الدكتور بكار الحاج جاسم

أستاذ مشارك في جامعة يالوا كلية العلوم الإسلامية في تركيا، والمدرس سابقًا في جامعة دمشق كلية الشريعة في سوريا

[email protected]

ملخص البحث

يتناول هذا البحث موضوع السنن الإلهية في سورة الأحزاب، وتبرز أهميته من جهتين: الأولى: من حيث أهمية معرفة السنن الإلهية في حياة الإنسان؛ لأنها قوانين ثابتة لا تتغير، والثانية: أنَّ موضوعات سورة الأحزاب ذات صلة مباشرة بواقع المسلمين المعاصر، فالأحزاب ما زالت تجتمع على عداوة المسلمين، فتقدِّم سورة الأحزاب سننًا إلهية ثابتة تُعَدُّ خطةً مُحْكَمَة في تحمل الأمانة التي حمَّلها الله تعالى للإنسان من خلال الأسوة الحسنة بأخلاق النبوة، والصدق في الإيمان واليقين بوعد الله ووعيده، وكذلك أشارت هذه السورة إلى مكانة أهل بيت النبوة، حيث أراد الله تعالى لهم التخلية من مساوئ الأخلاق والتحلية بمحاسنها، فبالتخلية والتحلية تكون الترقية، والتشريف على قدر التكليف، فالقرآن وأهل البيت العترة لا يفترقان إلى يوم القيامة كما أخبر النبيr، لأجل هذا أراد الله تعالى أنْ يطهرهم، وسنناقش هذه المسألة بالتفصيل.

الكلمات المفتاحية: السنن الإلهية، الأحزاب، المؤمنون، المنافقون، أهل البيت

 The Divine Sunnahs in Surat Al-Ahzab
“Objective study”

Summary

This research discusses the Divine Ways in Surat Al-Ahzab. Highlighting this in two main aspects. First, the importance of understanding how the Divine Ways work in a person’s life. Because these ways are laws that do not change their course or can be changed by humans. Second, is how the topics of Surat Al-Ahzab are directly related to the reality of modern day Muslims. Parties still unite over the animosity of Muslims. And Surat Al-Ahzab presents the never-changing Divine Ways that gives us a strong plan to bear the responsibility that God entrusted to humans, through the good example of the Prophet’s (PBUH) way of life, truthfulness in faith, and complete belief in God’s fair rewards and punishments. This Surah also refers to the high status of The Family of The House (the Prophet’s House). As God wanted them to forsake evil manners and raise themselves with beautiful honorable ones. Because with great status comes great responsibility. As the Prophet (PBUH) said, life and practices of The Family of The House never separate from the teachings of Quran till Judgement Day. For that, God wanted to purify them. And more of that will be discussed next in details.

key words:

Sunan, Surat Al-Ahzab, the believers, the people of the house

المقدِّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، أما بعد فإنَّ أصدق الكتب وأحسنها القرآن العظيم، ذلك أنَّه من لدن حكيم خبير، فعلومه وعجائبه لا تنتهي، ولكل مجتهد في تدبره نصيب، فمَنْ أصاب له أجران، ومَنْ أخطأ له أجر واحد! ومن علومه وحقائقه الثابتة السنن الإلهية، قال تعالى فيها: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)[سورة فاطر: 43]. هذه السنن مبثوثة في القرآن، وخاصة ما يتعلق بالنفس الإنسانية والاجتماع البشري، فأما السنن المتعلقة بالكونيات فقد أشار إليها القرآن على جهة الإجمال وساقها للاستدلال على حقائق مسائل الألوهية والنبوات.

أولًا: سبب اختيار الموضوع:

أردتُ بهذا الموضوع إبراز السنن الإلهية وتذكير أنفسنا بها، عسى أنْ تكون برنامجًا عمليًا في حياتنا؛ لأجل التغيير والنهضة في مجتمعاتنا وأمتنا.

ثانيًا: أهمية الموضوع:

بدأ اهتمامي بالسنن الإلهية في القرآن منذ إعداد رسالة الماجستير التي بحثتْ موضوع السنن الإلهية تأصيلًا؛ لهذا أقدِّم بحثًا في السنن الإلهية، واخترت سورة من سور القرآن لأبحث السنن الواردة فيها، وقد جرتْ العادة أنْ يُخْتَار موضوع من الموضوعات فتُدْرَس سننه الإلهية، فعدلت عن ذلك بغرض كشف المناسبة والعلاقة بين سنن السورة الواحدة، واخترت سورة الأحزاب؛ لأنها متوسطة الطول، وفيها سنن إلهية ذات أهمية كبيرة في حياة المسلمين، وخاصة في هذا العصر الذي تجتمع فيه أحزاب العالَم على عداوة المسلمين كما اجتمع الأحزاب على عداوة النبيr وأصحابه رضي الله عنهم، ولكن خابتْ ظنونهم وانهزمتْ فلولهم، ولن تتبدل هذه السنة الإلهية ما دام هناك مؤمنون صدقوا ما عاهدوا الله عليه!

ثالثًا: الدراسات السابقة:  

الدراسات المتعلقة بسورة الأحزاب كثيرة، مَنْ يبحث في (جوجل) يجدها، وكما ذكرتُ أنَّ لكل مجتهد نصيبًا، فالمادة العلمية واحدة، ولكن الغرض والطريقة والكتابة تختلف، فهي أنفاس والله القابض الباسط والجامع المانع، نسأله السداد والصلاح، كما قال في هذه السورة: (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)[سورة الأحزاب:70، 71].

رابعًا: منهج البحث:

المنهج المتبع في هذا البحث هو المنهج الاستقرائي الوصفي التحليلي، حيث استقرأت جميع آيات السورة فاخترت منها ما يرتبط بالسنن، ومسألة الفصل بين آيات القرآن من جهة الموضوعات دقيقة قد يتعذر في كثير منها؛ لأنَّ للقرآن طريقة فريدة في سرد الموضوعات، فتجد في الآية الواحدة عدة موضوعات في الألوهية والنبوة والكونيات والإنسانيات وغير ذلك! فنبحث ونفرز الآيات من باب سددوا وقاربوا، وتبقى طريقة القرآن هي الطريقة المثلى المعجزة للبشر!

خامسًا: خطة البحث:

جاءت خطة البحث في مقدمة، وتمهيد، وخمسة مباحث، وخاتمة، وفهرس للمصادر:

ـ المقدمة تضمنتْ سبب اختيار الموضوع، وأهميته، والدراسات السابقة، والمنهج، وخطة البحث.

ـ التمهيد: يشتمل على تعريف السنن الإلهية، وفيه ثلاثة مطالب.

ـ المبحث الأول: السنن الإلهية المرتبطة بالنبي r، وفيه ستة مطالب.

ـ المبحث الثاني: السنن الإلهية في أهل بيت النبوة، وفيه أربعة مطالب.

ـ المبحث الثالث: السنن الإلهية في المنافقين، وفيه أربعة مطالب.

ـ المبحث الرابع: السنن الإلهية في المؤمنين، وفيه أربعة مطالب.

ـ المبحث الخامس: سنة الأمانة التي حمَّلها الله تعالى الخلق، وفيه ثلاثة مطالب.

ـ الخاتمة والتوصيات: تناولتْ نتائج البحث وتوصياته.

التمهيد: التعريف بالسنن الإلهية

المطلب الأول: التعريف اللغوي:

السُّنَّة هي: الطريقة والسيرة والعادة، وسنة النبيr: طريقته التي كان يتحراها، وسُنَّة الله: تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته([1]). جاء في لسان العرب: “وسُنَّة الله: أحكامه، وأمره، ونهيه، وسنَّها الله للناس: بيَّنها، وسنَّ الله سُنَّة، أي: بيَّن طريقًا قويمًا، قال الله تعالى:(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)[سورة الأحزاب: 62]. نصب سُنَّة الله على إرادة الفعل، أي: سنَّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياءَ، وأرجفوا بهم أن يُقَتَّلوا أنى ثقفوا”([2]) .

المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي:

تطلق السُّنَّة ـ في الاصطلاح ـ على عدة وجوه:

أولًا: يراد بها عند الأصوليين المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فعُرِّفت عندهم بأنها: “ما صدر عن الرسولr من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز”([3]).

ثانيًا: ويراد بها عند أهل الحديث: “أقوال النبيr، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية، وزاد بعضهم: وأقوال الصحابة والتابعين، وأفعالهم”([4]).

ثالثًا: ويراد بها عند الفقهاء: “ما طلب الشرع فعله من المكلف طلبًا غير لازم”([5]).

المطلب الثالث: التعريف بالمركب الإضافي السُّنَّة الإلهية:

السُّنَّة الإلهية مركب إضافي، وتقدم في التعريف اللغوي قول ابن منظور: وسُنَّة الله: أحكامه وأمره ونهيه. وقد وردت إضافتها في القرآن إلى الله تعالى، كقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)[سورة الأحزاب: 62]. وجاءت مضافة إلى الأولين، كقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ)[سورة الأنفال: 38]. وجاءت مجردة عن الإضافة، كقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين)[سورة آل عمران: 137]. وبعد استقراء كلمة السُّنَّة في القرآن تبين أنها وردت ست عشرة مرة، في إحدى عشرة آية، جاءت مرة مجموعة، ومرة أخرى مفردة، وجاءت مرة مضافة، ومرة أخرى مجردة عن الإضافة، وقد تبيَّن من خلال ذلك أنها جاءت بمعنيين اثنين في القرآن: الأول: وقائع الهلاك بالمكذبين للرسل. والثاني: المناهج والشرائع في الأمم السالفة، وبناءً على ذلك يمكن تعريف السنة الإلهية كمركب إضافي بأنها: “حكم الله المطَّرِد في المكوَّنات”. وقد توصلت إلى هذا التعريف بعد بحث السنن الإلهية في رسالة الماجستير([6]).

المبحث الأول: السنن الإلهية المرتبطة بالنبيr

المطلب الأول: مخاطبة النبيr بصفة النبوة وترقيه في الكمالات الربانية:

خاطب الله تعالى الأنبياء بأسمائهم، وخاطب النبي الخاتمr بصفاته؛ إظهارًا لشرفه وعلو درجته، فتصدرتْ سورة الأحزاب بمخاطبة النبيr بصفة النبوة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ)[سورة الأحزاب:1،4]. وأشار الأمر بالتقوى إلى أنَّ الترقي في الكمالات لا يتناهي، وقد قال تعالى لنبيهr: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[سورة طه:114]. فالعلم لا يتناهى، وكذا الفيوضات الربانية على نبيهr لا تتناهى؛ إذْ إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي، وقد أمر المؤمنين أنْ يصلوا عليهr، قال تعالى في هذه السورة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[سورة الأحزاب: 56]. ومن كرامة النبيr على ربِّه أن جعله وسيلة من وسائل القرب والترقي، فأمر المؤمنين بالصلاة عليه؛ ليرفع ذكرَهم به، قال رسول اللهr: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا”([7]). وقد جاء في فضل هذه السنة الربانية آثار كثيرة، أُفْرِدَتْ في كتب خاصة.

فأشارت هذه الآيات إلى المنهج القويم والصراط المستقيم الذي يحفظ المؤمنين من الانزلاقات، ويرقيهم في درجات الكمالات، وهو اتباع الوحي والتزام التقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، الذين ما يودون أنْ ينزل على المؤمنين من خير من ربهم؛ بل هم أهل أَثَرَةٌ وعداوة، وقد فصَّل القرآن سننهم في ذلك، ومَنْ يتق الله ويتوكل عليه فهو حسبه، قال تعالى هنا:”وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا”. وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[سورة الطلاق:2،3]. ومَنْ كانت وجهته الإيمان بالله واليوم الآخر فلا يلتفت؛ لأنَّ الملتفت لا يصل! ومن السنن الإلهية أنَّ القلب لا يتجه وجهتين في الوقت نفسه، قال تعالى هنا: “مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ”. فلا يوجد قلبان في الإنسان أحدهما للإيمان وآخر للكفر، أو أحدهما للصالحات وآخر للسيئات، أو أحدهما للخير وآخر للشر…إلخ. وهكذا لا تجتمع في القلب الضرائر! حتى المنافق لا يستطيع أن يجمع بين الإيمان والكفر في قلبه، فالنفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ ولهذا لا يفلح المنافقون في سلوكهم.

المطلب الثاني: صفات النبيr:

ذكر القرآن للنبيr خمسة أوصاف في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيل)[سورة الأحزاب: 45 ـ 48]. هذه أوصاف خمسة جامعة لأصول الرسالة الخاتمة، فقد أرسل الله تعالى النبيr شاهدًا بالحق على الحق للحق، وما تزال شهادة النبيr حاضرة في أمته، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[سورة البقرة: 143]. فالوسطية تقتضي الشهود المستمر على الناس؛ لإقامة الحجة عليهم، وقد ربطت الآية بين شهادة الأمة على الناس وشهادة الرسولr على هذه الأمة نفسها؛ وذلك لتبقى الأمة حريصة على أداء شهادتها كما يريد الله تعالى ورسولهr، وشهادة الرسولr على شهادة الأمة تتمثل في سنته الشريفة التي تستقي منها الأمة منهجًا قويمًا في شهادتها وحياتها، وبناء على هذا عُصِمت الأمة من الضلالة، فلا يجتمع جميع أفرادها على خطأ، كما قال النبيr: “إِنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍr عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ”([8]). وإذا كانت الوسطية تعني الخيرية، فقد أكد الله تعالى هذه الخيرية في الأمة، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[سورة آل عمران:110]. دلَّتْ الآية على خيريتها فيما مضى، ولم تدل على انقطاع طرأ([9]). وقد نُقل عن عمرt أنه قرأ هذه الآية ثم قال: “يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها”([10]). وشرط الله كما ذكرته الآية هو الإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقدَّم وصف البشارة على النذارة فقال تعالى: “وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا”؛ لأن رسالته رحمة للعالمين كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[سورة الأنبياء: 107]. ودعوته ليست دعوة رجل إصلاحي ثوري، إنما رسالة نبوية بإذن الله تعالى؛ لهذا قيَّد ذكر الدعوة بإذن الله، فقال تعالى: “وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ”. ثم قال: “وَسِرَاجًا مُنِيرًا”. فـ “لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيَّنَةٌ … كَانَتْ بديهته تنبئك بالخبر”([11]). فالنبيr سراج منير خَلْقًا وخُلُقًا وكتابًا وحكمةً وأصحابًا ومنهجًا، إنه سراج منير لا ينطفيء نوره أبدًا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَt قَالَ: “مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِr كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِr كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ”([12]). وعَنْ أَنَسٍt قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِr أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِr، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِr”([13]).

