرعية، وهذا حاضر عند المقاومة في غزة التي لها مرجعيتها الشرعية؛ بل إن رؤوسها من العلماء الشرعيين، فليس العمل العسكري في منأى عن التأصيل الشرعي، وأهل العسكرية هناك لهم مناهج شرعية وتعليم شرعي إلى جانب التعليم العسكري، وهذا يجب أن يُوضَّح ويُفهم.

عاش أجدادنا في فلسطين التطهير العرقي من قبل قوات الاحتلال، وعشنا نحن حروبًا في غزة قدمنا فيها الشهداء بالآلاف، كانت تُدمر فيها البنية التحتية لغزة، وفي القدس الاقتحامات لا تتوقف للمسجد الأقصى، وهدم منازل المواطنين في القدس والضفة الغربية، والاعتداء على الحرائر، لمَ لمْ تقف أمتنا لمحاكمة العدو والدفاع عنَّا وعن عزتها وكرامتها، أم علينا دائمًا أن نكون في دور الضحية!!

  • هل أخطأت المقاومة في إطلاق 7 أكتوبر؟ ما هو التكييف والواجب الشرعي المفروض أصلا؟

فلسطين تعيش تحت ظلم المحتل وعنجهيته منذ عشرات السنين، تقدم الشهداء زرافات ووحدانًا، في ظل خذلان وتطبيع، يشنُّ الاحتلال الصهيوني هجماته ويقتل ويغتال ويدمر ويُعربد، ولم يحاكمه أحد، ولم نسمع مثل هذه العبارات في حقه، أما طوفان الأقصى فاشرأبت الأعناق التي لم نكن نراها في تقييمه والحكم عليه، أين كانوا طيلة هذه السنوات التي كنا نُقتل فيها؟ أم اعتادوا على رؤية دمائنا وشجب صنيع العدو واستنكاره؟!

إن السابع من أكتوبر هو انطلاقة مشروع إحياء لأمتنا الإسلامية التي كان يتغلغل فيها الاحتلال الصهيوني بحملاته الواسعة من التطبيع والتعايش الكاذب. فغزة تعيش تحت حصار خانق من سنوات، وحروب قتل فيها العدو الصهيوني الآلاف من خيرة أبنائها، وتعيش القدس اقتحامات وتدنيس واعتداء على المرابطين والمرابطات والاعتداء على الحرائر وهدم لبيوتها وحملات تهويد لتراثها الإسلامي، فكان من الطبيعي أن يكون طوفان الأقصى.

الواجب الشرعي هو جهاد المحتل ودحر العدو الصهيوني من الأرض المباركة، وقبل ذلك الإعداد بما استطعنا من قوة، فقد كشف طوفان الأقصى ضعف الإعداد من الأمة، وأن كثير من أبنائها كان منشغلًا عن قضاياها، وشبابها _ إلا من رحم الله- كانوا يعيشون في العالم الأزرق الذي صنعته العقلية الاحتلالية الظالمة، ليس معنى ذلك أن الأمة لم تعمل ولم تُسند، فهناك من علماء الأمة وشبابها ومن لا يعرف أسماءهم إلا الله ما قطع أهل غزة واديًا إلا قطعوه معهم، وما تألموا ألما إلا كانوا معهم، ولم يبرحوا ساح جهادهم إلى الآن. الواجب الشرعي إسناد المقاومة، وقد جاء في الحديث الصحيح: “مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا”. وكذلك الوقوف في وجه الظلم وإعادة إعمار غزة التي قدمت نيابة عن الأمة كل ما تملك. الواجب الشرعي العمل على تحرير الأسرى من سجون الظلم والطغيان، فالأسرى في سجون العدو يعيشون في مقبرة تعذيب، يُجوعون وتُمارس في حقهم ألوان التعذيب التي عرفتها البشرية والتي نسمع عنها حينما تخرج دفعة من الأسرى من سجون الاحتلال، والسجن كما نعرف “مقبرة الأحياء”. الواجب الشرعي الاستمرار في كل أنواع الجهاد حتى تحرير المسجد الأقصى.

وإني عندما أقرأ في أبواب الجهاد في كتب الحديث، لأقول كيف فرطت الأمة في هذه الأبواب الكثيرة! 

