معالم النظر المقاصدي في آي الكتاب عند الإمام عبد السلام ياسين
منهجا وموضوعا

ملخص البحث

          يروم هذا البحث تتبع معالم النظر المقاصدي في تفسير آيات القرآن عند الإمام عبد السلام ياسين، وذلك من خلال مبحثين: أحدهما يتتبع منهج الإمام الذي اعتمده في التفسير، والثاني يتتبع نماذج من القضايا المعرفية التي استمدها بمنهجه من القرآن.

Abstract

This research aims to trace consideration milestones of maqasid in the interpretation of Quran at Imam Abdessalam yassine through two topics: the first: follow imam yassine’s method in his interpretation of the Quran; the second is follow models of cognitive issues that he derived from the Quran.

مقدمة:

          لما كان القرآن خطابا ربانيا ختاميا للإنسان قصد هدايته في حياته للتي هي أقوم، التزمه المؤمنون تلاوة وتدبرا واهتبل به العلماء تفسيرا وتأويلا واستنباطا من أجل الاستهداء بنوره في حياة الناس أفرادا وجماعة، فتفاوت الناس في الاستمداد من هذا المعين الرباني الذي جمع فأوعى، إنه “كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير” ( هود: 1)، فتفاوت الناس في الاستمداد من هذا الكتاب بتفاوتهم فيما توسلوا به من مناهج التزموها، فمنهم سابق لزمانه فيما استمده غير منحصر في تفاصيل فتن زمانه، ومنهم مقتصر على مدلولات ألفاظه إفرادا لا تركيبا ظاهرة وباطنة، ومنهم دون دلك .

          ولعل من الأعلام المعاصرين الذين تميزوا في الاستمداد من كتاب الله تعالى على نحو غير معهود في كثير من استمداداته الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي كان يصدر في كل اجتهاداته التفسيرية والتأويلية والتنظيرية عن نظر مقاصدي نافذ، فنريد من خلال هذا البحث التحقق من دعوى صدور هذا الإمام في تفسير القرآن عن نظر مقاصدي، خصوصا وأن الموضوع بكر غير مطروق فيما أنجز من أبحاث ودراسات علمية في فكر هذا الإمام.

ومن أجل الإحاطة بإثباتات هذه الدعوى اخترنا أن نعالج الموضوع في مبحثين اثنين: أحدهما منهجي والثاني معرفي، وذلك وفق منهج يجمع بين استقراء المادة العلمية من مظانها الأصلية في كتابات الإمام ياسين، ومن مظان أخرى تبعية عند الموجب، وبين تحليل القضايا وتعليل الآراء ومقارنتها بغيرها في سياق التصور العام للموضوع.

 المبحث الأول: معالم النظر المقاصدي منهجيا

تميز منهج الإمام ياسين في النظر في آيات كتاب الله تعالى بالجمع دون تفريق تمثل الموضوع والقول فيه، وذلك في سياق رؤية مقاصدية مبصرة للموضوع وناظمة للمنهج، يمكن رصد هذا المنهج في النظر في الكتاب من المعالم الآتية:

الاحتكام والامتثال للقرآن حالا ومقالا

من المداميك الأولى المؤسسة لمنهجالإمام ياسين في النظر في القرآن تدبرا وتفسيرا واستدلالا واستنباطا تحقق حالة قلبية وعقلية من التفاعل الإيماني مع القرآن للناظر في القرآن امتثالا لمقتضياته واحتكاما لتكاليفه حتى ينفتح باب الفهم والعطاء، يقول: ” إنما يحتكم إلى القرآن، ويرقي فهمه إلى التلقي عن القرآن، ويحفظ حرمة القرآن، من كان القرآن ربيع قلبه، والنظر فيه قرة عينه، والامتثال له راحة روحه[1].