المطلب الثالث: ولاية النبيr العامة:

بعد إبطال التبني ـ كما ذُكِرَ في أول سورة الأحزاب ـ لم يعد النبيr أبًا لزيد بن حارثةt، ولا لأحدٍ من الرجال حقيقةً، قال تعالى في هذه السورة: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)[سورة الأحزاب: 40]. لأنَّ أولاده الذكور ماتوا صغارًا؛ ولم يكن له أحفاد إلا من طرف السيدة فاطمة رضي الله عنها، وكأنَّ انقطاع نسبه من الذكور يشير إلى انقطاع النبوة من بعده، فهو خاتم النبيين كما صرَّح القرآن هنا، وقد أخبر النبيr بذلك، فقال: “كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ”([14]). ولكن الله تعالى قد أكرم نبيهr بالولاية العامة على المؤمنين، فقال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم)[سورة الأحزاب: 6]. فولاية النبيr عامة في الدين والدنيا، فمَنْ اتخذه وليًا فقد أفلح وسَعِدَ في الدارين، ذلك أنَّ النبي هو النور المبين والرحمة المهداة للعالمين، والكلام في هذا الباب واسع، أشير إلى بضعة أحاديث: قال رسول اللهr: “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ”([15]). وقال رسول اللهr: “كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ”([16]).

المطلب الرابع: شرف مقام النبيr في النبيين عليهم السلام:

أشارت سورة الأحزاب إلى ذلك المقام المنيف من بين النبيين في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا)[سورة الأحزاب: 7، 8]. فالميثاق الأول هو النبوة والتبليغ، والميثاق الغليظ هو الإيمان بالنبي الخاتم ونصرته، وقد فسَّره قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)[سورة آل عمران: 81].

وفي سؤال الصادق عن صدقه إشارةٌ إلى أمرين: الأول: تنبيه إلى التزام التقوى ومراقبة النفس ومحاسبتها. والثاني: تبكيت وتوبيخ للمكذبين، فإذا كان الصادق يُسْأل عن صدقه فمن باب أولى يُسْأل الكاذب عن كذبه. فالجميع يُسْألون، قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)[سورة الأعراف: 6]. سؤال الرسل فسَّره قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)[سورة المائدة: 109]. وقال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[سورة الحجر: 92، 93]. قال رسول اللهr: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه”([17]).

المطلب الخامس: النبيr هو الأسوة الحسنة:

الأسوة الحسنة مطلب تربوي عام، نلاحظ أهميتها من خلال المؤسسات الأسرية والتربوية، فالأسوة الحسنة لجميع الأفراد والمؤسسات في جميع المستويات هو النبيr، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[سورة الأحزاب: 21]. ذكر الأسوةِ الحسنة في هذه السورة بين موقف المنافقين وموقف المؤمنين ليشير إلى ما يجب أنْ يكون عليه كلا الفريقين؛ فهلّا حرَّكتْ مكارم النبوة والأخلاق ـ أي: الأسوة الحسنة ـ في نفوس المنافقين نوازع الفطرة الإنسانية نحو تلك الكمالات الإنسانية؟ لو لم يكن سيدنا محمدr نبيًا لكانت أخلاقه الإنسانية جاذبة للنفوس الكريمة! فأي شيءٍ فيه لا يرضى عنه الناس؟ إنه الإنسان الكامل، والنبي الخاتم، والرحمة المهداة، والنور المبين، والصادق الأمين! وليس بعد ثناء ربه عليه ثناء، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )[سورة القلم: 4]. وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ”([18]). وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[سورة الأنبياء: 107]. فرسالته اقتصرت على الرحمة فلا تتجاوزها، ورحمته عمَّتْ العوالم كلها علويها وسفليها! لهذا كان هو الأسوة الحسنة لِمَنْ أراد سعادة الدارين، فهو أسوة حسنة ليس غير، لأنه لا يكون منه إلا الحسنة، فالسيئة ليستْ من أخلاقه، فوجهته وطريقه الصراط المستقيم الذي منه وبه يبدأ، وإلى الجنة ينتهي، لكن الهوى يصم ويعمي، وقد أردتْ الأهواء المنافقين والكافرين في المهالك، ونجا وأفلح مَنْ عرف قَدْرَ النبيr فتأسَّى به في جميع أعماله. وقد رأى الصحابة رضي الله عنهم النبيr يتقدمهم في المعارك فتقدَّموا، ورأوه صابرًا ثابتًا فصبروا وثبتوا، ورأوه كيف كان يعصب بطنه من الجوع يوم الأحزاب فأسرع بعضهم بصنع الطعام كما فعل جابرt([19]). عَنِ البَرَاءِt قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّr يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلاَ اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلاَ تَصَدَّقْنَا، وَلاَ صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: أَبَيْنَا أَبَيْنَا”([20]). هذا هو القائد الأسوة الذي يُفْتَدى بالأرواح!

المطلب السادس: إيذاء النبيr وأتباعه من المؤمنين:

لقد توعد القرآن الذين يؤذون الله ورسوله، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[سورة الأحزاب: 57، 58]. فمَنْ آذى الله تعالى بالكفر والشرك وآذى رسوله بالانتقاص من نبوته وقدره فجزاؤه اللعن، أي: الطرد عن رحمة الله في الدنيا والآخرة، والعذاب المهين في جهنم. فأما مَنْ آذى مؤمنًا بالقيل والقال بغير وجه حق فقد بهته وأثم إثمًا عظيمًا. قال رسول اللهr: “أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ”([21]). والْبُهْتَان هو الْكَذِب الَّذِي يبهت سامعه، أَي: يدهشه لفظاعته([22]). وقال رسول اللهr: “إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ”([23]). والمراد بولي الله: العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته، عاداه من أجل ولايته وليس على الإطلاق، فيستثنى منه ما إذا كانت الحال تقتضي نزاعًا بين اثنين في مخاصمة أو محاكمة ترجع إلى استخراج حق أو كشف غامض، ولمَّا كان ولي الله مَنْ تولى الله بالطاعة والتقوى تولاه الله بالحفظ والنصرة، وقد أجرى الله العادة بأن عدو العدو صديق، وصديق العدو عدو، فعدو ولي الله عدو الله، فمن عاداه كان كمن حاربه، ومَنْ حاربه فكأنما حارب الله([24]).

وينبغي على المؤمن أنْ يبتعد عن مواطن الشبهة، وألا يُهَوِّن من شأن دينه؛ حتى لا يُهَان ويُؤْذى، وعندئذٍ يكله الله تعالى إلى نفسه فلا يدافع عنه؛ لهذا عقَّب القرآن بعد الكلام عن خطورة أذى المؤمنين بما يجب عليهم من الالتزام بدينهم؛ ليكون الله تعالى وليهم ونصيرهم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[سورة الأحزاب: 59]. فإذا عُرِف الإنسان بالاستقامة فالله يتولى الدفاع عنه، فيبعد أذى الناس عنه، وإنْ ظهر من أحدٍ أذى بارزه الله بالحرب؛ لأنّه عادى وآذى وليًا من أوليائه، وقد قضتْ سنته بالدفاع عنهم كما سبق بيانه، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)[سورة الحج: 38]. “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّr جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّr يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّr وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً”([25]).

المبحث الثاني: السنن الإلهية في أهل بيت النبوة

المطلب الأول: معنى كلمة أهل البيت في القرآن:

وردتْ كلمة أهل البيت في القرآن في سياق الكلام عن زوجات الأنبياء عليهم السلام، فسياق آيات الأحزاب تدلُّ على أنَّ المراد بأهل البيت نساء النبيr، وقال تعالى في إبراهيمu وأهله: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)[سورة هود: 73]. وقال تعالى في لوطu وأهله:(إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)[سورة العنكبوت: 33]. وقال تعالى في موسىu وأهله: (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)[سورة طه: 10]. فهذه الآيات تؤكد أنَّ زوجة الرجل من أهل بيته، واللغة والعرف العام يؤكدان ذلك. فأما آية الأحزاب فأذكرها مع السباق واللحاق؛ ليتجلَّى المعنى للناظر، قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)[سور الأحزاب: 33، 34].