  • إذا كانت المقاومة عملت ما عليها وزيادة، ـ بصراحة ـ هل نتيجة المعركة تتحمله الأمة بالتقصير والإثم والخذلان؟

جاء في الحديث الصحيح: “المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ”. من خذل غزة فقد خذله الله تعالى وحرمه الالتحاق بهذا الركب العظيم، فهذه معركة اصطفاء، اصطفى الله تعالى فيها من يقاتل من أجل دينه واصطفى منهم الشهداء واصطفى من يُسند إخوانه ومن يُخذِّل عنهم. ومن لم ينصر إخوانه في غزة إلى الآن، وتسمعه يقول: أريد أن أفعل لهم شيئًا! فاعلم أن هناك عدم صدق مع الله تعالى؛ لأن الله تعالى يستعمل من يراه صادقًا في نيته، مُقبلًا في عزمه، ومن كان غير ذلك فيستبدله ولا يرزقه شرف المشاركة في هذه المعركة المباركة.

قد رأينا أهل غزة كيف كانوا أمةً وحدهم، فازوا بالأجر العظيم. يكفي ثباتهم في أشرس الحروب، وأمام كل التحديات البشرية، فالثبات نصرٌ عظيم، إن ثبات أطفالهم وكلماتهم وحدها هزمت جموع الطغيان، وكشفت كل مسلم أمام نفسه، أقاموا به الحجة عمن تخاذل أو خذل.

هناك من خاف على نفسه وعلى علاقاته وعلى سفره إلى الدول التي شاركت في الحرب على غزة، فخشوا منهم والله أحق بهذه الخشية. وهناك من حارب غزة وسعى في خرابها، وجزاؤه كما قال رسوله عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِى لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ”. ثُمَّ قَرَأَ عليه الصلاة والسلام: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).

لم يكن هناك واجب أولى من غزة التي كانت تدافع عن ثالث المساجد الذي تُشد إليه الرحال، وعندما كانت تتعرض القدس لأي أذى من الاحتلال لم تعد تنادي على الأمة، إنما تنادي على من تعرف فيها صدق الرجال، وعزائمهم وجدهم وإعدادهم من أجلها وعدم توانيهم عن نصرتها، لم تعد تنادي إلا على غزة. مما يستدعي وقفة محاسبة لكل مسلم مع نفسه.

  • هناك من يقول إن طوفان الأقصى دمّر مشروع التطبيع لكنه أيضًا فجّر الأوضاع الإنسانية في غزة… كيف يوازن الفقيه بين النصر السياسي والكلفة البشرية؟

إننا نُقتل في فلسطين من ما يقارب ثمانين عامًا، وغيرنا من المسلمين يقتلون في أرجاء المعمورة، وكثير من غير المسلمين تُزهق أرواحهم لتحقيق مصالح الظالم المتفرعن، فهل كان هناك طوفان أقصى فجر الأوضاع الإنسانية؟!

أين الفقيه مما يحدث في مدينة القدس؟ وأين الفقيه من إصدار فتاوى الجهاد وقد توفرت شروطه؟ وطوفان الأقصى إنما سمي باسم مسجدنا الأقصى، فحماية مقدساتنا واجب شرعي، وله تُصدر الفتاوى الشرعية.

إن مشروع طوفان الأقصى لم يدمر مشروع التطبيع فحسب؛ بل أعاد الوعي لهذه الأمة، وأحياها الله به من جديد، ودمر مشاريع الاحتلال التي كانت تمد يدها في كل جوانب الحياة، فقد خسر الاحتلال في كل هذه الجوانب، السياسي والعسكري والاقتصادي والأكاديمي والثقافي وغيرها، ولم تعد صورته في ذهن من كان يراه كيانًا عظيمًا كما كانت.

أما بين موازنة الفقيه بين النصر السياسي والكلفة البشرية، فهل هناك موازنة بين النصر أو الشهادة؟ وقد قال الله تعالى: “قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ “. فما غيرهما خزي وندامة. لماذا لم تكن موازنات فقهية بين غزة التي تدفع الشهداء بالآلاف؛ بل بعشرات الآلاف وبين واجبات الأمة، ولم يكن هناك واجب أوجب من نصرة غزة وأهلها! لماذا لم يوازن للأمة بين تركها الإسناد والنصرة والجهاد وبين قعودها عن الجهاد؟ إن ما دفعته غزة وما زالت تدفعه يتحمل ذنبه من قعد من الأمة ورضي بأن يكون مع الخوالف ولم يُسند ولم ينصر ولم يدفع، تتحمل الأمة ذنبه مع الاحتلال. أين الموازنات الفقيهة حين مات أهل غزة من التجويع ومن البرد ورأوا أصناف العذابات وبين ما كان يُرى مصالح؟ أم أن هذه الموازنات تنهض للحكم على طوفان الأقصى الذي انطلق لكفِّ الظلم عن شعبنا وإعادة عزة الأمة ونصرها. وقد كان العدو كان يخطط لإبادة وتقتيل وتدمير في تلك الآونة باعترافه. فالموازنة بين الجهاد بعزِّ والاستشهاد بعز وأن نغزو وبين أن ننتظر أن يغزونا العدو حتى نكون في دور الضحية ونموت ويمطر علينا العالم قليلا من الدموع ثم ينسانا، وبين أن نصنع التاريخ، وبين انتظار الموت والقبول بدور الضحية والموت بذل، فالتقتيل حاصل حاصل، ولكنه حصل بعزة المسلم في طوفانه. 

