خاص هيئة علماء فلسطين

    

د. مراد اشهيلي

مقدمة

الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وجميل إحسانه وتمام إنعامه، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وإمام أنبيائه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم لقائه. وبعد:

فإن مبحث التعارض والترجيح من المباحث الأصولية العظيمة القدر، والخطيرة الأمر, والجليلة الشأن، قعَّد فيها الأصوليون كعادتهم قواعد عامة كلية، ولم يتعرضوا للتفصيلات والجزئيات، وخاصة قاعدة الجمع والتوفيق بين الأدلة، فما بسطوا القول فيها، ولا أطنبوا فيها الكلام…؛ لأن هذا ليس من صميم عملهم، ولا مجال اشتغالهم؛ لأن شغلهم هو وضع قواعد كلية عامة، تسهل على الفقيه عمله في استثمار الأدلة الشرعية، وتنزيلها على الوقائع الجزئية، فتولّى فقهاؤنا الأجلّاء بمختلف مدارسهم ومذاهبهم بيانَ ما أجْمله الأصوليون، وتفصيله في قواعدهم الأصولية العامة؛ بيانًا عمليًّا, فاستثمروا هذه القواعد في نظرهم للأدلة وتنزيلها على واقع حياة المكلفين الْمَعيش، ومن جملة هذه الأدلة ما قد يبدو للناظر أنها متعارضةٌ فيما بينها، ينفي بعضُها ما قد يثبته الآخر، فأبدع فقهاؤنا -رحمهم الله- وتفنَّنوا في وجوه الجمع بين الأدلة ومسالكه؛ إعمالًا لقاعدة: “الأصلُ في الأدلَّة الإعْمالُ لا الإهْمالُ”[1].

فكان منهجُهم هذا خليقًا بأن يحظى بعناية الدارسين والباحثين المعاصرين، وهو ما حدث بالفعل إذ قامت دراساتٌ وبحوث معاصرة خاصة بمبحث “التَّعارُض والتَّرجيح”[2]

غير أن هذه الدراسات وتلك البحوث كلها دراساتٌ عامة  أصولية فقهية حديثية …، لم تفرد منها دراسة واحدة لتَتَبُّع وتلمس منهج مذهب فقهي معين من مذاهبنا الفقهية وإبداعاتها في باب التعارض والترجيح، ومع ذلك فهي جهود مباركة محمودة ينبغي أن تُشكر، وفيها فوائدُ لا ينكرها إلا مكابر، غير أن الفائدة ستكون أكبرَ وأبلغ وأتمَّ لو درس هذا الموضوع ـــ موضوع التعارض والترجيح ـــــ من جانبه الفقهي الخاص بمذهبٍ من المذاهب الفقهية المعتبرة، حتى يتسنى لنا الوقوفُ أولًا على مَناهجهم، والاستفادة منها ثانيًا.

فكان هذا السبب دافعًا لي وحافزًا على تخصيص دراسة مقتضبة لمنهج مدرسة فقهية من مدارسنا العريقة في الجمع والتوفيق بين الأدلة التي تظهر عند بَادِئ الرأي أنها متعارضة، وهي المدرسة المالكية، بعنوان:  “الجمعُ بين الأدلة في المذهب المالكي مفهومُه, وشروطُه, ومسالكُه, وتوسُّعهم في الأخذ به”

فجاء هذا البحثُ؛ محاولةً لتلمُّس منْهج المالكية المتفرِّد في التعامل مع الأدلة التي ظاهرها التعارض، وإبرازًا لمعالم هذا المنهج الذي ربما خفي على بعض الباحثين[3] حتى حكَم على المالكية بخلاف ما عُرف عنهم, وشهِّر بينهم من التعامل مع الأدلة التي ظاهرها التعارض.

إشكاليةُ البحث وأسئلته:

  • فما هو مفهوم الجمع والتوفيق بين الأدلّة؟
  • وما هي الشروط المشْترطة في الأدلة التي يُقال بالجمع بينها؟ ومن يتولّى عملية الجمع هاته؟
  • وما هي مسالكُ الجمع, ووجوهُه التي عمِل بها المالكية؟
  • وهل المَالكية فعلًا مضَيِّقون ومتشدِّدون في القول بالجمع بين الأدلة المتعارضة؟ أم أنَّ واقع الأمر خلافُ ذلك؟

فكانت الدراسة إجابةً عن هذه التَّساؤلات, وإيضاحًا لهذه الإشكالات، لذا آثرت أن أتناولَ هذا الموضوع في:

 مقدمة

 وتمهيد: ذكرتُ فيه الأدلة على نفْي التعارض بين نصوص الشَّريعة، وما قعده علماؤنا من قواعد لدفْع التعارض المُتوَهَّم .

  وأربعة مباحثَ:

المبحث الأول: مفهومُ الجَمع بين الأدلة.

المبحث الثاني: شروطُ الجمع بين الأدلّة عند المالِكية.

المبحث الثالث: أوْجه الجمع, ومسالكُ التأليف بين الأدلة التي ظاهرها التَّعارض عند المالكية.

المبحث الرابع: توسُّع المالكية في الجمع بين الأدلة, ودرءُ شبهة تشدُّد مذهبهم في قَبول الجمع بين الأدلة.

الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج.

تمهيد

        الجمعُ بين الأدلَّة الشرعية ضَرْب من ضروب نفيِ التَّعارض عن الشريعة الإسلامية الغرَّاء، التي نزلت من عند أحْكم الحاكمين، فجاءت أحكامُها متَّسقَة ومتآلفة متكاملةً، ونزَّهها وصانها عن أي تعارضٍ أوتضادٍّ أوتنافٍ بين أحكامها،﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء الآية82].

        ومسألةُ نفي التعارض بين أحكام الشريعة مما اتفَّقت عليه أقوالُ العلماء، وتواطَأَت عليه كلمتُهم، واجْتمع عليه أمرُهم.

        قال الإمام الشّافعي: ” لا يصحُّ عن النبي r أبدًا حديثان صحيحان متضادّان، ينفي أحدهما ما يثْبته الآخر، من غير جهة العموم والخصوص، والإجمال والتّفسير إلا على وجْه النسخ.”[4]

        ونفى الإمامُ أبو إسحاق الشاطبي نفيًا قاطعًا وجود تعارضٍ حقيقي بين الأحكامِ الشرعية في الواقع ونفسِ الأمر، وإنما مردُّ ذلك إلى قِصَر الناظر في الأحكام الشرعية الذي قد يتوهم وجود التّعارض بينها.

        قال الإمام الشاطبي: “كل من تحقّق بأصول الشَّريعة فأدلَّتها عنده لا تكادُ تتعارض…؛ لأن الشريعةَ لا تعارض فيها البتّة، فالمتحقِّق بها متحققٌ بما في الأمر، فيلْزَم أن لا يكون عنده تعارضٌ، ولذلك لا تجد البتَّة دليليْن أجمع المسلمون على تعارضهما بحيْث وجب عليهم الوُقوفُ، لكن لما كان أفرادُ المجتهدِين غيرَ معصومِين من الخطأ؛ أمْكن التعارضُ بين الأدلة عندهم”[5].

        ويزيد هذا المعنى تقريرًا وتأكيدًا وبيانًا فيقول: “التّعارض إما أن يعتبرَ من جهة ما في نفسِ الأمر، وإما من جهة نظر المجتهدِ، أمّا من جهة ما في نفس الأمر، فغيرُ ممكن بإطلاق… وأمّا من جهة نظر المجتهدِ فممكنٌ بلا خلاف”[6].

 فالتعارضُ بين الأدلّة لا وجودَ له في شريعتنا، وغير ممكن تصوُّرُه في حقيقة الأمر، لكن قد يبْدُو للناظر في الأدلَّة الشرعية وجودَ تعارضٍ بينهَا؛ لطَبِيعته البشريّة التي جُبِلتْ على مَحْدودِية الفَهْم، وقلَّة العِلم، ومصاحبةِ الخطأ.

ودفعًا لهذا التَّعارض الظّاهر بين الأحكام الشّرعية الذِي قد يتخيّله الناظرُ فيها ويتوهّمه، قعَّد علماؤنا الأجلّاء قواعدَ أربع جعلوها مسالِك للتّعامل مع الأحكام الشّرعية التي ظاهرُها التعارض؛ لدرء هذا التعارض المتوَهّم، وتنزِيه الشريعة عنه، وحتى يطابقَ ظاهرُ الأحكام واقعَ الأمر وحقيقتَه، وهذه المسالكُ الأربعة اتّفق العلماء على الأخذ بها في الجُملة، وإن اختلفوا فيما بينهم في تقديم مَسلك وتأخيرِ آخر، فهم متَّفقون في عدَدِها وأنوَاعها.

قال الباجي محدّدًا هذه المسالك, وترْتيبها عند المالكية والجُمهور:  “إذا تعارض لفظان على وجهٍ لا يمكن الجمعُ بينهما، فإنْ عُلِمَ التّاريخ فيهما نُسخ المتقدِّم بالمتأخِّر، وإن جُهل ذلك نُظر في ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه التّرجيح، فإن تعذّر الترجيح في أحدهما تُرك النّظر فيهما, وعُدل إلى سائر أدلّة الشرع”[7].

        وقال ابن عبد الشّكور متحدّثاً عن ترتيب السادة الحنفيّة لطرق دفع التعارض بين الأحكام الشّرعية: “…وحُكمُه – أي التعارض – النسخُ إن عُلم المتأخّر، وإلا فالترجيحُ إن أمْكن، وإلا فالجمعُ بقَدْر الإمكان، وإن لم يُمكن تَسَاقطا، فالمصِير في الحادثة إلى ما دونهما إن وُجد، وإلا فالعمَل بالأصل”[8].

        هذه القواعدُ حسب ترتيب المالكية والجمهور:

أ ــ الجمعُ بين الأدلة والتوفيق بينَها.

ب ــ نسخُ الدليل المتقدّم بالدليل المتأخّر عند تعذر الجمعِ بين الأدلة المتعارضة.

ج ــ الترجيحُ بين الأدلَّة التي ظاهرها التعارض بضَرب من ضروب التّرجيح.

د ــ القول بتَسَاقط الأدلة، عندما يتعذّر على المجتهد الجمعُ بين الأدلة، ولم يتسَنّ له الوقوفُ على تاريخها لمعرفة المتقدّم من المتأخر ليقول بالنسخ، وتتساوَى عنده الأدلّة هاته في القوّة بحيث يتعذّر معها الترجيح بينها، فَيقول بتَساقط الأدلة التي ظاهرها التعارض، ويبحث عن حُكم المسألة في دليل أو أدلّة أخرى.