المطلب الثاني: معنى أهل البيت في آية الأحزاب:

الظاهر من خلال سياق الآيات أنَّ المقصود بأهل البيت في آية الأحزاب هو نساء النبيr، فإنْ قيل: لو كان المراد بأهل البيت في هذه الآية نساء النبيr كما هو ظاهر من السياق، فلماذا لم يرجع الضمير إلى النساء فيقول: ليذهب عنكن الرجس، كما رجع إليهن ضمير النسوة أكثر من عشرين مرة في سياق الآيات؟([26]) ولماذا كانت نسبة البيوت إليهن ما قبل كلمة أهل البيت وما بعدها، فقال تعالى: بيوتكن، وعند ذكر الأهل قال: البيت بالمفرد أي: بيت واحد وليس بيوتًا؟ يقال في الجواب: إنَّ المسألة بسيطة وواضحة يعلمها الأعجمي قبل العربي، فقد عدل عن ضمير النسوة إلى ضمير جمع المذكر حتى يشمل النساء والرجال، فيدخل أبناؤه وأحفاده كما تدخل نساؤه وبناته في أهل البيت، كما خاطبت الملائكة امرأة إبراهيمu ثم قالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)[سورة هود: 73]. لقد عدلوا عن مخاطبتها بالمفرد المؤنث إلى مخاطبة الجمع المذكر، فقالوا: عليكم أهل البيت ولم يقل: عليكِ، حتى يشمل الرجل والمرأة أي: الزوج والزوجة، وكذلك فيه إشارة لولدهما الذي بُشِّرَتْ به وأحفادهما أي: إسحاق ويعقوب وأبناؤه من بعد. فأما القول: لماذا أفرد كلمة البيت وفي السباق واللحاق ذُكِرَ بالجمع مضافًا إلى نون النسوة، فقال: بيوتكن؟ فيقال: أل التعريف في كلمة البيت للعهد، فالبيت المعهود هو بيت النبوة، وقد كان للنبيr بيوت على عدد زوجاته، سماها القرآن: الحجرات، فشملت كلمة البيت بيوته كلها.

المطلب الثالث: الحديث الوارد في أهل البيت في السنة:

فإن قيل: لقد وردت روايات كثيرة تفيد أنَّ أهل البيت هم فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم، والسنة مبيِّنة للقرآن، إذن فالمراد بأهل البيت هم هؤلاء المذكورون بنص السنة، يقال في الجواب: ما ثبت في السنة لا يعارض القرآن، بل أكدتْ السنة وبيِّنتْ أنَّ القرآن عدل عن مخاطبة المؤنث إلى مخاطبة المذكر حتى يشتمل المعنى على أبناء النبيr وأحفاده وصهره علي رضي الله عنهم، فأكدت أنَّ المراد بالبيت هو بيت النبوة، والنبيr يُدْخِلُ فيه مَنْ يشاء، فهو صاحب البيت، كما قالr: “سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ”([27]). وجَمْعُ النبيِّr لأهل الكساء وإدخال سلمانt لا يدلُّ على الحصر. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: “خَرَجَ النَّبِيُّ r غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”([28]). وقَالَ أَنَسٌt: “وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ لَمْ يَخْرُجَا، فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ”([29]).

إذن فنساء النبيr من أهل البيت بالمصاهرة، وقد ثبت بنص القرآن، وأهل الكساء من أهل البيت بالنسب، وسلمان الفارسي من أهل البيت بالولاء، وقد ثبتا بنص السنة، وقد وسَّع الفقهاء مصطلح أهل البيت حتى شمل قرابته من بني هاشم.

المطلب الرابع: معنى التطهير لأهل البيت:

ينبغي فهم معنى الآية من خلال سياق الآيات وما فيها من أحكام تكليفية وتوجيهات ربانية، فأراد الله تعالى بهذه الأحكام أنْ يحفظ شرف أهل البيت ومكانتهم بالتخلية عن المساوئ والتحلية بالمحاسن، كمثل قول ناصح لأخيه، ينهاه عن الرذائل ويحثه على الفضائل، ويختم نصيحته بقوله: إنما أريد لك الخير والسمعة الحسنة والطُّهر…إلخ. فالتكليف على قدر التشريف، وقد علل القرآن ذلك فقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)[سورة الأحزاب: 32]. فأمرهن بما أمر لِيُذهب عن أهل البيت الرجس أي: الخبائث والرذائل التي لا تليق بالأشراف والسادة، ويطهرهم تطهيرًا، أي: يزكيهم بالفضائل ومحاسن الأخلاق بما يليق بشرف الانتساب إلى بيت النبوة، فأهل البيت ليس كغيرهم إن اتقوا! وكذلك إنْ أخطأوا فخطأهم ليس كخطأ غيرهم، فأراد الله تعالى لهم بهذه الأوامر والتوجيهات أنْ يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا يليق بأنْ يكونوا أسوة حسنة للناس، فلْيُروا اللهَ من أنفسهم خيرًا، وليكونوا أهلًا لحمل الأمانة، وقد أشار رسول اللهr إلى ذلك التكليف والتشريف فقال: “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا”([30]).

إذن فلأجل هذا التلازم بين القرآن وأهل البيت أراد الله تعالى أنْ يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، فمَنْ اتقى وأدى الأمانة نال مرتبة الشرف الأولى، ومَنْ ضيَّع الأمانة فأمره إلى الله إنْ شاء ألحقه بأهله وإنْ شاء عذَّبه، ذلك أنَّ شرف الانتساب إلى بيت النبوة لا يغني عن شرف القرب من الله ورسوله بالأعمال الصالحة، ولهذا قال تعالى بعد آية التطهير: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[سورة الأحزاب: 35]. عدد أنواعًا من الأعمال الصالحة، وقرن النساء بالرجال؛ ليتنبَّه المسلمون إلى أنَّ خصوصية أهل البيت هي تشريف وتكليف، فإنْ قصروا في التكليف فاتهم التشريف، وذلك الشرف قد يناله المسلمون بالأعمال الصالحة التي عددها هنا، وأشار بإظهار النساء في السياق إلى أنَّه لا فرق بين الرجل والمرأة في الإيمان والعمل الصالح، وقد تسبق المرأةُ الرجلَ بأعمالها، فكذلك لا فرق في الإيمان والعمل الصالح بين المسلمين عمومًا وأهل البيت، وقد يُسْبَق المسلم من أهل البيت بذلك، فالمزية التي أكرم الله تعالى بها أهل البيت لا تُنْقِص من المزايا الكثيرة للمسلمين عمومًا، فالفضل من الله يؤتيه مَنْ يشاء.

المبحث الثالث السنن الإلهية في المنافقين

المطلب الأول: التشكيك وإشاعة الأكاذيب والفرار من المواجهة:

بيَّن القرآن في هذه السورة موقف المنافقين من تجمع الأحزاب كما بيَّن موقف المؤمنين، ومثل تلك المواقف تتكرر في كل ابتلاء يصيب المؤمنين على مدار العصور؛ لهذا يجب الاهتمام بمثل هذه المواقف التي تعد سننًا كونية ثابتة، وقد بدأ بموقف المنافقين وفصَّل فيه؛ لخطورته على المؤمنين عمومًا، قال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا  وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا)[سورة الأحزاب: 12-15]. فأول خطوة خاطئة يتخذها المنافقون هي التشكيك في الثوابت والمحكمات من الدين، فرأوا أنَّ وعد الله ورسوله لهم بالغلبة والنصر وغير ذلك كان باطلًا وزورًا! والخطوة الخاطئة الثانية هي إشاعة الأراجيف والأكاذيب، ودسُّ السُّمَّ في العسل من خلال إثارة مصطلحات رجعية عصبية طائفية إلى غير ذلك من الأغراض الخبيثة، كما تفعل وسائل الإعلام المعاصرة المكتوبة والمسموعة والمرئية في وقتنا المعاصر! قال تعالى هنا: “وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا”. فتنبَّه كيف وجَّهوا الخطاب لأهل يثرب فقط، إنه خطاب يشير إلى غرض المنافقين في العودة إلى ما قبل دخول النبيr المدينة المنورة، أي: يريدون أنْ يرجعوا إلى العصبية والجاهلية لتبقى لهم السيادة! ويشير قولهم: “لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا”. إلى ترك المهاجرين يواجهون تلك الحشود! والخطوة الثالثة التي تعقب تلك الدعوات والأراجيف هي الفرار من المعركة بأسلوب الاستئذان والاعتذار الكاذب، يقولون: “إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا”. فقد فروا، “وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا”. فقد جمعوا بين خسيستين: النفاق والغدر، وليس ذلك من مكارم الأخلاق عند الرجال! ومن شناعات أخلاقهم أنَّ إثارة الفتنة بين الناس مقدَّمة عندهم على عورة البيوت التي اعتذروا لأجلها اعتذارًا كاذبًا، لقد فضح القرآن شأنهم هذا، فقال تعالى: “وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا”. أي: لو دخلت تلك الجموع بيوتهم من كل جانب ثم طُلِبَ منهم الفتنة لتركوا بيوتهم واستجابوا دون تأخير! لقد نكَّسوا سُلَّمَ الأولويات والضرورات!

ولن ينفعهم الفرار، قال تعالى: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)[سورة الأحزاب: 16، 17]. إنْ كان فرار المنافقين خوفًا من القتل فإنَّ هذا الفرار لا يغنيهم من الموت أو القتل المقدَّر عليهم، ولن يتمتعوا بالحياة وقتًا طويلًا، ذلك أنَّ الموت الذي يفرون منه فإنه ملاقيهم، وليس لديهم عصمة تمنع نزول قدر الله فيهم، فلا يدفع السوء ولا يأتي بالرحمة إلا الله تعالى، وليس لأحدٍ من دونه من ولي ولا نصير في دفع مفسدة أو جلب مصلحة.

المطلب الثاني: التعويق والشح والخوف وسلاطة اللسان:

من سنن المنافقين الواردة هنا: التعويق والشح والخوف وسلاطة اللسان، قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا)[سورة الأحزاب: 18ـ20]. لقد كشف الوحي أساليب المنافقين في التعويق، أي: وضع العوائق، وفي التحزب؛ لأجل تثبيط المؤمنين، وزعزعة إيمانهم وثباتهم، وبذلك تنقلب تلك الأساليب حسرة عليهم، ويزداد المؤمنون إيمانًا مع إيمانهم! والمنافقون لا يشاركون في حرب إلا قليلًا، وإنْ شاركوا فلأجل غرضين رئيسين: الأول: تحقيق منفعة خاصة. والثاني: إثارة الفتنة، وإفساد ذات البين، قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)[سورة التوبة: 47]. والخبال: الفساد والشر والاضطراب، ولأوضعوا خلالكم، أي: سعوا بينكم بالنمائم والتضريب بين ذات البين([31]). ومن سنن المنافقين المذكورة هنا: الشح، ومعناه: بخل مع حرص، فالشحيح حريص على ما ليس بيده، فإِذا حصل بيده شَحَّ وبَخِل بإِخراجه، فالشح يأْمر بالبخل؛ كما قال رسول اللهr: “إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا”([32]). فالبخيل: مَن أَجاب داعي الشُّحَ، والْمُؤثِر من أَجاب داعي الجود والسخاء([33]). فالمنافقون “أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ” أيها المؤمنون خاصةً، وهم “أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ” عامةً. ومن سننهم: سلاطة اللسان، “فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ”. فالمنافقون إذا خاصموا فجروا، وذلك إذا انتهت الحرب وذهب خوفهم آذوا المؤمنين بألسنتهم السليطة الفاجرة!

المطلب الثالث: الخوف والرعب والجُبْن:

ومن سننهم: الخوف والرعب والجُبْن، قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)[سورة الأحزاب:19]. وقال تعالى: (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ)[سورة الأحزاب:20]. أي: يرغبون في الخروج إلى البوادي بعيدًا عن الأحزاب؛ لأنهم إنْ بَقَوْا إما أنْ يحاربوا وهم شاكون بالنصر، وإما ألا يحاربوا فتظهر عداوتهم للمؤمنين، فيريدون أنْ يبقوا في حالة التذبذب والنفاق؛ لذلك يرغبون بالابتعاد، ومن بعيد يسألون عن الأنباء! وينبغي ألا يعبأ المؤمنون ببعدهم عن القتال؛ لأنَّ في مشاركتهم خبالًا ومفسدة بين ذات البين.

المطلب الرابع: سنة الله في المنافقين:

النفاق داء عضال يفتك بالأمة، وخطورته على المنافق نفسه أعظم، حيث يحبط عمله ويكون في الدرك الأسفل من النار، إنْ كان نفاق اعتقاد لا نفاق عمل، قال تعالى: (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)[سورة محمد: 28]. وقال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)[سورة النساء 145، 146]. وقد بيَّن القرآن في هذه السورة سنة الله فيهم، قال تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)[سورة الأحزاب 60 ـ 62]. فأكثر الأذى الذي يصيب المؤمنين يأتي من جهة المنافقين؛ وذلك لقربهم ومخالطتهم، وقد توعدهم الله تعالى بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة إنْ لم ينتهوا عن الأذى بأنْ يطردهم عن رحمته، ويسلط عليهم مَنْ يسومهم العذاب، ويبغضهم إلى الناس، فلا يجالسونهم ولا يتعاملون معهم، وتكون نهاياتهم وخيمة، تلك سنة الله فيهم، ولا يمكن لأحدٍ أنْ يبدل سنة الله أو يغيرها. والمراد بقوله تعالى: “الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ”. أوصاف ثلاثة لموصوف واحد، كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات… ) إلخ الآية[سورة الأحزاب: 35]. حيث ذكر أصنافًا عشرة، وكلهم يوجد في واحد، فهم واحد بالشخص كثير بالاعتبار([34]).

المبحث الرابع: السنن الإلهية في المؤمنين

المطلب الأول: الابتلاء:

السنن المتعلقة بالمؤمنين في القرآن كثيرة، المذكور منها في هذه السورة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)[سورة الأحزاب: 9 ـ 11].  تلك واقعة من وقائع ابتلاءات المؤمنين، وذلك يوم الأحزاب أو الخندق، فقد زاغت الأبصار، أي: مالت عن حد الاعتدال في الرؤية، بسبب الحيرة والدهشة عندما رأوا جموع الكافرين وتكالبهم، وقد بلغت القلوبُ الحلقومَ من الفزع والخوف، وتعددت الحسابات والتكهنات والتحليلات السياسية والعسكرية في نتائج تلك المعركة التي زلزلت المؤمنين زلزالًا شديدًا، فكشفتْ حقائق الإيمان والصبر والثبات والتوكل، حقًا كان الابتلاء عظيمًا ميَّز الخبيث من الطيب، وأظهر معادن الرجال! عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: “كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهr قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهr لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهr: أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهr: وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهr مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: قُمْ يَا نَوْمَانُ”([35]).