قد يستغرب البعض من عد هذا النوع من الحالة الذاتية الروحية الممزوجة بالعاطفة قاعدة منهجية في البحث والتفسير، ذلك إن كنا نروم تسطيح معنى المنهج، أما إن كنا نتوخى روح المنهج وعمقه المفضي إلى الإبداع، فلا يمكن تجاوز حالة التفاعل القلبي والعقلي للباحث مع الموضوع، خصوصا إذا تعلق الأمر بالخطاب الإلهي للإنسان عبر الزمان والمكان وفي كل الأحوال، فتلقي الخطاب الإلهي غير تلقي الخطاب البشري من حيث لزوم الإيمان والامتثال في الأول دون الثاني، لذلك ظل الإمام ياسين يلح على هذه القاعدة الإيمانية في تلقي الخطاب القرآني، لأنه أدرك من النص القرآني نفسه أن تفهيم معانيه عطاء من الله ابتداء على شرط الافتقار والاضطرار إليه” ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما” ( الأنبياء:78).

كما أوعب من الخطاب القرآني أن اكتمال التلقي بقدر اكتمال الترقي عبودية وامتثالا بدليل قوله تعالى: ” إنما يخشى الله من عباده العلماء” (فاطر: )، وقوله سبحانه في بيان مسالك التلقي: ” ” أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” ( الزمر: 9).

فأول خطوة منهجية في حسن التلقي عن القرآن إضمار قصد التعبد حتى يكون العلم المتلقى نافعا، فقيمة العلم من حيث هو وسيلة إلى التعبد كما قال الشاطبي رحمه الله[2]، فالإمام ياسين أدرك تماما أن قضايا العلم والمعرفة لا تخرج عن إطار التعبد الناظم للشرائع كلها، قال الشاطبي: ” الشرع إنما جاء بالتعبد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام”[3]، فكلما صح القصد صح العلم المتلقى ونفع، وهو لا يخرج عن كونه عملا ناشئا عن الإيمان، وعليه كان الكفر في نظره مانعا من موانع الفهم والتلقي[4].

استقراء المعاني الجزئية لبناء المعرفة الكلية

إن من معالم النظر المقاصدي في منهج الإمام ياسين رحمه الله إصراره على التماس المعارف الكلية الناظمة للمعارف الجزئية، وذلك استجابة منه لمقتضى حال واقع الأمة الذي بلغ من التعقيد والتركيب في حاجياته وأسئلته ما تتعذر معه الإجابات الجزئية، وهذا  ما أعلنه بوضوح في قوله: ” لكن الذي نحن بحاجة إليه هو الفقه الكلي الذي يشمل كل العبادات الفردية والمعاملات الجزئية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله.”[5].

من هذا المنطلق تعامل مع آيات كتاب الله تعالى ملتمسا منها على جهة الاستقراء الأجوبة الكلية الشافية لحال الأمة لتقوى على استئناف النهوض الحضاري، فلم يكن رحمه الله ممن يتتبع المعاني الجزئية من ألفاظ آيات كتاب الله تعالى، كما هو ديدان أهل المدونات التفسيرية الذين يتتبعون معاني القرآن آية آية من بدايته إلى نهايته وفق المنهج الجزئي، وإنما يستعرض آراء المفسرين من هذا القبيل في الآية أو المقطع القرآني لينتقل بعدها إلى الآفاق الدلالية للآيات في ضوء الكليات الشرعية الشاهدة.

فعند تدبره وتفسيره لما جاء في سورة البلد، ذكر بالمنهج الفقهي الجزئي في استنباط ما بالآيات من المعاني الجزئية الفردية، حيث قال: ” فلا نقاش في أن فك الرقبة المؤمنة في الكفارات وغيرها قربة، والصدقة على اليتيم والمسكين عمل صالح، وصحبة المؤمنين ومشاركتهم في الحق والصبر انضمام للجماعة مأمور به، الأحكام التفصيلية باقية على وجهها”[6]، فهي جزء من مدلول الآيات وليست نهاية مدلول الخطاب الإلهي الحاكم المرجعي على الزمان والمكان والحال، يقول رحمه الله: “للفقيه أن يدرج فك الرقاب في باب الكفارات، ويدرج إطعام اليتيم والمسكين في باب الصدقات، ويدرج انضمام المؤمن للجماعة في باب الوعظ والرقائق.”[7]، لكن منشود الإمام من النظر الكلي المنهاجي لا يسعه “ما يسع الفقيه، لا يسعه أن يقف عند ذلك التصنيف. وإلا ضاعت من أمامه معاني النداء والاستجابة والعقبة والاقتحام”[8]، فقيمة المعاني الجزئية المستنبطة في نظر الإمام ياسين بمقدار اندراجها في سلك الفقه الكلي؛ حيث يقول: ” وما فرعوا من الأحكام ثمرة مذكورة مشكورة إن لم يتعارض شيء منها مع منهاج السنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان”[9].