من خلال ما تقدّم نُدرك أن الجمعَ بين الأدلّة الشرعية وجهٌ من وُجوه دفْع التعارض عن الشريعة الغرّاء. 

المبحث الأول: مفهومُ الجمع بين الأدلّة.

للوقوفِ على معنى عبارة الجمعِ بين الأدلة علينا أن نُفكِّك جُزئيات هذا المركّب الإسنادي، والوُقوف على المعنى اللّغوي لكل مفردة من مفرداتها، ثم نُعقِبها بتعريف هذه المفردات حالة كونها مركّبة، والذي يهُمنا من مفردات هذا المركب هو كلمَتي: “الجمع والأدلة”.

الجمع لغة:

الجمع في اللغة مصدر قولك جَمعت الشيء أجمعُه[9]، ومعناه: ضمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقد يختص هذا الضمُّ بالأشياء المتفرّقة والمتناثِرة على وجه يصَيِّر الشيء المتفرق متآلفًا، ولذا يقال: “جمع الشيء المفْترق فاجتمع”[10]، أو “ضَمُّ ما من شأنه الافتراق والتّناثر وتأليفه, وإن لم يُجعل كالشيء الواحد”.[11]

الأدلة لغة:

الأدلة جمع دليل، والدليل، اسم فاعل من دلَّ يدُلُّ، ويطلق في اللغة ويراد به:

أ – المرشدُ والكاشف والهادي، قال الفيومي: ” … والدّليل الدال، وقد دلَّه على الطريق يدُلُّه دَلالة, ودِلالة, ودُلُولة”[12]، ويقال: “دله على الشيء … فاندلَّ سدَّده إليه”[13].

ب- ما يقع به الإرشاد والاهتداءُ، قال مرتضى الزبيدي: ” الدليل: المرشد وما به الإرشاد”[14]

ج- الأمَارة والعلامة في الشيء، قال ابن فارس: “والدليل الأمارة في الشيء، وهو بين الدَّلالة والدِّلالة… أو إبانة الشيء بأمارة تتعلَّمها”.[15]

فالدليل في اللغة إذن يُطلق على المرشد والهادي، وعلى الطّريقة التي يتِم بها كشفُ الأشياء وجلاؤها وتبْيينها، وعلى الأمَارات والعلامات التي يُستَدل بها عن الأشياء المبحوث عنها.

وهذه المعاني رُوعيت كلها في معنى الدّليل الاصطلاحي لدى الأصوليين؛ لأن المعانيَ اللغوية للألفاظ لها ارتباط وثيقٌ بالمعاني الاصطلاحية في الغالب الأعمّ.

الدليل في الاصطلاح:

عرَّف الأصوليون الدليل بتعريفات متعدّدة، إلا أن التعريف المتدَاوَل لدى متأخري علماء الأصول والذي استقرّ عليه الدّرس الأصولي لتعريف الدليل هو قولهم: “الدليل ما يمكن التوصّلُ بصحيح النّظر فيه إلى مطلوبٍ خبري”[16].

فالدليل كما جاء في التعريف وسيلة وطريقة إلى معرفة الأشياء التي يُنظر فيها ويُبحث عنها، فهو مرشد وهادٍ إلى المعرفة؛ لما اشتمل عليه من أمَارات وعلامات.

معنى الجمع بين الأدلة باعتباره مركباً إسنادياً:

لم أعثر لعلمائنا القدامى على تعريفٍ للجمع بين الأدلَّة الشرعية، وحاول عددٌ من الباحثين المعاصرين الذين تعرّضوا في بحوثهم ودراساتِهم للمبحث الأصولي: “التعارض والترجيح بين الأدلة” وضعَ تعريف لمعنى الجمع بين الأدلّة، أسُوق تعريفاتهم أولًا والاعتراضات التي يُمكن أن تُورَد عليها، مبيّنًا وجوه القصور التي لاحت لي في هذه التعريفات، ثم أذكر تعريفًا رأيت أنه جامعٌ مانع لمفهوم الجمع بين الأدلة.

  1. تعريف عبد المجيد السُّوسوة للجمع بين الأدلة:

عرّف عبد المجيد السوسوة الجمع والتّوفيق بين الأدلة بقوله: ” بيانُ التآلف بين ما ظاهره التعَارض من الأحاديث، وذلك بالجمع بينها؛ ليعملَ بها معًا“.[17]

وجه الاعتراض على التعريف:

تعريفُ الأستاذ السوسوة تعريف خاصّ بالجمع بين نوع من أنواع الأدلّة الشرعية، وهو الجمعُ بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فهو تعريفٌ خاص بنوع من الأدلّة الشّرعية، ولا يعمُّها جميعها.

  • تعريف عبد اللطيف البرزنجي للجمع بين الأدلة:

عرّف البرزنجي الجمع بين الأدلة قائلًا: ” … وأمّا ـ أي: الجمع ـ اصطلاحًا: فالجمعُ بين المتعارضَين، وتأويلُ المختلفَين، والتوفيق بينهما، والتخلُّص من التعارض، ودفعُه بينها[18].

الاعتراضات على التعريف:

  •  أن البرزنجي وقع في دورٍ وتسَلْسل كما في اصطلاح المناطقة، حيث عرّف مجهولًا وهو مصطلح: “الجمع” الذي سِيق له التعريف، بمجهول مثله وهو قوله: “فالجمْع بين إلخ”.
  • تعريفه غير مانعٍ من دخول غير المعَرَّف – الجمع- في التعريف، حيث لم يبين ثمرةَ هذا التأويل بين المختلفين، ولا مسلكَ دفع التعارض بين الأدلة والتخلُّص منه، هل بالعمل بالأدلة المتعارضة كلِّها وعدم إهْمال بعضها؟ أم بنسخِ المتأخّر للمتقدم منها؟ أم بترجيح بعضها على بعض؟
  • وعرف محمد إبراهيم الحفناوي الجمع بين الأدلة بقوله: ” الجمع اصطلاحًا بيان التّوافق والائتلاف بين الأدلّة الشرعية، سواء كانت عقليةً أو نقلية، وإظهارُ أن الاختلافَ غير موجود بينهما حقيقةً، وسواء كان ذلك البيانُ بتأويل الطّرفين أو أحَدهما[19].

أوجه الاعتراض على تعريف الحفناوي:

  •  أنه طويلٌ، والتعريفات ينبغي أن تكون عبارتها محرَّرةً موجزة،ً وهذا التعريفُ أشبَه بالشرح منه إلى التعريف.
  • فيه تكرارٌ، حيث استهل تعريفَه بعبارة: “بيان التوافق والائتلاف بين الأدلّة”، ثم عاد مرة أخرى وذكرَ في أثناء التعريف عاطفًا على المعنى الأول: “وإظهار أن الاختلاف غيرُ موجود”، فهذا تكرار أغنت عنه عبارة: “بيان التوافق والائتلاف”؛ لأن بهذا البيان يُدفع وجْه التعارض بين الأدلة الظاهرِ للنّاظر لأول وَهلة، فلا حاجة لذكره ثانيًا.

التعريف المختار:

بعد استعراضنا لتعريفات الباحثين للجمع بين الأدلة، وذكرِ الملاحظات والاعتراضات, وأوجُه القصور التي لاحت لنا عليها، يمكننا أن نصُوغ تعريفًا رأينا أنه محرَّرٌ لمصطلح الجمع بين الأدلة الشرعية فأقول:

الجمع بين الأدلة الشرعية هو: ” بيانُ سبل الائتلافِ بين الأدلة الشرعية التي ظاهرُها التعارض على وجهٍ يؤدّي للعمل بها جميعًا ولو من وجهٍ“.

تحليل مفردات التعريف:

قولنا: ” بيان”، جنس شمل كل أنواع البيانات.

وعبارة: “سبُل الائتلاف”، قيد خرج به ما عداه من البيانات الأخرى؛ كبيان نسخ إحدى الأدلة المتعارضة، أو بيان وجهِ الترجيح بين الأدلة المتعارضة…

وعبارة: “الأدلة الشرعية”، قيد أخرج الأدلة الأخرى غير الشرعية، الأدلَّة العادية، والأدلة الحسّية، والأدلة العقلية.

وعبارة: “ظاهرها التعارض”، قيد أخرج الأدلة الشرعية التي لا تعارض بينها، فهي أدلة متآلفةٌ، لا تحتاج لبيان وجه توافقها.

وعبارة: “على وجه يؤَدّي للعمل بها جميعًا”، قيد أخرج ما يعرف عند الأصوليين بتساقط الأدلة المتعارضةِ، أو التّخيير بينها وإهمال إحداها، أو الترجيح بينها، أو القول بنسخ بعضها، عندما يتعذر على المجتهد الجمعُ بينها بوجهٍ من الوجوه.

المبحث الثاني: شروط الجمع بين الأدلة  عند المالكية

اشترط العلماء في الأدلة الشّرعية التي يُرَاد الجمع بينها شروطًا لا بد من توفُّرها فيها، فليست الأدلةُ كلها في منزلة متساوية، وعلى وزن واحد في القوّة والوضوح، كل دليل يقْوى على معارضة دليل آخر في الحُجِّية والبرهان، وليس كل ناظر في الدليل يستطيع أن يقومَ بعملية الجمع هاته، فليست الأدلة كلَأً مباحًا لكل أحدٍ يتصرف فيها كيف يشاء حسب هواه ومِزاجه، بل الأمر مقصورٌ على خاصة الناس الذين توفّرت فيهم أوصاف، وامتلَكوا أسبابًا أهّلتهم للنظر في الدليل، واستجمعوا شرائطَ الاجتهاد وأدواتِه.