📍 دور العلماء أمام الطوفان

  • بصراحة أكثر. ما رأيك في أثر بيانات العلماء ومؤتمراتهم خصوصا المتعلقة بمعركة طوفان الأقصى؟

كلُّ كلمة وكل بيان وكل فعالية وكل ندوة وكل مؤتمر من علماء الأمة له أهمية وأثر، والجهاد بالكلمة مطلوب، إلا أن عدم تحرك الجماهير وزيادة الإمعان في قتل أهلنا في غزة وتدمير غزة بمساجدها ومدارسها وجامعاتها ومؤسساتها وبنيتها التحتية، والإمعان في التجويع وعدم إخال ما يجب على الأمة من الغذاء والاحتياجات الأساسية توقفنا جليًّا على حقيقة التقصير.

وفي آخر خطاب لأبي عبيدة رحمه الله وقد أعلن فيه الخصومة للعلماء تعلم أن أهل غزة ومجاهديها كانوا ينتظرون دورًا أكبر للعلماء، أن ينتقل الخطاب من الشفوي إلى الفعلي، وأن يكون وقودًا يحرك الأمة، فسكت الكلام بعد كلام أهل غزة ومجاهديها.

  1. ما هي أهم المواقف أو الخطوات العملية التي أنجزها العلماء أو كنت ترجين تحققها في خدمة طوفان الأقصى؟

كل موقف وكل خطوة من العلماء لها أثرها ولها دورها، وتكون حجة للعالم أمام الله سبحانه وتعالى في هذه المعركة، فالعالِم جزء أصيل في معركة طوفان الأقصى، وهم قدوة في كل خطوة يخطونها.

فمن المواقف والخطوات العملية للعلماء:

  • ما أصدرته مئات العلماء والفقهاء والمؤسسات الإسلامية من أنحاء العالم، اليوم الجمعة، ميثاقاً علمياً وشرعياً جامعاً بعنوان: “ميثاق علماء الأمة بشأن طوفان الأقصى وتداعياته”، عبّروا فيه عن موقفهم من معركة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مؤكدين على شرعية المقاومة الفلسطينية ووجوب نصرتها من جميع المسلمين، حكامًا ومحكومين.
  • تثبيت ونشر الرواية الفلسطينية الصحيحة ودحض رواية العدو وأذنابه.
  • الكف عن مناقشة طوفان الأقصى، والمضي في الإسناد والنصرة ونشر الوعي بالقضية، وأن يعيش الواحد منهم وكأنه في قلب المعركة
  • الحضور الإعلامي المستمر، الوجاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة؛ لتثبيت الناس والتعبئة الروحية والحث المستمر على الجهاد بكل وسائله، والتذكير بالسنن الإلهية، وقيادة الفعاليات والحملات التي تُسند وتنصر القضية الفلسطينية.
  • كان يُرجى من العلماء أن يكون لهم موقف جامع بالتوجه إلى معبر رفح وكسر الحصار عن إخوتهم في غزة؛ ليكونوا قدوة لغيرهم، وإن خطوة مثل هذه كانت ستغير مجري الأحداث، وتكون يدًا تضرب الطغيان الذي عاث الفساد بعد تخلي الأمة عن غزة.
  • الضغط على المنظمات والحكومات لإدخال الإسناد الغذائي والاحتياجات الأساسية المتراكمة على المعابر والتي فسد كثيرٌ منها وهي تنتظر مثل هذه الخطوة.
  • حماية البوصلة الشرعية وتوجيه الأمة إلى الأولويات في مثل هذه الحالات، بأن يقوم كلُّ واحد بدوره ومن موقع مسئوليته، فليست المسألة جمع مال فحسب، وإسناد بالغذاء وغيره وليته كان كما ينبغي فقد مات الناس تجويعًا في غزة. والمعارك في تاريخنا الإسلامي كان يخرج فيها العلماء ويعلنون الجهاد، وإذا يرون أن الأمة غير جاهزة فليشغلوها بالإعداد استجابة لأمر ربهم سبحانه وتعالى. ولنا في غزوة بدر أسوة، حين خرج المسلمون للعير فأراد الله النفير لتكون كلمة الله هي العليا.
  1. ما هي أهم الفتاوي ـ في دوركم الشرعي ـ التي تحرص د. نور الحيلة أن تصل للعلماء وللأمة كي تؤدي دورا (عمليا) حقيقيا في هذه المرحلة؟