المطلب الثاني: اليقين بوعد الله، والصدق في المواقف من سنن المؤمنين:

لا يشك المؤمنون بوعد الله في النصر وغيره؛ ولهذا تراهم صادقين في المواقف وفيما عاهدوا الله عليه، قال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)[سورة الأحزاب: 22ـ 24]. لقد صدق رجال من المؤمنين ما عاهدوا عليه الله، ليس يوم الأحزاب فحسب؛ بل صدقوا في الإيمان والاتباع، وفي المهمات والمدلهمات! فأما يوم الأحزاب فقد عبَّروا عن موقفهم بقولهم: “هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا”. فالزلزال الشديد الذي أصابهم يوم الأحزاب زادهم إيمانًا وتسليمًا؛ لأنهم علموا مَثَلَ الذين من قبلهم حين زلزلوا فثبتوا فنصرهم الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[سورة البقرة: 214]. وكذلك ثبت المؤمنون يوم الأحزاب. عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍt قَالَ: “كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا فَأَجَابَهُمْ: اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ”([36]).

المطلب الثالث: المؤمنون لا ينازعون الله ورسوله في حكم:

من سنن المؤمنين في رسوخ الإيمان والثبات أنَّهم لا ينازعون الله ورسوله فيما قضى وأمر، خلافًا للمنافقين، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)[سورة الأحزاب: 36]. المؤمن الحق وقَّاف عند الحق، لا يداهن ولا ينافق، اختياره ما اختار الله ورسوله؛ لأنّه يعلم أنَّ الله يحكم ما يريد، وأنَّ حكم الله عدل ورحمة وإحسان، ويعلم أنَّ النبيr هو أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، كما تقدم بيانُه، ويعلم أنَّ في معصية الله ورسوله ضلالًا بعيدًا، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم مضرب المثل في سرعة الاستجابة لله ولرسوله، وفي الثبات على الحق! جاء في الصحيح من حديث طويل: “فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوك،ِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍr مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَه”([37]). ولهذا نالوا أعلى شهادة تزكية ورضوان في تاريخ الإنسانية، لقد زكَّاهم ربُّهم فأَنْعِمْ وأَكْرِمْ! قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[سورة التوبة: 100]. إذن فالإيمان والثبات على الحق له ثمن كبير عند الله تعالى، لا يفقهه غير المؤمن الذي ذاق طعم الإيمان ورسخ في قلبه.

 المطلب الرابع: سنة الله في المؤمنين:

عندما صدق المؤمنون في التأسي برسول اللهr، وصدقوا في اليقين، وصدقوا في الثبات، كفاهم الله القتال، كما قال تعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)[سورة الأحزاب: 25 ـ 27]. وقد مَنَّ الله تعالى على المؤمنين فنصرهم بريح وبجنود لم يروها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)[سورة الأحزاب: 9]. ورد الله تعالى بذلك الذين كفروا بغيظهم أي: بحقدهم وغضبهم؛ لفشلهم فيما أرادوا. قَالَ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّt: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ: “يَا رَسُولَ الله، هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، قَالَ: نَعَمْ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا. قَالَ: فَضَرَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرِّيحِ”([38]). وكان من دعاء الرسولr يوم الأحزاب: “اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ”([39]). هذا ما يتعلق بالأحزاب الذين جاءوا من خارج المدينة، فأما الذين من داخل المدينة فهم يهود بني قريضة الذين نقضوا عهدهم وانضموا إلى المشركين، “فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهr مِنَ الخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاَحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الغُبَارِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ وَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّr: فَأَيْنَ؟ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ الله، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَرَدَّ الحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ”([40]). هكذا نالوا جزاء غدرهم بعد أنْ قذف الله تعالى في قلوبهم الرعب، وأنزلهم من صياصيهم، أي: حصونهم!

ومن سنن الله في المؤمنين أيضًا أنَّه يصلي عليهم وملائكتُه، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا )[سورة الأحزاب: 41 ـ 43]. ذِكْرُ اللهِ نعمةٌ ليس فوقها نعمة، عرفها مَنْ عرف وأنكرها مَنْ أنكر! وبهذه النعمة يخرجه الله من الظلمات إلى النور، وهكذا تتوالى الرحمة وتتعاظم المثوبة! فصلاة الله على المؤمن هي الرحمة، وصلاة الملائكة هي الاستغفار، والمؤمن دائمًا يذكر الله تعالى في قيله وعمله وحاله، وكأنَّ المراد بالذكر هنا أنْ تكون للمؤمن سُبْحَةٌ، أي: وردٌ يواظب عليه في الأوقات التي أشار إليها القرآن في الصباح والمساء وأطراف النهار وآناء الليل. قال رسول اللهr: “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلّ”([41]).

وكذلك يصلح لهم أعمالهم بشرط القول السديد، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[سورة الأحزاب:70، 71]. القول السديد أي: الصواب غير المائل عن الحق، يقال: سدد السهم نحو الرمية: إذا لم يعدل به عن الهدف، والقول السديد يدخل في معنى التقوى، خصَّه بالذكر؛ لأهميته وخطورته في حياة الإنسان، فالكلمة مفتاح الأعمال، بها تكون صالحة أو فاسدة؛ لهذا قال تعالى: (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ). فصلاح الأعمال وفسادها متعلق باللسان، ابتداءً من النطق بالشهادتين: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وقد ضرب الله تعالى مثلًا للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)[سورة إبراهيم: 24ـ 26]. قال رسول اللهr: “إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا”([42]). وقال رسول اللهr: “إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ”([43]).

المبحث الخامس: الأمانة سنة الله التي حمَّلَها الخلق

المطلب الأول: الأمانة السنة الإلهية المكلَّف بها الإنسان:

خُتِمَتْ سورة الأحزاب بآية الأمانة، قال الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[سورة الأحزاب 72،73]. أشارت هذه الآية إلى فلسفة عميقة لا يمكن إدراكها بالعقل، ظاهرها أنَّ الإنسان هو الكائن الذي حَمَل باختياره الأمانة التي بُنيَ عليها التكليف الذي بُنيَ عليه المسؤولية والجزاء، ولم يقدِّر ويفكر الإنسان حين التحمل بالأداء والوفاء، فالتحمل ليس كالأداء؛ ولهذا ضيَّع كثير من الناس الأمانة فظلموا أنفسهم وجهلوا عواقب الأمور، وقد أوفى بعضهم بها فأدَّاها على وجهها، وأولهم المرسلون والأنبياء والربانيون ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المطلب الثاني: الكون يسبح بحمد ربِّه:

بيَّنتْ آية الأمانة أنَّ السموات والأرض والجبال اخترن الطاعة والتسيير على الاختيار والتكليف، وقال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين)[سورة  فصلت: 11]. وهذه المسألة لا يفقهها الإنسان، فالإيمان بها من جهة الوحي، قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[سورة الإسراء: 44]. وقد ذُكِرتْ قصة النملة والهدهد في القرآن، ووردت الآثار بشأن كلام الجماد والحيوان للنبيr، فالمسألة ليست غريبة على المؤمنين؛ لإمكانها العقلي، ووقوعها السمعي. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَt قَالَ: “صَلَّى رَسُولُ اللهr صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ الله بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ الله ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ قَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ”([44]).

المطلب الثالث: نتيجة حفظ الأمانة وإضاعتها:

بيَّن القرآن بعد الكلام عن الأمانة النتيجة المترتبة على حفظها أو إضاعتها، قال تعالى: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[سورة الأحزاب:73]. هذه اللام تسمى لام العاقبة، أي: حمل الإنسان الأمانة؛ لتكون عاقبته العذاب بإضاعتها، أو التقصير فيتوب الله عليه ويغفر له. وخصَّ النساء بالذكر من المنافقات والمشركات والمؤمنات؛ للتأكيد على أنَّ النساء كالرجال في حمل الأمانة والمسؤولية عنها([45]). ولمَّا قال تعالى عن الإنسان: “إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. قابل هاتين الصفتين بالمغفرة والرحمة، قال تعالى: “وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا”. فكل ذنب ما دون الشرك فمعلق بمشيئة الله تعالى، فأما الشرك فقد نصَّ على عدم مغفرته، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)[سورة النساء: 47، 48]. وهذه أرجى آية في القرآن. وهكذا خُتِمَتْ سورة الأحزاب بوعيد المنافقين والمشركين، كما بدأتْ بالأمر بعدم طاعتهم.