من أجل هذا وضع العلماء شروطًا للقول بالجمع بين الأدلة, وهي:

  1. ثبوتُ الحُجية لكل واحد من الأدلة المتعارضة، والحجية في الدليل تثبت عند المالكية باجتماع أمور فيه[20]:
  2.  صحةُ النقل فيه، وهذا خاص بالحديث؛ لأن القرآنَ الكريم طريقة نقله قطعيةٌ مجمع عليها بين المسلمين، ويُقصَد بصحة النقل أن يكون الدليل داخلًا في دائرة المقبُول المعلومة عند المحدِّثين، ولا يشترط المالكية للجمع بين الأدلة المتعارضة تساويها في القُوة[21]، كما اشترطه الحنفية[22], وبعض الشافعية،[23] بل يكفي أن يكون الدليلُ مقبولًا غير مردود، فلا جمع بين الدليل الْمَرضي المقبول، وبين الدليل المرفوض المردود إذا تعارضا، بل يعمل بالدليل المقبول، ويهمل الدليل المردُود.
  3. ب‌-                         وضوحُ دلالة الدليل في المسألة التي يُستدل به عليها بوجه من أوجه الدّلالة المعروفة، أما إذا تعارض دليلان أحدهما واضحُ الدلالة في المعنى المراد، والآخر غير متَّضِح الدلالة فيه؛ فإنه يعمل بالدليل الواضح الدلالة في المسألة, ويهمل الدليل الخفِي الدلالة في المعنى المراد.

قال الإمام الخرشي: “قال مالك: ولا بأس بالتَّسبيح في الصلاة للحاجة للرجال والنساء، وضعَّف أمرَ التصفيق بحديث التسبيح، وهو قوله: “من نابَهُ شيء في صلاته فليُسَبح”؛ لأن “مَنْ” مِن ألفاظ العموم، وقوله: “إنما التصفيقُ للنساء[24]” يحتمل أن يكون على وجه الذّم، ويحتمل أن يكون أراد على وجه التخْصيص، أي: للفظ العام، فقدَّم الظاهرَ على المحتَمَل“.[25]

ج- أن يكون الدليل مستمِرَّ الإِحكام، ولم يثبت نسخُه عن المعصوم عليه السلام، ولا يُكتفى في القول بالنسخ عند المالكية فقط معرفة المتقدم من المتأخر من الأدلة المتعارضة[26] كما هو الأمر عند الحنفية[27]، وبعض الشافعية[28]، فلا يلجؤون إلى القول بالنسخ بين هاته الأدلة المتعارضة المعلومة تاريخ نُزولها أو وُرودها إلا حينما يتعذّر عليهم الجمع بينها، فالمالكية احتاطوا في مسألة النسخ احتياطًا شديدًا[29].

قال أبو إسحاق الشّاطبي: ” إن غالب ما ادُّعي فيه النسخ إذا تؤمل وجدته متنازعًا فيه، ومحتمِلًا، وقريبًا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه”[30].

  • أن تكون صورة الجمع ووجهُه بين الأدلة المتعارضة مقبولةً لغة، وموافقة لروح الشرع، منسجمة مع نصوصه وأحكامه، فلا يُعْتسف في الجمع بين الأدلة بتأويل بعيد مُتكلَّف لغة، أو أن يكون وجه الجمع بين المتعارضين مخالفًا للنُّصوص الشرعية الصحيحة، ومبادئها السنية.

قال أبو إسحاق الشاطبي في التأويل القريب غير البعيد الذي يمكن عن طريقه الجمع: ” إن غالبَ ما ادُّعِي فيه النسخ إذا تؤمل وجدته متنازعًا فيه، ومحتمِلًا، وقريبًا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجهٍ”[31].

  • أن يكون من يباشِر عملية الجمع أهلًا لهاته العملية، قد تحقَّقت فيه شرائطُ الاجتهاد، فالناظر في الأدلة الشرعية قصدَ استنباط الأحكام الفقهية منها, وتنزيلها على حياة المكلَّفين وواقعِهم المعيش؛ لا بد وأن يكون متمكنًا من استثارة الظن بالنظر، متحققًا وحائزًا على إحدى مراتب الاجتهاد بشروطها المفصَّلة عند علماء الأصول، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يرْقى هذا المُرتقى الصّعب, ويتجاسر عليه دون التزوُّد بزاده, وإعداده عدتَه.

قال أبو إسحاق الشاطبي موضحًا هذا الأمر: “وجودُ الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمُها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئًا، فليس النظر في الأدلة والاستنباطُ من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتَّة”.[32]

المبحث الثالث: مسالك الجمع والتأليف بين الأدلة الشرعية التي ظاهرها التعارض عند المالكية

سلك المالكيةُ مسالك عدَّة للجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وحمَلوها على وجوهٍ مكّنتهم من دفع التعارض الظاهري بينها، والعمل بالأدلة جميعها على نحو متآلفٍ متناسق بين الأدلة، على وفقِ قواعد اللغة العربية, وروحِ الشريعة.

هذه المسالك بعضُها نص عليه فقهاء المالكية في كتبهم الأصولية، وبعضها مما استنبطْته من تصرفاتهم, وصنيعهم عند جمعهم بين الأدلة الشرعية التي ظاهرها التعارض.

قال الإمام أبُو إسحاق الشاطبي متحدثًا عن بعض هذه المسالك: “إن غالب ما ادعي فيه النسخ إذا تؤمل وجدته متنازعًا فيه، ومحتملًا، وقريبًا من التأويل، بالجمع بين الدليلين على وجهٍ، من كون الثاني بيانًا لمجمل، أو تخصيصًا لعموم، أو تقييدًا لمطلق، وما أشبه ذلك من وجوه الجمع”[33]

وهذه المسالك هي:

  1. الجمع بين الدليلين المتعارضين بحَمل العامّ منهما على الخاص.

        قد يتوارَد دليلان أو أكثر على محل واحد، وفي زمن واحد، وحالة واحدة، أحدُهما يأمر، والآخر ينهى، فينفي أحدُهما ما يثبته الآخر، فيخَيل إلى الناظر أن بينهما تعارضًا، لكن عند التمعُّن في الدليلين قد نجد بينهما عمومًا وخصوصًا، فلو عملنا بالخاص في محلّه، وبالعام في غير ما دل عليه الخاص لانتفى هذا التعارضُ، وهذا المسلك عمِل به المالكية، ولم يشترطوا اتحادَ زمان العام والخاص، ولا قربَهما بل يحملون العام على الخاص نزل العامُ أولًا أو الخاص، اقتربا في الزمان أو ابتعدا.

قال الإمام الباجي: ” إذا تعارضَ لفظان خاص وعام؛ بُني العام على الخاص، هذا قول عامّة أصحابنا… سواء كان العام متقدمًا على الخاص، أو متأخرًا عليه، أو كان العام متفَقًا عليه، والخاص مختَلفًا فيه” [34].

مثال لجمع المالكية بين الدليلين المتعارضين بحمل العام على الخاص:

الدليل الأول: عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله r قال: ” إذا دخل أحدُكم المسجد فلْيركع ركعتين قبل أن يجلسَ”[35] .

ففي الحديث أمرٌ بتحيّة المسجد لكل داخلٍ إليه في أي وقتٍ وزمان كان دخولُه.

الدليل الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنّ رسول اللَّه r “نهى عن الصّلاة بعدَ الْعصر حتى تغربَ الشّمسُ, وَعن الصلاة بعد الصّبح حَتى تَطلُعَ الشّمس”[36].

في هذا الحديث نهيٌ من النبي r عن الصلاة في هذين الوقتَين، كانت الصلاة تحيةَ المسجد أو غيرَها.

وجه التعارض بين الدليلين:

الحديث الأول يأمر كلّ داخل إلى المسجد بأن يصليَ ركعتين قبل أن يجلسَ، سواء دخل بعد صلاة الصبحِ أو بعد صلاة العصر، أو في غير هذين الوقتين, فهو مطالبٌ بصلاة ركعتين.

والحديث الثاني فيه نهيٌ لكل مكلَّف عن الصلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، كانت الصلاة تحية المسجد، أو غيرها، فبين الدليلين تعارضٌ ظاهري؛ لأن الدليل الأول يأمر الداخلَ للمَسجد بالصلاة في كل وقت، والدليل الثاني ينهاهُ عن الصلاة في هذين الوقتين.

صورة الجمع بين الدليلين عند المالكية:

نظر المالكية إلى الدليلين, فرأَوا أن بينهما عمومًا وخصوصًا في الزمان، فالدليل الأول عامّ في زمان الأمر بالصلاة، والدليل الثاني خاصّ في زمان النهي بما بعد صلاة الصبحِ, وبما بعد صلاة العصر.

قال الإمام الرُّمَّاصي متحدثًا عن نظرة المالكية هاته للدليلين: “وذلك أن حديثَ الأمر بالصلاة عند دخولِ المسجد: عامّ في الزمان، خاص في الصلاة، والنّهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر: خاصٌّ في الزَّمان، عامٌّ في الصلاة”[37].

وقال البنّاني مبينًا مشهور مذهب المالكية في المسألة الذي فيه العملُ بالدليلين معًا بعد حملهما للعام على الخاص : “ومن دخل المسجد فلْيركع ركعتين قبل أن يجلس فيه، وذلك مستحب له، فإن دخل رجل في وقتِ نهي فلا ركوع عليه”[38].

  • الجمع بين الأدلة المتعارضة بحمل المطلق منها على المقيَّد:

مذهب المالكية أن يحمل المطلق على المقيد من الألفاظ ما لم يختلفا في السّبب والحكم[39].

مثال الأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها بحمل المطلق منها على المقيد:

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ [سورة المائدة الآية 4].

فالآية تناولت محرمات عدة، منها الدم، حيث ورد لفظه مطلقًا عن كل قيد، فشمِل القليل والكثير، والسائل والجامد، داخلَ عروق اللحم أو خارجها.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾  [سورة الأنعام الآية 14].

حيث قيّد الدم المحرَّم في الآية بالدم السائل المسْفوح.

وجه التعارض بين الدليلين:

ظاهر الآية الأولى يفيد أن الدّم محرم ونجِس مطلقًا، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، مائعًا أو جامدًا، في عروق اللحم أو في غيره، فلا يجوز أكلُه ولا الصلاة به.

والآية الثانية قيّدت الدم الذي يحرُم أكله ولا تجوز الصلاة به بالمسفوح، وهو السائل الكثير، أما المتجمّد في العروق، والقليل الذي يقطر من اللحم؛ فحكمه الطهارةُ, ويجوز أكله.

وجه الجمع بين الدليلين:

قال ابن يونس “والفرق بين قليل الدّم وكثيره أن كل ما حرم أكله لم تجز الصلاة به، وإنما حرّم الله تعالى الدّم المسفوحَ؛ لقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) فدلَّ أن ما لم يكن مسفوحًا حلالٌ طاهر”[40].

حمَل المالكية المطلق على المقيد من الآيتين، فقيّدوا لفظ الدم المحرَّم الأكل والنجس بالدم المسفوح لا مطلقَ الدم.

