3/2/2026

د. عمر الجيوسي

نقلاً عن موقع قدس برس: https://qudspress.com/246808

سجّل قطاع غزة خلال عام 2025 تراجعًا لافتًا في معدلات المواليد، في مؤشر صحي وإنساني ينذر بتداعيات مستقبلية عميقة، في ظل استمرار الحرب والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية.

وأظهرت بيانات وزارة الصحة في غزة أن القطاع شهد ولادة نحو خمسين ألف طفل خلال عام 2025، بانخفاض نسبته 11 بالمئة مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب. وقال مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، إن هذا التراجع يعكس التدهور الحاد في الأوضاع الصحية والمعيشية، وتأثير الحرب المباشر على صحة النساء الحوامل وقدرتهن على الوصول إلى الرعاية الطبية.

وأوضح البرش، في تصريحات صحفية، أن القطاع الصحي سجّل 4 آلاف و900 حالة ولادة بوزن منخفض، بزيادة تجاوزت 60 بالمئة عن فترة ما قبل الحرب، نتيجة سوء التغذية وغياب المتابعة الطبية، إضافة إلى 4 آلاف و100 حالة ولادة مبكرة، بفعل الضغوط النفسية والجسدية القاسية التي تعرضت لها الأمهات خلال النزوح والقصف.

وأشار إلى تسجيل 616 حالة وفاة داخل الأرحام خلال عام 2025، وهو ضعف المعدلات المسجلة قبل الحرب، إلى جانب 457 حالة وفاة لحديثي الولادة، بارتفاع بلغ 50 بالمئة، في ظل النقص الحاد في الحضّانات والأدوية وانقطاع الكهرباء وتدمير أقسام الولادة.

وتتقاطع هذه الأرقام مع تحذيرات صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي أكد في تقاريره أن النساء في غزة يلدن في ظروف غير آمنة، مع ارتفاع غير مسبوق في الولادات المبكرة وتشوهات الأجنة ووفيات الأمهات، نتيجة الجوع والضغط النفسي وغياب الرعاية الصحية.

 كما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” من أن سوء التغذية لدى الأمهات انعكس مباشرة على صحة المواليد، مع تزايد حالات الوزن المنخفض عند الولادة ومضاعفات ما بعد الولادة.

وفي السياق ذاته، أكدت منظمة الصحة العالمية أن خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة أجبر آلاف النساء على الولادة خارج المرافق الطبية، في ظروف بالغة الخطورة طبيًا، وسط نقص حاد في الطواقم والمستلزمات الأساسية.

وعلى مستوى التغطية الإعلامية، لم تتناول الصحافة العالمية ملف الولادات في غزة كقضية إنسانية مستقلة، بل عالجته من زوايا طبية وأمنية وديموغرافية. وركّزت صحف إسرائيلية مثل “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” على البعد الديموغرافي للحرب، متحدثة عن أرقام مواليد أعلى من الواقع، وصلت إلى ستين ألف مولود، في مقاربات عكست مخاوف مستقبلية تتعلق بتركيبة السكان وتداعيات الضغط الصحي طويل الأمد.

في المقابل، تناولت صحف ووكالات عالمية مثل “رويترز” و”أسوشيتد برس” و”نيويورك تايمز” أزمة الولادات في غزة من زاوية انهيار النظام الصحي، مشيرة إلى ارتفاع الإجهاضات والولادات المبكرة ووفاة حديثي الولادة، وربطت ذلك بالجوع والصدمة النفسية واستهداف البنية التحتية الصحية.

وتكافح المستشفيات المتبقية لتقديم الرعاية الطبية وسط نقص المعدات والأدوية وقلة الطواقم، فيما تتزايد المخاوف من آثار طويلة الأمد على جيل كامل من الأطفال، يولدون في ظروف استثنائية تهدد صحتهم ونموهم ومستقبلهم.

وتخلص المعطيات الصحية والأممية والإعلامية إلى أن تراجع المواليد في غزة لا يعكس مجرد انخفاض عددي، بل يكشف أزمة مركبة تمس الحاضر والمستقبل، وتستدعي تدخلًا إنسانيًا عاجلًا لحماية النساء الحوامل وحديثي الولادة، وضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية في القطاع.

وتأتي تلك المعطيات والأرقام، بينما يعيش القطاع آثار عدوان مستمر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلّف إبادة جماعية شملت القتل والتجويع والتهجير والاعتقال، متجاهلًا النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

وأسفر العدوان عن أكثر من 242 ألف شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام لا تقي من البرد، وسط مجاعة أودت بحياة كثيرين، ودمار واسع محا معظم مدن القطاع.