الخاتمة:

بعد هذه الدراسة تتبين أهمية الدراسة في البحث عن السنن الإلهية في القرآن، ذلك أنَّها قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل كما ذكر القرآن، ولم نجد ما يعارضها في الواقع على مدى العصور، ولن يكون؛ لأنَّ المُخْبِر عنها وحي لا ينطق عن الهوى، فتميَّزتْ بالصدق والثبات والاحتجاج! وفي هذه الخاتمة أثبت أبرز السنن الإلهية الواردة في البحث بحسب الترتيب المتقدم:

أولًا: الترقي في الكمالات لا يتناهى، وشهود النبيr بسنته وسيرته على أمته لا ينقطع، ولم يكن النبيr أبًا لأحد، إنما كان وليًا على المؤمنين جميعًا، وهو الأسوة الحسنة لأمته؛ بل للناس أجمعين، على جميع المستويات الفردية والاجتماعية والمؤسساتية، ومَنْ آذى الله ورسوله والمؤمنين فقد آذن الله تعالى بالحرب، ولا شك أنَّه مهزوم مطرود.

ثانيًا: مصطلح أهل البيت يعني الرجل ونساؤه وذريته، فنساء النبيr من أهل البيت بالمصاهرة، وقد ثبت بنص القرآن، وأهل الكساء من أهل البيت بالنسب، وسلمان الفارسي من أهل البيت بالولاء، وقد ثبتا بنص السنة، وقد وسَّع الفقهاء مصطلح أهل البيت حتى شمل قرابته من بني هاشم، وأهل بيت النبوة ليس كغيرهم إن اتقوا! وكذلك إنْ أخطأوا فخطؤهم ليس كخطأ غيرهم، وقد أراد الله تعالى لهم بما كلَّفهم أنْ يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا يليق بأنْ يكونوا أسوة حسنة للناس، فالتشريف على قدر التكليف، وقد أخبر النبيr بالتلازم بين القرآن وأهل بيته عترته، ولأجل ذلك أراد الله تعالى أنْ يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، فمَنْ اتقى منهم وأدى الأمانة نال مرتبة الشرف الأولى، ومَنْ ضيَّع الأمانة فأمره إلى الله إنْ شاء ألحقه بأهله وإنْ شاء عذَّبه، ذلك أنَّ شرف الانتساب إلى بيت النبوة لا يغني عن شرف القرب من الله ورسوله بالأعمال الصالحة.

ثالثًا: سنن المنافقين كثيرة، المذكور منها في سورة الأحزاب: التشكيك في الثوابت والمحكمات من الدين، وإشاعة الأراجيف والأكاذيب وإثارة الفتن بين المؤمنين، والفرار من مواجهة المخاطر الذي تصيب المؤمنين، ومن سننهم أيضًا: التعويق والشح والخوف وسلاطة اللسان. فالنفاق داء عضال يفتك بالأمة، وخطورته على المنافق نفسه أعظم، حيث يحبط عمله ويكون في الدرك الأسفل من النار، إنْ كان نفاق اعتقاد لا نفاق عمل، وسنة الله في المنافقين فيما ذكرته سورة الأحزاب، إنْ لم ينتهوا عن الأذى؛ الطرد من رحمة الله، وأنْ يسلط عليهم مَنْ يسومهم العذاب، ويبغضهم إلى الناس، فلا يجالسونهم ولا يتعاملون معهم، وتكون نهاياتهم وخيمة، تلك سنة الله فيهم، ولا يمكن لأحدٍ أنْ يبدل سنة الله أو يغيرها كما عقَّب القرآن بعد الكلام عن سننهم وسنة الله فيهم.

رابعًا: من سنن الله في المؤمنين الابتلاءات؛ ليمحص الخبيث من الطيب، وإصلاح أعمالهم وتسديد أقوالهم، وصلاة الله عليهم بالرحمة والمغفرة، وصلاة الملائكة بالاستغفار. فإنْ صدقوا في إيمانهم واتباعهم في التأسي بالنبيr وثباتهم على الحق نصرهم نصرًا عظيمًا.

خامسًا: الأمانة سنة الله في التكليف التي حمَّلها الخلق أجمعين، فمَنْ أداها أفلح، ومَنْ ضيَّعها خسر.

التوصيات:

أولًا: الاهتمام بدراسة السنن الإلهية في القرآن دراسة عميقة، وربطها بالواقع الذي نعيشه، حتى تتحول تلك السنن إلى برنامج عملي تطبيقي في حياتنا.

ثانيًا: أوصي الباحثين الذين جمعوا بين التخصص العلمي الدقيق وعلوم القرآن أنْ يبحثوا السنن الإلهية المتعلقة بالكونيات على وجه الخصوص، فذلك يقدِّم أدلة علمية على أنَّ القرآن وحي من عند الله تعالى، وليس إبداعًا بشريًا.

مصادر البحث[46]

 _القرآن الكريم

_ الآمدي (سيف الدين علي بن أبي علي ت: 631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي ببيروت.

_ البخاري (محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت 256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ببيروت، ط/1987م.

_ بكار الحاج جاسم، سنن الطبيعة والمجتمع في القرآن الكريم “دراسة تأصيلية تطبيقية”، دار النوادر بدمشق، ط1/2012م

_ البيضاوي (ناصر الدين عبد الله بن عمر (ت 691هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي ببيروت، د/ط/ د/ت.

_ الترمذي (محمد بن عيسى أبو عيسى (ت 279هـ)، سنن الترمذي، مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، ط2/1975م

_ الحاكم (أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله (ت: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، ط1/1411هـ/1990م.

_ ابن حجر (أحمد بن علي (ت 852 ه‍)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية ببيروت: ط1: 1410ه‍/1989م.

_ ابن حنبل (أحمد بن حنبل: ت 241ه‍ )، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرون: إشراف د عبد الله بن عبد المحسن التركي: مؤسسة الرسالة: ط1/1421ﻫ/2001م.

_ أبو داود (سليمان بن الأشعث: ت 275ه‍ )، سنن أبي داود، تحقيق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، د/ط، د/ت.

_ الرازي (محمد بن عمر أبو عبد الله (ت 606هـ‍)، مفاتيح الغيب، دار الفكر بيروت، د/ط، د/ت.

_ الزمخشري (أبو القاسم جار الله محمود بن عمر (ت 528 ه‍ )، الكشاف عن حقائق غوامض التنـزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق محمد عبد السلام شاهين: دار الكتب العلمية بيروت: ط1: 1415ه‍ / 1995م.

_ مسلم بن الحجاج (ت 216ه‍ )، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، د/ط، د/ت.

_ الأصفهاني (أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية دمشق بيروت، ط1/1412ﻫ.

_ الطبري (محمد بن جرير (ت310ه‍ )، جـامع البيان عن تأويـل آي القرآن، دار الفكر بيروت، 1984م.

_ العيني أبو محمد محمود بن أحمد بدر الدين (ت: 855هـ)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي ببيروت.

_ الفيروزآبادي (محمد بن يعقوب (ت: 817هـ)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ولجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة.

_ القسطلاني (أحمد بن محمد شهاب الدين (ت: 923هـ)، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية بالقاهرة.

_ محمد أبو شهبة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، عالم المعرفة بجدة، 1413ﻫ/1983م.

_ محمد الطاهر ابن عاشور التونسي، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر بتونس، د/ط، د/ت.

_ ابن منظور( محمد بن مكرم  ت: 711هـ )، لسان العرب، دار صادر ببيروت، ط3/1414ﻫ.