  • الجمع بين الأدلة المتعارضة بحمل الأمر فيها على الندب لا على الوجوب.

الأمر يدل على الوجوب إلا إذا صرفته قرينة عن الوجوب، والقرائنُ التي تصرف الأمر عن الوجوب كثيرة، منها ورود دليل آخر يفيد جوازَ ترك الفعل المأمور به… وغيرها من القرائن.

مثالُ الأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها بحمل الأمر على النّدب لا على الوجوب:

الدليل الأول: عَن أَبِى هُرَيرَة -رضي الله عنه- قَال: أَتَى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجلٌ أَعمى فَقَال: يَا رَسولَ اللَّه إِنَّه لَيس لي قائِدٌ يقودُني إِلى الْمسجدِ. فسأَل رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَن يُرخِّصَ له فَيصلّي في بيتهِ فرخَّص لَه, فلمَّا وَلَّى دعاهُ فقالَ: “هَل تَسمَعُ النِّداءَ بِالصَّلاَة؟ “. فقال نَعم. قال ” فأَجب[41] “.

الدليل الثاني: عن ابن عمرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: “صلاةُ الجماعَة تفْضُل صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة”[42]

وجه التعارض بين الحديثين:

الحديث الأول فيه أمرٌ بحضور صلاة الجماعة لكل رجل مكلَّف، ولم يرخِّص النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في التخلُّف عن شُهود الجماعة حتى لذِي العذر, وهو الرجلُ الأعمى الذي لا يجد قائدًا يقوده إلى المسجد؛ لكونه يسمعُ النداء، فوجب عليه أن يلبيَه، فدلَّ الحديثُ على وجوب شُهود الجماعة لكل من سمِع النداء من المكلّفين الذين لا عذرَ لهم من باب أولى وأحرى.

الحديث الثاني دلَّ على التفَاضُل في الأجر والثواب بين صلاةِ المكَلف في جماعة، وصلاته منفردًا، فاستفدنا منه أنّه يجوز للمكلف أن يصليَ منفردًا في بيته، وأن حضور صلاة الجماعة ليس واجبًا عليه، لكن فيه فضل عظيمٌ، فمن فاتتْه صلاة الجماعة فقد فاته خيرٌ كثير.

وجه الجمع بين الدليلين:

قال ابن عبد البر مبيّنًا وجه الجمع بين الدليلين بحمل الأمر على الندب لا على الوجوب: “وفي هذا الحديث من رواية ابن عمر وأبي هريرة دليل على جواز صلاة الفذ وحده، وإن كانت صلاةُ الجماعة أفضل.

 وإذا جازت صلاةُ الفذ وحده بطل أن يكون شهودُ صلاة الجماعة فرضًا؛ لأنه لو كانت فرضًا لم تجز للفذ صلاته, وهو قادرٌ على الجماعة تارك لها “[43].

  • الجمع بين الدليلين المتعارضين بحمل النهي الوارد في أحدهما على الكراهة لا على الحِرمة:

الأصل في صيغة النهي إذا أُطلقت وتجرّدت عن القرائن؛ فإنها تفيد التحريم كما هو مذهب عامّة الأصوليين مالكيةٍ وغيرهم، لكن قد توجد قرائنُ تصرفُ صيغة النهي في الدلالة على أصل إطلاقه وهو الحِرمة، إلى ما عداها من الإباحة والكراهة وغيرها…

مثال الأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها بحمل النهي على الكراهة:

الدليل الأول: ” عن أبي ثعلبة  الخُشني : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن أكْل كُل ذي نابٍ من السباع”[44]

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة الأنعام الآية 145]

وجه التعارض بين الدليلين:

في الحديث نهيٌ من النبي r للمسلم عن أكْلِ كلّ حيوان ذي ناب، والأصلُ في النهي إذا أطلق أفاد التحريمَ، فالنتيجة أن أكْلَ كل ذي ناب حرامٌ.

والآية الكريمة فيها حصرٌ وتعْدَاد للأشياء التي يَحرُم أكلها على المسلم وهي الميْتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله، وليس فيها أن ذواتِ الأنياب من الحيوان محرمةٌ كما أفاده الحديث.

وجه الجمع بين الدليلين:

نظر المالكية في الدليلين, وحملوا النهيَ الوارد في الحديث على الكراهةِ لا على التحريم؛ لأن ظاهر الآية يقتضي ذلك، فتمكَّنوا من الجمع بين الدليلين.

قال القرافي: بعد أن ذكر آية التحريم السابقة ” فخرجَت السباع عن التحريم, وورد عليه أسئلة … ورابعها: في الموطأ قال عليه السلام: “أَكْل كل ذي ناب من السِّباع حرام”[45].

فأجاب القرافي عن السؤال الرابع بقوله: “وعن الرابع أنه محمولٌ على الكراهة جمعًا بين الدليلين”[46]

وقال ابن يونس: “قال محمد بن الجَهم، والأبهري: ونهيُ مالكٍ عن أكل لحوم السباع والدواب على الكَراهية والاحتياطِ, لا على صريح التحريم”[47].

  •  الجمع بين الأدلة المتعارضة بحملها على اختلاف محل توارُدِها:

        من الأمور التي نبَّه على مراعاتها علماء الشريعة وحملةُ الملة للناظر في الدليل هو معرفتُه بالسياق الذي ورد فيه الدليل، وما يقتضي ذلك من إلمامٍ واسع بكل هذه الحَيثيات من معرفةٍ لسبب نزول الخطاب أو الورود، ووقتِه, ومكانه, وزمانه, وحالِ المخاطَب… وما إلى ذلكم، فهذه الأمورُ نبراسٌ للمجتهد تُعينُه أولًا على الاستنباط الجيد للأحكام من الأدلة، ومن التنزيل الأمثل لهاته الأحكام على واقعِه ثانيًا، ومن غابت عنه هذه الأمور، فإنما يخْبط خَبْط عَشْواء.

قال الإمام القرافي مقررًا هذه الحقيقة: “فقد اختلفت الأحكامُ والشّرائع بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، وظهر أنها سنةُ الله في سائر الأمم، وشرعُ من قبلنا شرع لنا، فيكون ذلك بيانًا على الاختلاف عند اختلاف الأحْوال في زماننا، وظهر أنّها من قواعد الشَّرع, وأصول القواعد”[48].

مثال للأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها باختلاف محل تواردها:

الدليل الأول: “عن أَبي أَيّوبَ الأنصاري -رضي الله عنه- أَنّ النّبِيّ -صلّى اللّهُ علَيه وَسلّم- قَال: إِذَا أَتيتم الغائطَ فَلا تَستَقبِلوا القِبلةَ وَلَا تَستدْبرُوها ببَولٍ ولَا غائطٍ، وَلَكن شرِّقوا أَو غرِّبوا”[49].

الدليل الثاني: عَن عَبد اللَّه بنِ عُمرَ أَنّه كَان يَقولُ: إِنَّ ناسًا يَقولونَ إِذا قَعدتَ علَى حَاجتكَ  فلاَ تَستقبلِ الْقبلةَ ولاَ بَيتَ المَقدِسِ. فَقالَ عَبد اللَّهِ بنُ عُمرَ: لَقد ارْتَقيتُ يَومًا عَلى ظَهرِ بيتٍ لَنا ، فرأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلى لبِنتَيْن مُستقْبِلاً بَيتَ المَقْدسِ لِحَاجتِه “[50].

وجه التعارض بين الدليلين:

الحديث الأول نهى فيه النبيُّ r كلّ مسلمٍ ذهب لقضاء حاجته أن يستقبلَ القبلة، أو يستدبرها بغائط أو بول مطلقًا، وفي كل مكان.

والدليل الثاني: ورد فيه أن صاحبَ التشريع -عليه السّلام- الذي نَهَى عن استقبال القبلة واسْتدبَارها عند قضاء الحاجة، رُؤيَ يفْعل ما نهى عنه في قضاء حاجتهِ، فتعارض قولُه مع فعلِه -عليه السلام-.

وجه الجمع بين الدليلين:

نظر المالكية إلى الدليلين المتعارضين, فرأَوا أن النّهي عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة؛ خاصٌّ بمن ذهب لقضاء حاجته في الفَلَوات، حيث لا ساترَ, ولا حاجزَ يمنعه من الانحراف عن القبلة، بينما الرسولُ r شُوهد يقضي حاجته داخل البنيان، حيث يوجدُ الساتر أو الحاجزُ فاختلَف الحكم؛ بسبب اختلافِ المحَل.

قال ابنُ بشير بعد أن ذكر الحديثين: “وقد بنى مالك هذيْن الحديثين، فرأى أن المنعَ على صفة، والجواز على صفة ثانية، وما هي الصفة؟ لا يخلو إمّا أن يكون الموضع لا مراحيض فيه ولا ساتر، فلا يجوز الاستقبال فيه ولا الاستدبارُ، أو تكون المراحيضُ والساتر فيجلس بحسب ما تقتضيه المراحيضُ، أو يكون ذا مراحيض ولا ساتر، فيجلس أيضًا بحسب ما تقتضيه المراحيضُ للضرورة”[51].

  •  الجمع بين الأدلة المتعارضة بحملها على اختلاف حال المكلَّفين

المكلفون المخاطبون بأحكام الشريعة، تختلف أحوالهم قوة وضعفًا، وصحة ومرضًا، وسَفرًا وحضرًا، وعلمًا وجهلًا، وخطأً وعمدًا، وذِكرًا ونسيانًا، وأمْنًا وخوفًا، وسلمًا وحربًا…

والشريعة الغراء راعت أحوالَ المخاطَب المختلفة، فشرعت لكل حال من الأحكام ما يناسبها، ويُصْلحها. 

مثال للأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها باختلاف حال المكلفين:

الدليل الأول: قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [سورة البقرة الآية 183-184]

الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله r رأى ناسًا مجتَمعين على رجُل فسأل، فقالوا: رجل أجهَدَه الصوم, قال رسول الله r: “ليسَ من البر الصيامُ في السّفر”[52]

وجه التعارض بين الدليلين:

أفادت الآية أن المسافرَ يرخَّصُ له في الفطر من أجل السّفر، فهو مخَير بين الصيام والفطر، لكنَّ الأولى في حقه والأفضلَ له الصيام.

وفي الحديث أخبر -عليه الصلاة والسّلام- أن صيامَ المسافر ليس فعله ذاك من البر في شيء، بل فعلُه ربما هو عَينُ الإثْم.

