د. عمر حماد عضو هيئة علماء فلسطين
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لاَ حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رواه البخاري ومسلم.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ “، فَقَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ»

الشرح والتعليق
1- هذه الأحاديث تدل على جواز قتل النساء والأطفال إذا كانوا مع الرجال المقاتلين في المكان نفسه إذا لم يقاتلوا بشرط عدم القصد إلى قتالهم، بل يتقتلون تبعا للرجال المقاتلين.
2- قوله (وأنا بالأبْواءِ- أو بوَدَّانَ-) هُما مَوضِعانِ مُتَجاوِرانِ بيْنَ مكَّةَ والمَدينةِ، ويَتبَعانِ مِنطَقةَ رابِغٍ حاليا، وتَبعُدانِ عنها حوالي 67 كم شمال مِنطَقةِ مكَّةَ المكرَّمةِ.
3- قوله (يبيَّتون) التّبييت لغةً: مصدر بيّت الأمر إذا دبّره ليلاً ، وبيّت النّيّة على الأمر : إذا عزم عليه ليلاً فهي مبيَّتة (بفتح الياء) . وبيّت العدوّ: أي داهمه ليلاً. وفي التّنزيل العزيز {إذْ يُبَيِّتُون ما لا يرضى من القولِ} وفي السّيرة : « هذا أمر بُيِّتَ بليل »
4- يطلق العرب البيات أو التّبييت على الإغارة على العدوّ ليلاً.
5- الفرق بين تبييت العدوّ وبين الإغارة عليه : أنّ الإغارة مطلقة ، إذ تكون ليلاً أو نهاراً ، أمّا التّبييت فهو في اللّيل .
6- قال الصنعاني: والتبييتُ: الإغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم فيصاب النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء ا.هـ.
7- وقد اختلف العلماء في هذه المسألة :
(أولا) ذهب الجمهور: إلى جواز قتل النساء والصبيان في البيات عملاً بالحديث المذكور ومعنى قوله “هم منهم” أي في إباحة القتل تبعاً لا قصداً إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل. قال الشوكاني :قوله (هم منهم) : أي في الحكم في تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى المشركين إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم .
(ثانيا) ذهب مالك والأوزاعي: إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى إذا تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة هما فيهما لم يجز قتالهم ولا تحريقهم.
وإليه ذهب بعضهم إلا أنهم قالوا في التترس: يجوز قتل النساء والصبيان حيث جعلوا ترساً، ولا يجوز إذا تترسوا بمسلم إلا مع خشية استئصال المسلمين. ونقل ابن بطال وغيره اتفاق الجميع على عدم جواز القصد إلى قتل النساء والصبيان للنهي عن ذلك،.
8- قوله (هم منهم) . قال الشوكاني 🙁 أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم ؛ بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى المشركين إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم ) ا.هـ
9- فقوله: (هم منهم) يعني أنهم تبع للرجال، وما مر من الأحاديث في النهي عن قتل النساء والصبيان المقصود به كونهم يقصدون بالقتل، كون المرأة يراد قتلها والصبي يراد قتله، فهذا هو الذي لا يجوز. وأما إذا كانوا مختلطين، أو كان الكفار متترسين بالنساء والصبيان أو بينهم نساء وصبيان وهم يرسلون السهام على الناس والمسلمون يرسلون السهام عليهم فتصيب نساءً أو صبياناً فهذا ليس فيه بأس، ولا مانع من ذلك. وذكر أن عمرو بن دينار كان يقول: [ (هم من آبائهم) ]. ومعناه أن الصبيان حكمهم حكم الآباء فهم تابعون لهم، وإذا حصل قتلهم فليسوا مقصودين.
10- وفي الحديث دليل علي جواز العمليات الاستشهادية، ويقصد بها تبييت العدو ليلا أو نهارا وقتله والنكاية فيه وإن تضمن ذلك قتل من لا يجوز قتله من صبيان الكفار ونسائهم، قال ابن قدامة في المغني : يجوز تبييت العدو، وقال أحمد : لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، وقال : لا نعلم أحداً كره البيات.
11- ووجه الدلالة على جواز العمليات الاستشهادية أنه إذا جاز قتل من لا يجوز قتله من أجل النكاية في العدو وهزيمته فيقال : وكذلك ذهاب نفس المجاهد المسلم التي لا يجوز إذهابها , لو ذهبت من أجل النكاية جاز أيضاً, ونساء الكفار وصبيانهم في البيات قتلوا بأيدي من لا يجوز له فعله لولا مقاصد الجهاد والنيات ] ا.هـ.
12- قوله (لا حمى إلا لله ورسوله) “لا حِمى” بمَعْنى المحميِّ، وهو مَكانٌ يُحْمى من النَّاسِ والماشِيةِ؛ لِيكثُرَ كَلَؤُهُ وعُشبُهُ، (إلَّا للهِ ولرَسولِهِ)، أي: لا يَنبَغي لأحَدٍ أنْ يَفعَلَ ذلِكَ إلَّا بإذْنٍ من اللهِ ورَسولِهِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحْمي لِخَيلِ الجِهادِ وإبِلِ الصَّدَقةِ.
13- قال الحافظ في الفتح: قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئينِ:
أحدهما: ليس لأحدٍ أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم.
والآخر: معناه: إلا على مثل ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخليفة خاصة؛ اهـ.
والظاهر هو المعنى الثاني؛ لِما ثبت أن عمر رضي الله عنه حمى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حمى عثمان بعد عمر رضي الله عنهما، فقد تواتر عند الناس أن عمر حمى الشرف والرَّبَذة،
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الشهادة، وأن يبلغنا منازل الشهداء
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين
مع تحيات د. عمر حماد
الجمعة 6/9/2024م
الموافق 2/ربيع الأول/1446هـ