وعند بيانه مفهوم “الدرجة” في قوله تعالى: ” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. وللرجال عليهن درجة. والله عزيز حكيم”(البقرة: 226)، ذكر أن التفسير الفقهي التاريخي لمفهوم الدرجة لا ينفك عن الشرط الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه، وعن الحاصل والممكن في زمنه،[10] فهذا الحافظ ابن كثير يرى أن الدرجة في الآية ” في الفضيلة والخَلْق والخُلُق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة”، وذكر الإمام الطبري في معنى الدرجة “يطعن الأزواج الرجال، وليس الرجال يطيعونهن”، وذكر القرطبي أقوالا كثيرا منها: “الإمرة والطاعة”، ومنها “اللحية”، وغيرها.

وعقب الإمام على تلك المحامل الجزئية لمفهوم الدرجة بقوله: “هذه “الدرجة” التي أعطاها الله عز وجل للرجال على النساء بصريح النص القرآني هي ترجيح لكِفة الرجال في ظاهر الأمر، وهي إنما هي تثقيل لميزان الرجل بمثاقيل المسؤولية، وتخفيف عن أعباء المرأة التي ندبها الشرع لمسؤولية عظيمة يصرح بها الشرع ويلوح إليها ويضمِّنها أحكام التوزيع للواجبات والمسؤوليات بين الرجل والمرأة.”[11].

وهذا نظر مقاصدي عميق في وضع الأحكام والمعاني الجزئية في سياق معانيها الكلية، إذ المعاني الجزئية مندرجة تحت معانيها الكلية، وإلا تناقضت الأحكام الشرعية التفصيلية في منظور النظرة الجزئية، خصوصا وأنها جعلت المرأة مواطنة من الدرجة الثانية[12] حسب تعبير الإمام ياسين، مع أن حديث القرآن عن الزوج والزوجة إنما جاء في سياق البناء الأسري تأسيسا وتدبيرا.

فالإمام يرى أن النظر في آيات الله يلزم أن يكون نظرا مقاصديا كليا للتمكن من استمداد معالم الهداية لواقع الأمة وحالها من خلال المفاهيم القرآنية الحبلى بالمعاني الشاملة الشافية، ومنها مفهوم ” اقتحام العقبة” الذي عده مفهوما قرآنيا ناظما لمعاني مشروع نهوض الأمة، حيث يقول: “اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام. حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية”[13].

          فالمفهوم مركب من شطرين أولهما الاقتحام بما هو سلوك إرادي جهادي في اتجاه مقام الإحسان والاستخلاف، وثانيهما العقبة التي تمثل الواقع الموضوعي الطبيعي والإنساني المطلوب اقتحامه، وبهذا الاقتحام يتقدم الإنسان في مقامات الإيمان إلى ذروة الإحسان[14]، ولذلك فالمعاني الكلية لمكونات العقبة وأبعادها الواردة في السورة عند الإمام ثلاثة: أولها: الرق الذي يستعبد الإنسانفإذا هو رهين بإرادة غير إرادته، وثانيها: العوز الذي يقعد بالمسكين واليتيم، تمنعهم المسغبة والاهتمام بالقوت عن كل خير.وثالثها: الانفراد عن جماعة المؤمنين الذين يتأتى السفر والاقتحام في كنفهم[15].

          بعد ذلك نجد الإمام يصوغ المعاني الكلية لمكونات مفهوم العقبة بلغة إجرائية معاصرة تجيب عن أسئلة الزمان، حيث يقول: ” فك الرقبة تحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقاته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله عز وجل. ثلاث مجالات: المجال النفسي، والمجال الاقتصادي، والمجال السياسي.”[16].

          وإشكال ضبط المعرفة الجزئية بالمعرفة الكلية الذي التزمه الإمام ياسين في منهجه هو الهم الأعظم الذي بنى عليه الإمام الشاطبي مشروعه التجديدي في كتابه الموافقات حيث قال: ” فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كليه فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضا عن كليه فهو مخطئي كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن جزئيه “[17].