كيف جمع المالكية بين الدليلين؟

حمل المالكيةُ الآية على المسافرِ القوي الذي يستطيعُ تحمل الصيامِ من غير مشقّة شديدة تضُر بدنه، أو تؤثِّر على سلامَة عافيته، فقالوا هذا يُستحبُّ له تقديمُ الصيام على الفِطر.

 وحملوا الحديثَ على المسافرِ الضعيف الذي لا يقوى على الصيام إلا بمشقةٍ شديدةٍ قد تضُر صحتَه، كما هو حال صاحبِ قصة ورود الحديث، فقالوا: الفطرُ في حقه مستحبٌّ أو واجبٌ؛ تبعًا لمبلَغ الضرر الذي قد يصيبه إن هو أقْدم على الصيام.

قال القرافي بعد ذِكره للحديث “وجوابه: أنهُ r رأى رجلًا يظَلَّلُ عليه والزّحام عليه, فقال: ما هذا؟ إشارة لهذه الحالة، فإن قالوا: النّظر إلى عموم اللفظ، لا إلى خصوص السبب، قلنا: العام في الأشْخاص مطلَق في الأحوالِ, ونحن نحمل الحالةَ المطلقةَ على حالة الضررِ”[53].

وقال الإمام محمد عِليش: “وتفضيلُ الفطر في السفر غني عن الردّ؛ لمخالفته لنصّ القرآنِ العزيز، وكأنّ شُبْهَتهم فيه حديث: “ليس من البِر الصيام في السفرِ”، والأئمّة حملوه على من يضُره الصومُ؛ جمعًا بين الدليلين”[54].

  •  الجمع بين الأدلة المتعارضة بحمل إحداها على الحقيقة الشرعية وغيرها  على الحقيقة اللغوية:

دلالة اللفظ على معناه في اللغة العربية مَهْيع واسعٌ، وبحر لا ساحل له، وهو من أعظم الدلائل على ثَراء لغة القرآن الكريم، وسَعَتها، وتفرُّدها، فاللفظة الواحدة قد يكون لها معانٍ متعددة، منها ما يكون حقيقةً، ومنها ما يكون مجازًا، والحقيقة تختلف باختلاف النسبة، فهناك حقيقة شرعيةٌ، وحقيقة لغوية، وحقيقة عرفية… فعلى الناظر في الأدلة الشرعية أن لا يعزُبَ عنه هذا الأمر حتى يكونَ موفَّقًا في نظره، ومصيبًا في اجتهاده.

مثال للأدلة المتعارضة التي يمكن الجمع بينها باختلاف حقيقَتَيها[55]:

الدليل الأول: عَن أمّ المؤمنين حَفْصةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: r “لاَ صِيامَ لِمن لَمْ يَفرِضهُ مِن اللَّيل”[56].

الدليل الثاني: عن أمّ المؤمنين عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: “دَار عليّ رسولُ الله r دَورة قال: أعندَكِ شَيء قالت: ليس عِندي شيءٌ قال: فأنَا صَائم”[57].

وجه التعارض بين الدليلين:

الحديث الأول يفيد أن كلّ صيام أقدَم عليه مكلّف من غير أن يبيِّت نيةً لذلك اليوم الذي سيصُومه في الليلة التي تسبِقه، فحقيقة الصيام فيه منتفيةٌ، وإن امتنعَ عمّا يمتنع عنه الصائم طوال يومه.

والحديث الثاني ينْبئنا أن الرسولَ -عليه السلام- عقَد نيّة الصيام بعد طلوع الفجر وانتهاءِ الليل حينما لم يجدْ في بيته ما يأكلُه، فأخْبر أهلَه أنه قد عقدَ العزم على صوم يومِه ذاك.

وجه الجمع بين الدليلين:

لدفع التعارض بين الحديثين حمل المالكيةُ لفظة: “الصّيام” في الحديث الأول على حقيقتِها ومسمّاها الشرعي، وحملُوا نفسَ اللفظة في الحديث الثاني على مسماها اللغوي جمعًا بين الدليلين.

 قال القَرافي مبينًا وجه الجمع بين هذين الحديثين وما شابهَهُما: “قلت: التوفيق بين الدليلين أن نصرفَ ذلك إلى المسمّى الشرعي، وهذا إلى المسمّى اللغوي، ومن هذا الباب قوله: ” لاَ نِكاحَ إلا بولي”، ولا صيامَ لمن لم يبيت الصيام”[58].

المبحث الرابع: توسع المالكية في الجمع بين الأدلة, ودرء ما أثير عن مذهبهم من تشدد في قبول الجمع.

        وقفتُ على شبهةٍ حول تشدُّد المذهب المالكي في قَبول الجمع بين الأدلة، أطلقها بعضُ الباحثين المعاصرين, وتلقّفها عنهم بعض من جاء بعدهم مسلِّمًا لها من غير تمحِيص[59].

        حيث صنف إمامَ المذهب ضمن الفريق المتشدّد والمضيق لدائرة الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض قائلًا: “الاتجاهُ الثاني: ذهب جمهور الحنفية, وبعض الشافعية, والإمام مالك, وبعض أهل الحديث إلى التشدد في قبول الجمع, وتأويل المختلفين, وضيق دائرته، ويلاحظ أنه نتيجة لتشددهم هذا ردوا أحاديث كثيرة صحيحة”[60].

        وهذه دعوى عريَّة عن الدليل، ويا ليتهم ذكروا لنا نصًّا واحدًا عن إِمام من أئمة المذهب وعلمائِه يؤيِّد دعواهم هاتِه ويعْضُدها، بل هو كلام مرسل على عواهنه، لا تؤيّده حجّة، ولا يعضُده دليل، بل الأدلة شاهدةٌ بخلاف ما ادعوْه، ولتفنيد دعواهم هذه أذكر شبهتهم أولًا، ثم أدحَضُها بالدليل والبرهان.

دعواهم هذه مؤلفة من شبهتين، أولاهما مقدمة وسبب للثانية، والثانية ثمرة ونتيجة للأولى:

الشبهة الأولى أنّ المذهب المالكي من المذاهب المتشددة في تأويل الأدلة المتعارضة قصد الجمع بينهَا.

لو كلف نفسه مثيرُ هذه الشبهة عنَاء تتبّع أقوال أئمة المذهب وأربابِه  في مسألة تعارض الأدلة وتصرُّفاتهم في هاته الأدلة قصدَ الجمع والتأليف بينها؛ لأدرك أن واقعَ الأمر مخالفٌ لما ادعاه، وأن مذهبهم على نقيض ما خُيل له وحسِبَ، فأئمة المالكية حريصون أشدّ الحرص على الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض؛ لما في هذَا المسلك من العمل بكل الأدلة الشرعية، وعدم إهمال بعضها؛ لأن الأصلَ في الأدلة الإعمالُ لا الإهمالُ.

والمالكية في منهجهم هذا متَّبعون لإمامهم مالكِ بن أنس -رحمه الله- الذي كان رائدًا في هذا المنهج كما حكى عنه ذلك أئمة المذهب. ويكفي لإقرارِ هذه الحقيقة والتدليل لها هذه الأدلة:

  1.  تصرفاتُ المالكية واستثمارُهم للأدلة التي ظاهرها التعارض، حيث مرَّ معنا في مبحث مسالك الجمع بين الأدلة المتعارضة عند المالكية نماذج رأينا فيها تفننهم وإبداعهم في تنويع أساليب الجمع، وتعدد وجوهه، ومدى توسعهم في هذا الأمر ما دام هذا الأسلوب وذلك الوجه تحتمله اللّغة, وموافقًا للنصوص الشرعية، ولقد سبق التفصيلُ في هذه المسألة فلا حاجة لإعادة ذكرها.
  2. مُرونة المالكية وتوسُّعهم في نوعية الأدلة التي قالوا بالجمع بينها:
  3. حيث نجدهم وسّعوا دائرة الأدلة ونوعيتها التي يقالُ فيها بالجمع عند التعارض، فاكتفوا بشرط ثبوت الحُجية فيه فقط، فيكفي في الدليل أن يكون مقبولًا سندًا، ولو حاز من درجة القَبول أدناها، ويُكتفى فيه أيضًا أن تكون دلالته على المعنى المراد بينَة, ولو حاز من درجة البيان على أدناها، بينما نجد الحنفية وبعض الشافعية[61] ضيّقوا الدائرة فاشترطوا للجمع بين الأدلة المتعارضة تساويها في درجتَي الثّبوت والدّلالة.
  4. ‌ب-   تشدّدهم وعدم تسامحهم في مجاوزة قاعدة الجمع بين الأدلة المتعارضة إلى قاعدة نسخ المتأخرِ منها للمتقدم عند معرفة تاريخ الدليلين، بل أضافوا شرطًا آخر وهو استحالة الجمع بينها بوجه من الوجوه، عند ذلك يلجؤون إلى القول بالنسخِ.
  5. توسُّعهم في باب تخصيص العام، سواء تقدمَ الخاص على العام أو تأخرَ عنه، أو قارنَه ولم يشترطوا اتحاد زمَان العام والخاص ، ولا قربهما بل يحملون العام على الخاص نزل العامّ أولًا أو الخاص، اقتربَا في الزمان أو ابتعدَا.
  6.  أقوالٌ ونصوص نقلت عن أئمة المذهب متقدمِهم ومتأخرِهم كلها تحثّ على إعمال مسلك الجمع والتّوفيق بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وعدم مجاوزتِه إلى غيره من القول بنسخ بعضها، والترجيح فيما بينها، إلا إذا استحال عليهم الجمع بينها بوجه من الوجوه، وهذه بعض نصوصهم في المسألة:
  7. قال ابن العربي عند حديثه عن مسألة بيع الحيوان بمثله مستعرضًا مذاهب الفقهاء في المسألة, وتميُّز منهج الإمام مالك الذي تمكّن بنظره الثاقب من الجمع بين الأدلة فيها: “… وجاء الناقد الجِهبِذ مالك فقال: إن الحديثين لما تعارضَا كان حكمهما عند التعارض أن يُجمع بينهما إن أمكنَ… والجمع بينهما ممكن، بأن يكون حديثُ جابر[62] محمولًا على الجنس الواحد، وحديثُ عبد الله[63] محمولًا على الجنسين”[64].
  8. وقال ابن رشد الجد معددًا محاسن ما ذهب إليه مالك في مسألة كراء الأرضِ, وكيف استطاع الجمعَ بين الأدلة فيها دون أن يُهمل دليلًا منها: “… فما ذهَب إليه مالكٌ في مسألة كراء الأرض أصحُّ أقاويل أهل العلم في ذلك؛ لأنه استعملَ الأحاديث المروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب، ولم يحْمل شيئًا منها على التعارض، بل جعل بعضَها مركّبة على بعض، ومبيّنة لها، ولم يطرح شيئًا منها”[65].
  9. قال ابن جزي: “إذا تعارض دليلان فأكثر ففي ذلك طرق: الأول: العمل بهما، وذلك بالجمع بينهما على قدر الإمكان، ولو من وجه واحد، وهذا أولى الطّرق؛ لأنه ليس فيه اطّراح لأحدهما”[66].
  10. وقال القرافي: “إذا تعارض دليلان فالعملُ بكلِّ واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر”[67].
  11. وقال ابن رشد الجد: “… واستعمالُ الآثار عند أهل العلم أولى من طرحِها ما أمكن ذلك، ووجد السبيل إليه”[68].
  12. وقال العدوي: “لأن الدليلين إذا كان ظاهرُهما التعارض وأمكنَ الجمع بينهما كان إعمالُهما أولى من إهمالهما، أو العمل بأحدهما”[69].
  13. وقال الرجراجي: ” والأحاديثُ مهما أمكن الجمع بينها فلا يُطرح بعضها”[70].