كل فتوى توقف الأمة وأفرادها عند مسئولياتهم أمام الله تعالى تجاه إخوانهم الذين يدافعون عنهم ويضحون ويقدمون الشهداء باسمهم؛ فقضية فلسطين قضية كل مسلم، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم أو قضية أهل غزة وحدهم، لكن غزة تُركت وحدها في الميدان تواجه عدو الله وعدوهم، ولا يكون العمل للقضية موسميًّا أو وفقًا لاتفاقية وقف إطلاق النار وغيرها. كل فتوى تصب في وجوب الإسناد والنصرة وفتح المعابر مع الدول المجاورة، وكل فتوى توجب الإعداد فإن المسجد الأقصى ينتظر الجيوش لتحرره، فكيف يكون تحريره بدون إعداد! أم ينتظرون من أهل غزة مجددًا أن يكونوا وحدهم في معركة التحرير. كل فتوى تكون إعدادًا وإسنادًا، ففتاوى المقاطعة الاقتصادية والسياسية والأكاديمية والثقافية مع الكيان الصهيوني هي فتاوى تصب في الجهاد في سبيل الله؛ حتى لا يكون العالم خصيم المجاهد في سبيل الله الذي باع الدنيا من أجل الله تعالى يوم القيامة.

  1. لماذا يصمت بعض العلماء حين تشتعل الساحات؟ أهو الخوف… أم اختلاف الرؤية؟

نحن لسنا أمة عاجزة، نحن أمة علمها رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم أن تستعيذ كل صباح ومساء من العجز والكسل، وعلَّمها أن الكلمة جهاد في وجه الظلم. وهذا موقف أقل ما يكون فيه النصرة والجهاد بالكلمة، ومن كان عليه أن ينصر بالكلمة فلم ينصر فهو خذلان وحرمان أن يلحق بالركب. وهل من يصمت يخاف على نفسه وقد قدم العلماء والأساتذة في غزة أرواحهم وعائلاتهم في سبيل الله؟

من أراد أن يحيا حياة طيبة فهذا هو الطريق، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). فالحياة الطيبة لا تكون بالصمت عند وجوب الكلام، فالحرب واضحة من عدوٍّ واضح فلا رؤية غير رؤية الشرع في ذلك. وكلنا جزء من هذه المعركة شئنا أم أبينا، فلننجو بأنفسنا ولنلحق بركب الجهاد، فالجهاد حياة. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: “والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ؛ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ”.


13. ماذا عن حاجة العلماء إلى مراجعة فقهية داخلية بعد كل مرحلة كبرى؟ وما هي أعمدة هذه المراجعة؟

يحتاج العلماء إلى مراجعة فقهية مستمرة، وهذا في صلب حضور الفقه الإسلامي في كل أمور حياتنا، والمراجعة الفقهية عمل أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، معتمدًا على التصور الكلي للفقه، وفقه الواقع، وفقه الأولويات.

الحاجة ملحة إلى مراجعة فقهية تتعلق بحالة الأمة وموقفها إزاء الإبادة الحاصلة في غزة، وكذلك ما يتعلق بالموقف من العدو: من تواطؤ صريح لأنظمة إسلامية مع العدو، والتعاون مع العدو من تجارة وفتح الحدود البرية والملاحة البحرية لإمداده ما يحتاجه من مواد غذائية وأسلحة، والتعامل معه وكذلك إغلاق المعابر أمام إدخال احتياجات أهل غزة، وإطلاق وصف الإرهاب على المقاومة المشروعة في غزة، والتعامل مع العدو كدولة وليس كيان غاصب.

  1. فضيلة د. نور الحيلة بعد كل هذه التجارب ومعايشة العلماء والقضية، ما هي رسالتكم ووصيتكم للعلماء والعالمات الشباب الذين يقفون على الحياد أو الذين يضّحون ويستعدون لمعركة الأمة القادمة؟