قراءة التراث التفسيري في سياقه التاريخي

يميز الإمام ياسين بين نص القرآن التأسيسي ونص بيانه التفسيري، فالنص الأول إلهي المصدر، مرجعي أبدي شامل لكل الأزمنة والأمكنة والأحوال بخلاف النصوص التفسيرية التي ترجع إلى الاجتهاد البشري النسبي الذي لا يتجاوز حدود وعائه الزمني والمكاني ثقافة ومعرفة، فهذه النسبية للنصوص التفسيرية تقتضي منهجيا قراءته والاستئناس به وفق شروطه الزمانية والمكانية التي أنتج فيه، دون الانحسار في مذاهبه وحدود أفقه، لأن ذلك في نظر الإمام من شأنه أن يؤدي إلى آفة التقليد التي تحرم صاحبها من الإفادة المباشرة من كتاب الله.

          فتقليد الرجال وتقديس اجتهاداتهم ونزع النسبية عنهم في نظر الإمام ياسين من شأنها أن تشكل حجبا معرفية ومنهجية بين المقلد ومصدر الهداية المعرفية في كتاب الله، يقول الإمام رحمه الله: ” لا يستطيع التجرد لحاكمية القرآن المباشرة وتحكيمه المقلدة الذين رقدوا عند قدمي فحل من فحول العلماء الماضين إلى عفو الله إن شاء الله، جاهلين نسبية ذلك الفحل أو ذلك المذهب ومحدوديته في إطار تاريخه، وتاريخ الحكم في عهده، وملابسات اجتهاده السياسية والاجتماعية والشخصية والصراعية المذهبية التي خاضها”[18].

          فالنظر إلى التراث عموما والتراث التفسيري خصوصا في نسبيته يتمكن الباحث  من النظر النقدي للتراث العلمي باكتساب القدرة على التمييز بمعيار القرآن بين أصيله ودخيله، وبين المفيد المناسب وبين غيره، فنفيد من تراث سلفنا ما ينفع واقعنا وقضايانا مما يشهد له القرآن، يقول الإمام: ” في تجارب سلفنا الصالح من العلماء وفي محاولاتهم واجتهاداتهم ما هو حريّ بإثراء تجربتنا، وتقويم محاولاتنا، وتوجيه اجتهادنا إن نحن وضعناها جميعا أمام القرآن والقرآن يحكم، نفحصها على ضوئه، في نشوئها وتسلسلها، وتعاقب أشكالها ومناهجها، وتأثرها بحركة الحياة العامة وتأثيرها فيها، وإقدامها وإحجامها، ونتائج صوابها وخطئها”[19].

فمن باب الإنصاف ومقتضى النظر المنهجي الكلي كان حرص الإمام ياسين على إبراز الواقع البئيس والظرف الخطير الذي عاشه علماء السلف وقاومه بعضهم بفقه العزيمة والاختيار وصانعه آخرون بفقه الترخص والاضطرار، لأن الكل مدفوع عن دائرة الشأن العام ” فإن أبدى المجتهد رأيه في ” السياسة الشرعية ” فإنما هو آمر بالمعروف ناه عن المنكر من خارج وفي حدود لا ينبغي أن يتعداها” [20]، وهي الظروف التاريخية الاستثنائية التي تلت الانقلاب الأموي على الحكم الإسلامي، وتطورت سوءا مع الزمان وازدادت قتامة مع الأحداث، فآل الأمر  بعد طول مقاومة ومصابرة حسب الإمام ياسين إلى انحباس الإنتاج المعرفي بإعلان انسداد باب الاجتهاد نهاية القرن الرابع الهجري[21].

التفسير وفق السياق المعاصر

انطلق الإمام ياسين في النظر في آيات كتاب الله تعالى من واقع حال الأمة وإشكالاته الكبرى ومطالبه الكلية لأنه المقصود الزمني بخطاب الله في كتابه، ومنه تستمد الهداية المطلوبة لهذا الواقع، من أجل الانتقال بالأمة من درك الفتنة تحت الحكم الجبري إلى التمكين الحضاري تحت الخلافة الثانية على منهاج النبوة، فجاءت نظراته التفسيرية بعيدة عن المقاربات النظرية المجردة، ومرتبطة بما يجيب عن أسئلة الزمان الحاضر التي منها انطلق أصلا في مشروعه التجديدي.