فالمالكية كما تبينَ من الأدلة السابقة حريصون أشدَّ الحرص أولًا على دفع التعارض ونفيه ودرئه عن الأحكام الشرعية، وحريصون ثانيًا على العمل بالأدلةِ أو الدليلين معًا التي ظاهرها التعارض ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، وما تأتّى لهم أمر الجمع بوجه من الوجوه، فلا يجاوزون سبيل الجمع والتّوفيق في دفع التّعارض بين الأدلة إلى سبيلٍ آخر من النسخ أو الترجيح، حتى يتعذّرَ عليهم الجمعُ والتوفيق بينها بوجه من الوجوه.

وفي هذه الأدلة السابقة الذكرِ وغيرها مما وقفت عليه ولم أذكره[71]؛ خشيةَ الطول خيرُ ردٍّ على هاته الشُّبهة المثارة.

الشبهة الثانية: أن المذهب المالكي ردَّ الأحاديث الصحيحةَ نتيجة تشدُّده في قبول التأويل، ومن هذه الأحاديث حديث الولوغ[72].

ولدفع هذه الشبهة أقول: استعمالُ الأساتذة الباحثين للَفظة : “ردّ الحَديث”، استعمال غيرُ سديدٍ، ولا أشك أنّه استعمال منهم عن حسن قصدٍ، لكن هذه العبارة لا تليق بمنصب أئمّتنا كلّهم مالكية وغيرِهم؛ لأنها توحي بمعنى قَدحي، فمعناه أن الإمامَ مالكًا أو أبا حَنيفة أو غيرَهما؛ ردّوا الأحاديث ولم يقبلوها مع أنها صحيحة قويّة الحُجّة عندهم، وهذا لم يثبت عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما واقعُ الأمر أن الأحاديث صحّت عندهم, ولم يعملوا بها؛ لرجحان أدلةٍ أخرى عندهم في نظرهم،كعمل أهل المدينة إذا خالف خبرَ الواحد عند الإمام مالك، ومخالفةِ الراوي لما روى، وخبرِ الواحد فيما تعُمُّ به البَلوى، ومخالفةُ الخبر الواحد للقياسِ من كل وجه عند السادةِ الحنفية وغيره، فالعبارة السليمة أن يقال: لم يعمل الحنفيةُ بحديث مسّ الذكر، ولم يعمل المالكية بحديث الوُلوغ، بدلَ ردّ المالكيةُ حديث كذا، والحنفية حديث كذا، فلا يوجد رَد، وإنما عدم عملٍ بأخبار؛ لمرجوحيتها، ورجحان أدلةٍ غيرها عليها في نظرهم.

أما مسألة ردّ المالكية لحديث الولوغ، فهذا غير صحيحٍ، بل المالكية عمِلوا به ولم يُهْملوه، وعللوا عدد الغسلات بالتعبُّد لا الطهارة؛ لأن أغلظَ النجاسات -وهي البولُ والغائطُ- يَكفي للتطهر منها غَسْلة واحدة.

بل المالكيةُ ما حملهم على ما ذهبوا إليه في المسألة إلا محاولة الجمعِ بين الأدلة الواردة في خصوصِ الكلب, وهي حديثُ الولوغ، وآيةُ الصيد : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة المائدة الآية 4].

        فحمَلوا عدد الغسلات على التعبُّد، وحملوا الآية على ظاهِرها, وقالوا بطهارة الكَلب، إذ كيف يُعقل أن يباحَ أكلُ ما صاده الكلبُ وأمسكه بفمه وخالطَه لعابه، وربما تناولَ منه شيئًا[73]، ومع كل هذا يُؤكل، وفي غير الصيد يُقال بنجاسة ما خالطه شيء من أجزاءِ الكلب لعابه وعرقه…؟ فهذا أمر لا يستقيمُ في نظرهم.

        قال ابن العربي: “وقد قال مالك يؤُكل صيده، فكيف يكره لعابه؟ وهذا الاستدلالُ بكتاب الله, فإن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]، ولم يأمر بغسلِ ما أصاب لعابه من الصّيد, و هذا بين جدًّا”[74].      

        وقال الفندلاّوي مفْصحًا عن مذهب المالكية: “الكلبُ طاهر العين، طاهرُ السؤر، ويغسل الإناء من وُلوغه سبعًا تعبّدًا، لا لنجاسة حلّت فيه، ويراقُ الماء استحبابًا”[75].

الخاتمة

        بعد البحث والتنقيب في هذا الموضوع -الجمع بين الأدلة المتعارضة عند المالكية- توصل البحث إلى النتائج الآتية:

ـــــ نزلت الشريعةُ الإسلامية من أحْكم الحاكمين، متَّسِقةَ المعنى، ومُحكمة الْمَبنى، ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [سورة هود آية 1]

فلا تعارضَ بين أحكامها، ولا تضادّ ولا تنافي، وما قد يبدو للناظر فيها من تعارض بين أحكامها، فإنما مرده إلى قصَر نظرنا، ومحدودية عقولنا لا إلى ذاتِ الأحكام.

ـــــ لدفع هذا التعارض الظاهري بين الأحكام الذي قد يبدُو للناظر قعَّد علماؤنا الأجلاء قواعد جليلةً؛ للتعامل معها، حتى يتطابقَ ظاهر هذه الأحكام مع حقيقة الأمر وواقعه.

ـــــ الجمع بين الأدلة المتعارضة أوَّل هذه القواعد عند المالكية والجمهور, وأفضلُها عندهم لدرء التعارض بين الأدلة؛ لما فيها من العَمل بالأدلة جميعها, وعدم إهمال بعضِها؛ لأن الأصل في الدليل الإعمالُ لا الإهمال.

ـــــ لا تعارض إلا بين الأدلة المقبُولة الثابتة الحجِّية، ولا يتولى عمليةَ الجمع إلا من توفرت فيه شروطٌ, وامتلك أسبابًا أهلته؛ للنظر في التوفيق بين الأدلة المتعارضة.

ـــــ أبدع المالكيةُ في قاعدة الجمع بين الأدلة المتعارضة, وتفنَّنوا في مسالك هذا الجمعِ؛ مما أبان عن حرصهم الشديد في العمل بالأدلة، وفرارهم من إهمالِ بعضها.

ـــــ توسع المالكية في الأخذ بقاعدة الجمْع بين الأدلّة المتعارضة، والعمل على التوفيق بينها ما وجَدوا إلى ذلك سبيلًا، وهو أمرٌ تواطأت عليه كلمتُهم كما رأينا من نصوصهم المنقولة عن أئمتهِم أولًا، وتصرفاتهم في الأدلة التي ظاهرها التعارض، وحسن استثمارهم لها ثانيًا.

ــــ أقام البحثُ الحججَ والبراهينَ على خطأ بعضِ الباحثين الذين وصفُوا المذهبَ المالكي: “بالتشدُّد في التأويل، وتضيِيقه مجالَ الجمع بين الأدلة التي ظاهرُها التعارض، مما أدَّى إلى رد المالكيةِ لبعض الأحاديثِ الصحيحة”  والله أعلم وأحكم.

لائحة المصادر والمراجع

ـــ إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي تحقيق عبد المجيد تركي طبعة دار الغرب الإسلامي ط 2 سنة 1415 هـ 1995 .

ـــ الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار لابن عبد البر تحقيق سالم عطا ومحمد معوض دار الكتب العلمية سنة 2000م.

ـــ الإشارة في أصول الفقه للباجي تحقيق محمد حسن إسماعيل ط 1 دار الكتب العلمية سنة 1424 هـ 2003 م .

ـــ البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ضبط نصوصه وخرج أحاديثه محمد تامر ط دار الكتب العلمية سنة 2000.

ـــ بلغة السالك لأقرب المسالك لأحمد الصاوي تحقيق محمد شاهين دار الكتب العلمية سنة 1415هـ 1995م.

ـــ  تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي، ط دار الهداية.

ـــ التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية لعبد اللطيف البرزنجي ، ط دار الكتب العلمية 1413 هـ 1993.

ـــ التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي  لإبراهيم الحفناوي ص 260، ط  2 دار الوفاء للنشر والتوزيع.

  • التعريفات للجرجاني تحقيق إبراهيم الأبياري ط 1 سنة 1405 دار الكتاب العربي.
  • تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي تحقيق محمد حسن ط 1 سنة 1424هـ 2003م دار الكتب العلمية .

 ـــ التقرير والتحبير في أصول الفقه لابن أمير الحاج نشر دار الفكر سنة 1417هـ 1997م.

ـــ التنبيه على مبادئ التوجيه لابن بشير تحقيق محمد بلحسان ط 1 سنة 1428هـ 2007م دار ابن حزم.

ــ تهذيب السالك في نصرة مذهب الإمام مالك على منهج العدل والإنصاف في شرح مسائل الخلاف تحقيق أحمد البوشيخي للفندلاوي ط 1 سنة 1430هـ 2009م  دار الغرب الإسلامي.

ـــ التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي تحقيق محمد رضوان ط 1 سنة 1410هـ دار الفكر.

ـــ الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري دار الحديث القاهرة بدون تاريخ.