_ الهيثمي(أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت 807هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي بالقاهرة، 1414ﻫ/1994م.

_ وهبه الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر بدمشق: ط4.


([1]) انظر: الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية دمشق بيروت، ط1/1412ﻫ. 245، والفيروزآبادي (محمد بن يعقوب (ت: 817هـ)، تحقيق محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ولجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة،، 3/267 .

([2]) ابن منظور، محمد بن مكرم (ت: 711هـ )، دار صادر ببيروت، ط3/1414ﻫ، 13/ 225.

([3]) الآمدي، سيف الدين علي بن أبي علي (ت: 631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي ببيروت، 1/156.

([4]) الدكتور محمد أبو شهبة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، عالم المعرفة بجدة، 1413ﻫ/1983م، 16.

([5]) الدكتور وهبه الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر بدمشق: ط4، 1/ 52.

([6]) بكار الحاج جاسم، سنن الطبيعة والمجتمع في القرآن الكريم “دراسة تأصيلية تطبيقية”، دار النوادر بدمشق، ط1/2012م، 19.

([7]) أخرجه مسلم بن الحجاج (ت 216ه‍ )، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، د/ط، د/ت، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبيr بعد التشهد، رقم الحديث 408.

([8]) أخرجه الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى (ت 279هـ)، سنن الترمذي، مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، ط2/1975م، أبواب الفتن عن رسول اللهr، باب ما جاء في لزوم الجماعة. وقال: “هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ”. رقم الحديث 2167.

([9]) البيضاوي، ناصر الدين عبد الله بن عمر (ت 691هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل: البيضاوي، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي ببيروت، د/ط/ د/ت، 2/33.

([10]) الطبري، محمد بن جرير (ت310ه‍ )، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر بيروت، 1984م، 7/102.

([11]) قاله عبد الله بن رواحةt، انظر: القسطلاني أحمد بن محمد شهاب الدين (ت: 923هـ)، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية بالقاهرة، 2/579.

([12]) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب المناقب عن رسول اللهr، بابٌ. وقال: “هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ”. رقم الحديث 3648.

([13]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبيr ولين مسه والتبرك بمسحه، رقم الحديث2330.

([14]) أخرجه البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت 256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ببيروت، ط/1987م، كتاب أحاديث الأنبياء صلوات الله عليهم، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم الحديث 3455. وقوله فوا: “بِالضَّمِّ أَمر لجَماعَة من: وفى يَفِي، وَالْأَمر مِنْهُ: فِ، فيا، فوا، وَأَصله: أَوْفوا، وَأَصله أوفيوا، نقلت حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا، فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء فَصَارَ أَوْفوا، ثمَّ حذفت الْوَاو اتبَاعا لحذفها فِي الْمُضَارع لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة، فَصَارَ: أفوا، ثمَّ حذفت الْهمزَة للاستغناء عَنْهَا، فَصَارَ: فوا، على وزن: عوا”. العيني، أبو محمد محمود بن أحمد بدر الدين (ت: 855هـ)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي ببيروت، 16/43.

([15]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير سورة الأحزاب، باب النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، رقم الحديث 2399.

([16]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة. رقم الحديث 6305.

([17]) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول اللهr، باب في القيامة، رقم الحديث 2417. وقال: “هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيّr إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِه”.

([18]) أخرجه أحمد بن حنبل (ت 241ه‍ )، المسند، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، إشراف د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1/1421ﻫ/2001م، المسند: مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، رقم الحديث 24601. قال الشيخ شعيب الأرناؤوط محقق الكتاب ومخرج أحاديثه: “حديث صحيح، وهذا إسناد فيه انقطاع، الحسن – وهو البصري – إنما سمعه من سعد بن هشام عن عائشة…، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين”.

([19]) حديث طعام جابر أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب غزوة الخندق، رقم الحديث 4101.

([20]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب غزوة الخندق، رقم الحديث 4104.

([21]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، رقم الحديث 2589.

([22]) انظر: بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 1/154.

([23]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث 6502.

([24]) انظر: ابن حجر، أحمد بن علي (ت852 ه‍)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية ببيروت، ط1/1410ه‍/1989م، 11/342.

([25]) أخرجه أحمد في المسند: مسند أبي هريرة، رقم الحديث 9624. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: “حسن لغيره، وقد خولف ابن عجلان في إسناد هذا الحديث، فقد رواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن بشير بن المحرر، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا، ورجحها البخاري في “التاريخ” 2/102، والدارقطني في “العلل” 8/153، فإن الليث أصح الناس روايةً عن المقبري، وأما ابن عجلان فيقع له في أحاديثه عن سعيد المقبري بعض الأوهام، لكن للحديث متابعات وشواهد تنهض به إلى التحسين”.

([26]) لم أذكر جميع الآيات هنا، راجع هذه المسألة في سورة الأحزاب الآيات من 28 إلى 34.

([27]) أخرجه الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ت: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، ط1/1411هـ/1990م، كتاب معرفة الصحابة ر ضي الله عنهم، ذكر سلمان الفارسيt. رقم الحديث 6539. وقال الهيثمي: “رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَحَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ”. الهيثمي، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر (ت 807هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي بالقاهرة، 1414ﻫ/1994م، 6/130.

([28]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب اللباس والزينة، باب التواضع في اللباس، رقم الحديث 2424.

([29]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمتَه ثم يتزوجها، رقم الحديث 1365.

([30]) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب المناقب عن رسول اللهr، باب مناقب أهل بيت النبي، رقم الحديث 3788. وقال: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ”.

([31]) انظر: الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر (ت 528 ه‍ )، الكشاف عن حقائق غوامض التنـزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق محمد عبد السلام شاهين: دار الكتب العلمية بيروت: ط1: 1415ه‍ / 1995م، 2/276.

([32]) أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث (ت 275ه‍ )، سنن أبي داود، تحقيق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، د/ط ، د/ت، كتاب الزكاة، باب في الشح، رقم الحديث 1698. وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”. المستدرك على الصحيحين، كتاب الزكاة، باب إياكم والشح، رقم الحديث 1516.

([33]) انظر: الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، 3/300.

([34]) انظر: الرازي، محمد بن عمر أبو عبد الله (ت 606هـ‍)، مفاتيح الغيب، دار الفكر بيروت، د/ط، د/ت، 25/184.

([35]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسِّيَر، باب غزة الأحزاب، رقم الحديث 1788.

([36]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبيr: أصلح الأنصار والمهاجرة، رقم الحديث 3796.

([37]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، رقم الحديث 2732.

([38]) أخرجه أحمد في المسند:  مسند أبي سعيد الخدري t، رقم الحديث 10996. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: “إسناده ضعيف”.

([39]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب غزوة الخندق، رقم الحديث 4115.

([40]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب مرجع النبيr من الأحزاب، رقم الحديث 4122.

([41]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، رقم الحديث 783.

([42]) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب الزهد عن رسول اللهr، باب ما جاء في حفظ اللسان، رقم الحديث 2407. وقال: “هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ”.

([43]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث 6478.

([44]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء صلوات الله عليهم، بابٌ، رقم الحديث 3471.

([45]) وعلل ابن عاشور ذلك بأنه كان للنساء شأن في حوادث غزوة الخندق من إعانة لرجالهن على كيد المسلمين، وبعكس ذلك حال نساء المسلمين. انظر: محمد الطاهر ابن عاشور التونسي، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر بتونس، د/ط، د/ت. 22/132.

([46]) ترتيب المصادر أبجدي، بغض النظر عن أل التعريف، وابن، وأبو.