قضيتنا ليست قضية رمادية حيادية؛ وليست المعركة بين فريقين لا نستطيع التفريق بينهما، وكلنا جزء من هذه المعركة. وبشكلٍ عام من يقف على الحياد يحتار في أي الفريقين أحق أن يكون معها فيستوي عنده الطرفان، والسؤال الذي يطرح نفسه هل في هذه معركتنا مع العدو يستوي عدو الله الذي تجرد من الإنسانية وقتَّل بوحشية أهلنا في صبرا وشاتيلا وفي دير ياسين وقتَّل أهلنا في غزة على مرأى ومسمع العالم، ورأينا جثثهم تتطاير ورأيناهم يُحرقون على الهواء مباشرة ورأينا أشلاء أطفالهم المتناثرة، وتركهم للجوع وهدَّم منازلهم على رؤوسهم، وقصف بيوت الله، والمؤسسات التعليمية المختلفة، فحارب البشر والحجر، مع أهل الحق وأهل القرآن أهل الثبات الذين يدافعون عن الأمة عدو الله وعدوها، ضحوا بكلِّ شيء وتُركوا وحدهم في الميدان منذ ما يقارب ثمانين عام، وجُوِّعوا وتُركوا للبرد ينخر عظامهم ويموتون من شدته. فعن أي حيادٍ نتحدث!!

ففي هذه المعركة إما أن نكون في صف الحق فإلى جنة الدنيا والآخرة وإما إلى نار وعقاب الجبار في الدنيا قبل الآخرة. واعلم أن عدوَّك لن يتركك وشأنك في المساحة التي تراها حيادًا فستمتد يده إليك يومًا، وتكون هدفه وأنت لست غائبًا عن أهدافه.

إليكم أيها الشباب، يا روح الأمة، ومستقبلها الواعد، إن نصرة قضايا الأمة لا تكون بالشعارات، ولا تبلغ قمتها بالمشاعر الصادقة وحدها، فلابد من الوعي بهذه القضية وجذورها التاريخية، والعمل لها كل في موقعه، واعلموا أن النصر مع الصبر، وهذا الطريق يحتاج إلى نفس طويل وعزم وجد وأنتم أهل هذا الطريق.

  1. كيف يمكن أن يتحول غضب الشباب اليوم إلى مشروع استراتيجي لفلسطين؟

شباب الأمة فيهم خير كبير، وعلى المسئولين وعلى رأسهم العلماء أن يوجهوا هذه الطاقات ويستثمروها في خدمة الأمة، بعض الشباب يمتلك مهارات وإمكانيات ولكنه يحتاج إلى من يوجهه، وهذا يقع على عاتق العلماء في التخصصات المختلفة.

إلى الشباب روح هذه الأمة وقلبها النابض، احرصوا على العمل في مجموعات فتخرج أفكارًا بدل فكرة واحدة، وتُنتج مشاريع بدل مشروع واحد. ليكن غضبكم من أجل قضيتكم طاقات تتفجر بمشاريع لنصرة الأمة، كل في تخصصه ومجاله. إننا بحاجة اليوم إلى إنتاج منصات رقمية ومواقع تواصل خاصة بنا، بدلًا من التي يديرها العدو ويقيدها كما تخدم روايته. ابنوا من غضبكم هذا شبكات شبابية تعبر الحدود والجغرافيا، تخطط وتنظم للمشروع الكبير المبني على الوعي والفكر والتخطيط والعمل الجاد. إياكم واليأس فإن دماء الشهداء لا تمضي سدى، وهذا الطغيان كُسر وهُزم في يوم السابع من أكتوبر، هُزم داخليًّا واهترأ وهزم عالميًا؛ فكل العالم يصرخ أنه كيان قاتل. لم تعد الأمور كما قبل السابع من أكتوبر، أنتم من تصنعون التاريخ.

  1. هل ترين نصرا من بعيد؟ وهل ترين بين مآذن الأقصى ومن بين ركام غزة نصرا يشرق؟

لقد عشنا النصر من قريب لا من بعيد ولله الحمد، حين دخل هؤلاء الشباب بعد صلاة الفجر على العدو وأوقعوهم بين قتيل وجريح وأسير، لقد عشنا عزًّا غاب عنّا طويلًا، وعشنا نصرًا في الحروب الأخرى على غزة، وخرجنا نحتفل بالنصر في غزتنا، أما نصر السابع من أكتوبر فهو إحياء للأمة وإعادة تاريخ انتصاراتها وهو بداية النصر الكبير بتحرير المسجد الأقصى فإنه أقرب ما يكون يقينًا بالله تعالى، ثم ثقة بمقاومتنا، وحتى ولو ارتقى كثيرٌ من قادتها فيخلف القائد قادة والجنود عشرات بل مئات من الجنود، وقد ارتقى قادة كثر من قادة المقاومة سابقًا فكان من بعدهم، حملوا الراية وأكملوا المسير، ففي الأمة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وفيهم أحفاد خالد تمضي تجاهد بإذن الله. 

قد يعجبك أيضاً