ـــ الجامع لمسائل المدونة لابن يونس تحقيق مجموعة من الباحثين ط 1 سنة 1434هـ 2013م معهد البحوث العلمية وإحياء التراث.

ـــ جمع الجوامع لابن السبكي ب شرح المحلي وحاشية البناني المكتبة العصرية سنة 1432هـ 2011م.

ـــ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير لمحمد الدسوقي تحقيق محمد عليش دار الفكر .

ـــ حاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة أبي زيد القيرواني ط 1 سنة 1418هـ 1998م دار المعرفة.

ـــ حاشية الفقيه محمد المصطفى الرماصي على جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر بحث مرقون.

ـــ الذخيرة لشهاب الدين القرافي تحقيق محمد حجي ط 1 سنة 1994م دار الغرب الإسلامي

ـــ السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث نشر دار الكتاب العربي بيروت بدون تاريخ .

ـــ السنن لأبي عيسى الترمذي تحقيق أحمد شاكر وآخرين ط 2 سنة 1395هـ 1975م نشر مصطفى البابي الحلبي

ـــ السنن لابن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي نشر دار إحياء الكتب العربية د ت .

ـــ شرح الزرقاني على الموطأ  تحقيق طه عبد الرؤوف ط 1 سنة 1424هـ 2003م مكتبة الثقافة الدينية.

ـــ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل الجوهري أحمد عبد الغفور ط 4 دار العلم للملايين سنة 1407هـ 1987 م.

ـــ عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لأبي بكر بن العربي نشر دار الكتب العلمية.

ـــ فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر ، دار الفكر ط 1 1428هـ 2007م

ـــ الفتح الرباني فيما ذهل عنه الزرقاني للبناني ضبط وتصحيح عبد السلام محمد أمين ط 1 دار الكتب العلمية سنة 1422هـ 2002م.

ـــ فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك لمحمد عليش جمع علي بن نايف سنة 1217ــ 1299هـ.

ـــ الكليات لأبي البقاء الكفوي تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري ط مؤسسة الرسالة سنة 1419هـ 1998م.

ـــ لسان العرب لابن منظور ط 1 دار صادر.

ـــ المجتبى من السنن لأحمد بن شعيب النسائي تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ط 2 سنة 1406هـ 1986م مكتب المطبوعات الإسلامية حلب.

ـــ مختار الصحاح لأبي بكر الرازي ط 1 1428هـ 2007م دار السلام: ” جمع”.

ـــ مرتقى الوصول إلى علم الأصول لابن عاصم الغرناطي الموسوعة المنتخبة من المتون الشرعية المتداولة طبعة دار الرشاد الحديثة سنة 1435هـ 2014.

ـــ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت لمحب الله بن عبد الشكور تحقيق عبد الله محمود ط دار الكتب العمية سنة 1423هـ 2002م.

ـــ المسند للإمام أحمد بن حنبل نشر مؤسسة قرطبة القاهرة.

ـــ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد الفيومي ط المكتبة العلمية.

ـــ معجم مقاييس اللغة لابن فارس تحقيق عبد السلام هارون دار الفكر سنة 1399هـ 1979م،

ـــ مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني ط دار الرشاد الحديثة.

ـــ المقدمات الممهدات لأبي الوليد ابن رشد تحقيق محمد حجي ط 1 سنة 1408هـ 1988م دار الغرب الإسلامي.

ـــ مناهج التحصيل ولطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها للرجراجي تحقيق أبي الفضل الدمياطي ط 1 سنة 1428هـ 2007م دار ابن حزم.

ـــ المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكرياء يحيى بن شرف النووي المكتبة العصرية سنة 1428هـ 2007م.

ـــ منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي لعبد المجيد السوسوة ط 1 سنة 1418هـ 1997م دار النفائس الأردن.

ـــ الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي تعليق عبد الله دراز  دار الفكر العربي ط 2 سنة 1395هـ 1975م

ـــ الناسخ والمنسوخ لابن العربي تحقيق عبد الكبير العلوي المدغري ط المكتبة الثقافية الدينية مصر د تاريخ.

ـــ نشر البنود على مراقي السعود ط 2 دار الكتب العلمية سنة 1426هـ 2005 م.

ـــ نفائس الأصول  في شرح المحصول لشهاب الدين القرافي تحقيق أحمد عبد الموجود وعلي معوض ط 1 سنة 1416هـ 1995م مكتبة نزار مصطفى الباز

ـــ نهاية السول شرح منهاج الوصول لجمال الدين الإسنوي نشر دار الكتب العلمية ط 1 سنة 1420هـ 1999م.

لتحميل جميع أعداد (مجلة المرقاة المحكمة) بنسخة Word + pdf :

https://drive.google.com/drive/folders/1ZDoZNZFySzrdmILoMtn-pZ0no9Lbh7VU?usp=sharing



[1]  نهاية السول شرح منهاج الوصول لجمال الدين الإسنوي 2\268 نشر دار الكتب العلمية، ط 1 سنة 1420هـ 1999م، والتقرير والتحبير في أصول الفقه لابن أمير الحاج 2\194 نشر دار الفكر سنة 1417هـ 1997م.

[2]  البحوث والدراسات التي وقفت عليها في هذا الموضوع هي:

ـ التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي لمحمد إبراهيم الحفناوي

ـ التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية بحث أصولي مقارن بالمذاهب الإسلامية المختلفة لعبد اللطيف البرزنجي

ـ منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي لعبد المجيد السوسوة.

[3] سيأتي نقل أقوالهم في المبحث الرابع.

[4]  البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي 4\411، ضبط نصوصه وخرج أحاديثه محمد تامر ط دار الكتب العلمية سنة 2000.

[5]  الموافقات في أصول الشريعة – أبي إسحاق الشاطبي 4\294 تعليق عبد الله دراز،  دار الفكر العربي ط 2 سنة 1395هـ 1975م.

[6]  الموافقات 4\294.

[7]  ينظر إحكام الفصول في أحكام الأصول – أبي الوليد الباجي ص 741 تحقيق عبد المجيد تركي، طبعة دار الغرب الإسلامي، ط 2 سنة 1415 هـ 1995 م والإشارة في أصول الفقه للباجي أيضا، ص 62 تحقيق محمد حسن إسماعيل، ط 1 دار الكتب العلمية سنة 1424 هـ 2003 م .

[8]  مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت- محب الله بن عبد الشكور 2\189-192 ، تحقيق عبد الله محمود، نشر دار الكتب العلمية سنة 1423هـ 2002م.

[9]  الصحاح – أبي نصر الجوهري مادة: “جمع”، بتحقيق أحمد عبد الغفور، ط 4 سنة 1407هـ 1987م دار العلم للملايين.

[10]  مختار الصحاح  – محمد بن أبي بكر الرازي مادة: ” جمع”، ط 1 سنة 1428هـ 2007 م دار السلام.

[11]  معجم مقاييس اللغة – ابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، نشر دار الفكر سنة 1399هـ 1979م، ولسان العرب لابن منظور، ط 3 دار صادر سنة 1414هـ، وتاج العروس من جواهر القاموس – مرتضى الزبيدي، نشر دار الهداية، بدون تاريخ، والتوقيف على مهمات التعاريف – عبد الرؤوف المناوي،  ط 1 سنة 1410هـ 1990م عالم الكتب مادة:” جمع”.

[12]  المصباح المنير في غريب الشرح الكبير – الفيومي، مادة: “دلَّ”، نشر دار الكتب العلمية.

[13]  لسان العرب مادة: ” دلَّ “.

[14]  تاج العروس مادة: ” دلَّ “.

[15]  معجم مقاييس اللغة مادة: ” دلَّ “.

[16]  حاشية حسن العطار على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع 1\167 نشر دار الكتب العلمية بدون تاريخ، التعريفات – الجرجاني ص 181 ط 1 دار الكتب العلمية سنة 1403هـ 1983م، الكليات- أبي البقاء الكفوي ص 686 تحقيق عدنان درويش ومحمد الصري، نشر مؤسسة الرسالة.

[17]  منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي – عبد المجيد السوسوة، ص 144 ط 1 سنة 1418هـ 1997م دار النفائس الأردن.

[18]  التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية بحث أصولي مقارن بالمذاهب الإسلامية –  عبد اللطيف البرزنجي 1\211 ط 1  دار الكتب العلمية 1413هـ 1993م.

[19]  التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي – محمد إبراهيم الحفناوي1\338 ط 2 سنة 1408هـ 1987م دار الوفاء المنصورة.

[20]  قال أبو عبد الله التلمساني: ” اعلم أن الأصل النقلي يشترط فيه أن يكون: صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الإحكام” . مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول – الشريف التلمساني ص 16 ط دار الرشاد الحديثة.

[21]  قال إبراهيم العلوي الشنقيطي: ” وإن أمكن الجمع والترجيح؛ فالجمع أولى منه، لأن العمل بالدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما” نشر البنود على مراقي السعود 2\179  ط 2 دار الكتب العلمية سنة 1426هـ 2005 م.

[22]  الحنفية يقدمون قاعدة الترجيح على قاعدة الجمع بين الأدلة في باب التعارض، قال ابن عبد الشكور: ” وحكمه ـ أي التعارض ـ النسخ إن علم المتأخر، وإلا فالترجيح إن أمكن، وإلا فالجمع بقدر الإمكان، وإن لم يمكن تساقطا، فالمصير في الحادثة إلى ما دونهما إن وجد، وإلا فالعمل بالأصل”. مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت- محب الله بن عبد الشكور 2\189ـ192

[23]  قال الزركشي: ” أما شروطه ـ أي التعارض ـ فمنها التساوي بين الكتاب وخبر الواحد… ومنها التساوي في القوة”. البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي 8\120 ط 1 سنة 1414هـ 1994م دار الكتبي، ينظر إرشاد الساري 8\154. وتوجيه النظر

[24] الحديث بشطريه الأول والثاني رواه البخاري كتاب الصلاة باب الإشارة في الصلاة 1\414 برقم: 1177.

[25]  شرح الخرشي على مختصر خليل 1\321، ط دار الفكر بدون تاريخ.

[26]  قال الإمام ابن العربي معددا شروط النسخ: ” الرابع: أن يكون الجمع بين الدليلين غير ممكن”. الناسخ والمنسوخ لابن العربي 2\9 تحقيق عبد الكبير العلوي المدغري ط مكتبة الثقافية الدينية مصر د تاريخ.