وقد أفصح الإمام ياسين بوضوح تام عن أصل مراعاة واقع الأمة في منهج نظره في التراث التفسيري حين قال: ” نرجع إلى تأصيلاتهم ناظرين إليها من إزاء القرآن والسنة، ناظرين إليها أيضا من زاوية واقعنا وظروفنا “[22].

فإدراك الواقع واستيعاب خصوصياته وحيثياته مقدمة لازمة عليها يتأسس إدراك وجه المصلحة المرجو جلبها أو المفسدة المطلوب درؤها من أحكام كتاب الله تعالى، وذلك بناء على أن “شرع الله أينما كانت مصلحة المسلمين. ومن لا يعرف واقع المسلمين ومنابع الفتنة في تاريخه، وحاضرهم في العالم وحضورهم، وطبيعة الصراع الدائر بين الإسلام والصليبية اليهودية، لا يستطيع أن ينزل شرع الله على واقع يستعصي، ويمتنع، ويماطل”[23].

ومقتضى القول بمراعاة الواقع وظروفه الانطلاق من إشكالاته وأسئلته في النظر إلى كتاب الله تعالى التماسا للهداية، خصوصا وأن المطلوب منا ” تحليل مجتمعاتنا لتشخيص أمراضنا، وإعداد النظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية الكفيل تطبيقها بعلاج الأمة، ضرورة.”[24]، كما أن زماننا له خصوصيات يفارق بها أزمنة المفسرين والفقهاء من علمائنا، فلزم النظر في كتاب الله بهذا المقتضى ، يقول الإمام:” نحن في زماننا نقدر أن ما ضاع منا كثير وأن ما بقي آئل إلى ضياع إن لم ننهض للطلب، طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان.”[25].

          وبناء على هذا الاختلاف في الموضوع الذي اقتضى اختلاف المنهج، أو بالتعبير الأصولي اختلاف المناطات التي استوجبت اختلاف الأحكام، راح الإمام ياسين يتتبع مفاسد الواقع التي حلت بالأمة ليرتبها ترتيبا أولويا ليلتمس لها من كتاب الله تعالى العلاج المنهاجي الكلي المنظم، يقول الإمام مقررا مراعاة الواقع في النظر في كتاب الله: ” ولا يكون الاجتهاد فاتحة لعمل مجد إن كان المجتهدون والمقررون لا يعطون للمادة المراد الفعل فيها حقها من الاعتبار.”[26].

المبحث الثاني: معالم النظر المقاصدي معرفيا

     يعد ما تم رصده في المبحث السابق من معالم النظر المنهجي إطارا حكم نظر الإمام ياسين في آيات كتاب الله تعالى الذي أثمر معارف نوعية تأصيلية اختط منها مشروع المنهاج النبوي، ويمكن تصنيف أهم تلك المعارف على النحو الآتي:        

أولا: المعارف القرآنية الكلية:

1)  النظر إلى العدل والإحسان في القرآن مشروعا حضاريا:

فقد ألفينا الإمام ياسين يقرر بالقطع كلية العدل في الشريعة[27]، فيقول: ” العدل أم المصالح التي يقصد إليها الشرع. هو صُلب الدين، وحوله تُطيفُ همومُ المسلمين، وبه بعث الله الرسل والنبيئين، مبشرين ومنذرين”[28]، كما أن العدل في نظر الإمام أساس الصلاح ” وركن ركين في صرح الدولة الإسلامية، وعلى إقامتهما مدار صلاح الحكم، والاقتصاد، والشورى، والإدارة، والأمر كله “[29]، فلا يحمي “الأمن الاقتصادي والعسكري، والاستقرار السياسي والاجتماعي، سوى العدل الذي يبني ما خربه الظلم، ويحيي ما أماته، ويحرك ما أخمده، وينير ما أظلمه” [30].

كما تتبع الإمام  موارد لفظة الإحسان في القرآن فوجدها ” غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية”[31]، فهي دالة على معاني متعددة شاملة، منها، المعنى الاجتماعي ممثلا في تحسين العلاقة بخلق الله، ابتداء بالوالدين ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ” ( الإسراء: 23 )، فالأقربين واليتامى والمساكين والناس أجمعين، كما أمر الحق سبحانه في قوله : ” وقولوا للناس حسنا ” ( البقرة: 83 )، ومعنى المهارة والإتقان كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء  فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ” [32]، ومنها وعلى رأسها المعنى التعبدي، وهو أعلى درجات الدين كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: ” أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

فقد أدرك رحمه الله أن العدل والإحسان ولازمتهما الشورى كليات ناظمة لتفاصيل الشريعة من جهة وإجابات كلية عن عمق الأزمة في واقع الأمة من جهة أخرى، فبالعدل يؤمن مصير الأمة في التاريخ، وبالإحسان يأمن الفرد على مصيره عند ربه.

وسيلة تحقيق هذا المشروع في نظر الإمام ياسين هو مفهوم “الصحبة والجماعة” الذي استقاه على سبيل الاستقراء والتتبع من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفسر هذا المفهوم بقوله: ” لقاء رجل يربيك وجماعة مؤمنة تؤويك تحضنك، حتى يسري بصحبة المربى والجماعة إلى قلبك وسلوكك أول سلك من أسلاك نور الإيمان، وأول نفحة من عبيره، وأول فيض من مائه”[33]، فبذلك يندمج مفهوم الصحبة في مفهوم الجماعة ليشكلا مفهوما مركبا متكاملا نظرا وعملا، تماما كما كان الأمر  زمن التأسيس النبوي  للجماعة الأولى وفق مقتضى الخطاب القرآني الموجه في قوله تعالى: ” محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم” ( الفتح من الآية29).

وموجب القول بمشروع الجمع بين الصحبة والجماعة تحقيق الجمع بين العدل والإحسان من حيث هو شرط لاقتحام العقبة[34]، وقد جمع الإمام أبعاد هذه العقبة في أمرين: عقبة في الأنفس وفي آفاق الكون، فلزم الجمع في مشروع الاقتحام بين عقبة الأنفس وعقبة الآفاق لتجاوز سلوك الصوفية الذين زاغوا عن فتنة الآفاق حين اعتزلوا المجتمع[35].

أما قبلة المشروع الاستراتيجية فيحددها الإمام في الخلافة الثانية على منهاج النبوة انطلاقا من البشارة النبوية في حديث الخلافة على منهاج النبوة الذي اتخذه الإمام محور مشروعه ونظره.

 2) وحدة الأمة أم المقاصد الآن

          أصر الإمام ياسين على الدعوة إلى وحدة الأمة باعتبارها الفريضة العظمى التي ينبغي إقامتها ابتداء في الأذهان حتى ييسر الله قيامها في الأعيان، فقال: ” وحدة دار الإسلام -بيت الإسلام-ضرورة ملحة وواجب شرعي وأمل عزيز على الأمة “[36]، لأنه السبيل لاستعادة القوة للأمة ” ولا قوة إلا بوحدة المسلمين ـ عربا ثم عربا وعجما ـ ولا بقاء في عالم التكتلات لكيان هزيل”[37].

والوحدة في نظر الإمام ياسين هو السلك الناظم أصالة للمؤمنين في كل زمان، وأن التفرق داء يطرأ على وحدة المؤمنين لحظات ضعف تمسكهم بحبل الله المتين، يقول: ” أمة النبيئين والمرسلين أمة واحدة، وأمة المؤمنين لا افتراق بين أجزائها العضوية، لكن الناس في فَتْرَةٍ ما بين المذَكِّرين، وفي ضمور الإسلام في القلوب، يتقطَّعون أمرهم بينهم زُبُراً. أي قطعا خلافية مذهبيـة قوميـة وطنية قبلية. إسلامُها في حكم الدم لتلاشي عقيدة التوحيد عندها.”[38].