[27]  قال الإمام البزدوي: ” وأما صريح اختلاف الزمان، فبأن يعرف التاريخ، فيسقط التعارض، ويكون آخرهما ناسخا”. أصول البزدوي ص 200.

[28]  قال الإمام القسطلاني: ” الجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ”  إرشاد الساري 6\70، وقال الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع: ” والمتأخر من النصين المتعارضين ناسخ للمتقدم منهما”. حاشية البناني على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع 2\447، ط المكتبة العصرية سنة 1432هـ ــ 2011 م.

[29]  قال الإمام القرافي: ” فيقدم التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك على النسخ،…لأن النسخ يحتاط فيه أكثر، لكونه يصيِّر اللفظ باطلا”. الذخيرة 1\78.

[30]  الموافقات 3\106.

[31]  المرجع السابق.

[32] الموافقات 4\500.

[33]  الموافقات 3\106.

[34]  إحكام الفصول في أحكام الوصول لأبي الوليد الباجي ص 261 ط دار الغرب الإسلامي، بتحقيق عبد المجيد تركي.

[35]  رواه الإمام مالك في الموطأ كتاب الصلاة، باب انتظار الصلاة، شرح الزرقاني على الموطأ 1\559 تحقيق طه عبد الرؤوف، ط 1 سنة 1424هـ 2003م مكتبة الثقافة الدينية، والبخاري كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد، ر ح 444، فتح الباري بشرح صحيح البخاري- الحافظ ابن حجر 2\82، دار الفكر ط 1 1428هـ 2007م ، ومسلم  في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد، ر ح 714، المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج- أبي زكرياء يحيى بن شرف النووي 2\340 المكتبة العصرية سنة 1428هـ 2007م.

[36]  رواه مالك في الموطأ ،كتاب الصلاة باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ،شرح الزرقاني 2\66، والبخاري كتاب الصلاة باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ر ح: 584 فتح الباري 2\194.

[37]  حاشية الفقيه محمد المصطفى الرماصي على جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر ص 562 بحث مرقون.

[38]  الفتح الرباني فيما ذهل عنه الزرقاني- البناني 1\493 ط 1 سنة 1422هـ 2002م دار الكتب العلمية.

[39]  يحمل المالكية المطلق على المقيد إذا اتحدا في الحكم والسبب باتفاق، وإن اختلف المطلق والمقيد في السبب أو في الحكم؛ اختلف في ذلك

قال ابن عاصم:

وما أتى في موضع مقيّدا       وفي سواه مطلقا أيضا بدا

فإن يكُ الحكمُ به والسبب      متفقَين حكم قيد يجب

وَإِنْ يَكُنْ مُخَالِفًا في وَاحِدِ .. فَالْخُلْفُ في الْمَذْهَبِ في الْمَوَارِدِ

مرتقى الوصول إلى علم الأصول- ابن عاصم الغرناطي، الموسوعة المنتخبة من المتون الشرعية المتداولة 1\501 طبعة دار الرشاد الحديثة سنة 1435هـ 2014.

[40]  الجامع لمسائل المدونة- ابن يونس الصقلي 1\82 تحقيق مجموعة باحثين، ط 1 سنة 1434هـ 2013 معهد البحوث العلمية وإحياء التراث.

[41]  رواه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، ر ح: 653 المنهاج 2\288.

[42]   رواه مالك في الموطأ كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، شرح الزرقاني 1\458، والبخاري كتاب الأذان باب فضل صلاة الجماعة، ر ح 645 فتح الباري 2\267، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، ر ح: 650 المنهاج 2\285.

[43]  الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار- أبي عمر يوسف بن عبد البر 2\136 تحقيق سالم محمد عطا ومحمد معوض، ط 1 سنة 1421هـ 2000م دار الكتب العلمية.

[44]  رواه مالك في الموطأ كتاب الذبائح، باب الصيد وما يكره أكله، شرح الزرقاني على الموطأ 3\138، والبخاري كتاب الذبائح باب أكل كل ذي ناب من السباع، ر ح: 5530 الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ص 920 دار الحديث القاهرة بدون تاريخ، ومسلم كتاب الصيد باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، ر ح 1932، المنهاج 5\72.

[45]  الموطأ كتاب الصيد باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، شرح الزرقاني 3\137.

[46]  الذخيرة- أبي العباس القرافي 4\100 تحقيق مجموعة من العلماء، ط 1 سنة 1994 دار الغرب الإسلامي .

[47]  الجامع لمسائل المدونة 5\784.

[48]  الذخيرة – أبي العباس القرافي 10\47.

[49]  رواه البخاري كتاب الوضوء باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول، ر ح: 144 فتح الباري 1\255، ومسلم كتاب الطهارة باب الاستطابة، ر ح: 264 المنهاج 1\496.

[50]  رواه مالك في الموطأ كتاب القبلة، باب الرخصة في استقبال القبلة، شرح الزرقاني 1\658، والبخاري كتاب الوضوء باب من تبرز على لبنتين، ر ح 145 فتح الباري 1\256، ومسلم كتاب الطهارة باب الاستطابة، المنهاج 1\496.

[51]  التنبيه على مبادئ التوجيه – أبي الطاهر إبراهيم بن بشير 1\242 تحقيق محمد بلحسان، ط 1 سنة 1428هـ 2007م دار ابن حزم.

[52]  رواه ابن ماجه، كتاب الصيام باب ما جاء في الإفطار في السفر، ر ح 1665 السنن لابن ماجه 1\532 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية د ت .

[53]  الذخيرة 2\512.

[54]  فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك – محمد عليش 1\110 نشر دار المعرفة بدون تاريخ.

[55]  قال الإمام القرافي معددا أنواع الحقائق: “… حقيقة لغوية، وشرعية، وعرفية”. نفائس الأصول في شرح المحصول 2\680 تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض، ط 1 سنة 1416هـ 1995م نشر مكتبة نزار مصطفى .، وقال الإمام الشاطبي مبيناً الفرق بين الحقائق اللغوية والشرعية: ” وذلك أن نسبة الوضع الشرعي إلى مطلق الوضع الاستعمالي العربي، كنسبة الوضع في الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري، كما نقول في الصلاة: إن أصلها الدعاء، ثم خصت في الشرع بدعاء مخصوص، على وجه مخصوص، وهي فيه حقيقة، لا مجاز”. الموافقات 4\26.

[56]  رواه الترمذي كتاب الصيام باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، 3\99، برقم :730 السنن- أبي عيسى الترمذي، تحقيق أحمد شاكر وآخرين، ط 2 سنة 1395هـ 1975م نشر مصطفى البابي الحلبي، وابن ماجه كتاب الصيام باب ما جاء في فرض الصيام من الليل، 1\542 برقم: 1700.

[57]  رواه النسائي كتاب الصيام، باب النية في الصيام، 4\194، برقم 2323 المجتبى من السنن لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ط 2 سنة 1406هـ 1986م مكتب المطبوعات الإسلامية حلب.

 

[58]  نفائس الأصول في شرح المحصول – القرافي 5\206.

[59]  ذهب إلى هذا القول الأستاذ محمد الحفناوي وتبعه عليه عبد اللطيف البرزنجي.

[60]  التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي – إبراهيم الحفناوي/ ص 260، ط  2 دار الوفاء للنشر والتوزيع، والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية – عبد اللطيف البرزنجي 1\ 214، ط دار الكتب العلمية 1413 هـ 1993.

[61]  سبقت الإحالة على أقوالهم في المسألة في مبحث شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة.

[62]  عن جابر رضي الله عنه أن النبي r قال: ” الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نَساء، ولا بأس به يدا بيد”.

رواه الترمذي في سننه ،كتاب البيع باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان، ر ح 1283 الجامع الصحيح لمحمد بن عيسى الترمذي 3\539 ، وأحمد في مسنده مسند جابر بن عبد الله/ ر ح: 15452 المسند للإمام أحمد بن حنبل 3\282 نشر مؤسسة قرطبة القاهرة.

[63]  عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله r ” أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص من الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة”

رواه أبو داود كتاب البيع باب في الرخصة، ر ح 3359 السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث 3\256 نشر دار الكتاب العربي بيروت، بدون تاريخ .

[64]  عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي – أبي بكر بن العربي 5\271 نشر دار الكتب العلمية .

[65]  المقدمات الممهدات – أبي الوليد ابن رشد2\228 تحقيق محمد حجي، ط 1 سنة 1408هـ 1988م دار الغرب الإسلامي.

[66]  تقريب الوصول إلى علم الأصول- ابن جزي ص 199 تحقيق محمد حسن إسماعيل، ط 1 سنة 1424هـ 2003م دار الكتب العلمية.

[67]  الذخيرة 1\34.

[68]  المقدمات الممهدات 2\228.

[69]  حاشية العدوي على شرح أبي الحسن المنوفي لرسالة ابن أبي زيد القيرواني 1\12 دار المعرفة، ط 1 سنة 1418هـ 1998.

[70]  مناهج التحصيل ولطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها لعلي الرجراجي 9\259 باعتناء أبي الفضل الدمياطي وأحمد بن علي، ط 1 سنة 1428هـ 2007م دار ابن حزم.

[71]  ينظر مسألة رفع اليدين في تكبيرة الإحرام في كتاب التنبيه- ابن بشير 1\405، ومسألة كيفية قضاء المسبوق ما فاته من الصلاة في كتب: بلغة السالك 1\302، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1\346.

[72]  روى مالك بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: ” إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات” الموطأ كتاب الطهارة باب جامع الوضوء، شرح الزرقاني 1\163.

ورواه من طريق الإمام مالك: البخاري في صحيحه كتاب الوضوء باب إذا شرب الكلب ر ح: 172 فتح الباري 1\285، ومسلم كتاب الطهارة باب حكم ولوغ الكلب ر ح 279 المنهاج 1\519.

[73]  قال القرافي: ” قال صاحب الإكمال: مذهب مالك وأحد قولي الشافعي إذا أكل الكلب من الصيد يؤكل”. الذخيرة 4\171.

[74]  عارضة الأحوذي 6\32.

[75]  تهذيب المسالك في نصرة مذهب الإمام مالك  على منهج العدل والإنصاف في شرح مسائل الخلاف- أبي الحجاج يوسف الفندلاوي 1\365  تحقيق وتعليق أحمد البوشيخي، ط  1 سنة 1430هـ 2009 م دار الغرب الإسلامي.