فالوحدة خوطب بها المؤمنون خطاب تكليف منذ اللحظة التأسيسية الأولى لهذه الوحدة في قوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا. ولا تفرقوا ” ( آل عمران: 103 )، حيث جمعت الآية   بين الأمر بالاعتصام بعمود الوحدة ومعقدها  وهو الحبل القرآني الممدود من السماء إلى أرض  الواقع بعبارة الإمام ياسين[39]، وبين النهي عن نقيض الوحدة  ومنافيها وهو التفرق، ولعل هذا    النوع من الصيغة في طلب الوحدة يمثل أعلى درجة في الانحتام والإلزام.

وما يؤكد ضرورة هذه الوحدة ورفعها إلى مصاف الأولوية المقاصدية العظمى عند الإمام حال واقع الأمة، وهو حال يختلف عن حال الأمة يوم تحدث علماؤنا عن المقاصد دون أن يلحوا على مقصد الوحدة ” فهم كانوا يعيشون وحدة شعوب جمعها الإسلام لا تكاد تشعر بالتفرقة التي فرقتها الإمارات السَّيْفية، واللغة والسحنة والقطر. لم يكن يقدح في وحدتهم تلك وجود خلافات مذهبية يعيشون صراعاتها الكلامية أو العنيفة داخل إطار الوحدة لا خارجه”[40].

وعليه فرسالة التوحيد إنما تبلغها أمة” واحدة تحمل رسالة للعالمين تبلغها وتجاهد عليها وتتوحد عليها وتحكم بمقتضاها “[41].

3) تحكيم المصلحة الأخروية في الدنيوية:

من المعارف الكلية التي استثمرها الإمام ياسين من تأمله وتدبره في كتاب الله تعالى أن المصلحة العظمى الناظمة لما سواها هي مصلحة الآخرة، يقول: ” علة العِلَلِ في الشريعة وأم المصالح وآخرة الاجتهاد هي إخراج العباد من داعية الهوى ليكونوا عباداً لله، كما قال الله جلّ الله: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”[42]( الذاريات: 56 )”[43].

          والقول بتحكيم المصلحة الأخروية في الدنيوية عند الإمام ياسين هو من باب تحكيم المقصد في الوسيلة[44]، إذ لا تنال المصلحة الأخروية إلا بالمصلحة الدنيوية التي سماها القرآن النصيب في قوله تعالى على لسان قوم موسى لقارون الحريص على مصلحة الدنيا المنقطعة عن الآخرة: ” ولا تنس نصيبك من الدنيا ” ( القصص: 77 )، قال الإمام ياسين في تعليقه على هذه الآية: ” وإن توفيرَ هذا النصيب للعباد ضرورة لكيلا تفتنهم الدنيا بالفقر والمرض والجهل والحاجة عن مطلبهم الأخروي”[45]

غير أن هذا النصيب إنما يكتسب معناه واعتباره إذا كان منتظما في سلك المقصد الأصلي في قوله تعالى: ” وابتغ فيما آتيك الله الدار الآخرة ” (القصص: 77 )، أما القصد التبعي المترتب عن هذا الترتيب المصلحي فهو ما عبر عنه الإمام ياسين بصفاء قلب العبد من هم الدنيا ومشغلة الرزق بحفظ النصيب من الأمن والعافية والقوت[46]، مستدلا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقرَه بينَ عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”[47].

4) النقد الأخلاقي للعولمة المعاصرة

          يقف الإمام مع قوله تعالى: ” ألم ترى كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الاوتاد الذي طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد” (الفجر: 6-14)، ليستنبط منها معيارا قرآنيا أخلاقيا في نقد منتج من منتجات الرأسمالية الغربية، وهي العولمة المتوحشة التي تعيث في الأرض فسادا بالمال حرصا عليه واحتكارا واستكبارا في الأرض، ذلك أن ” الشح والتعلق بالربح صفتان ملازمتان للفرد الفاسد الذي يقرعه القرآن الكريم، كما أن الخضوع للمال هو لب الرأسمالية التي تعيث في الأرض الفساد.”[48].

          وعلى مشرحة الحكم القرآني الخلقي من خلال الآية السابقة يعرض الإمام ياسين رحمه الله حالة الاستكبار الرأسمالي المتعاظم المتمثل في العولمة، فيقول: ” لا اختلاف بين مثال الرأسمالية الحديثة والأمثلة التي يسردها القرآن الكريم عن الأمم السابقة، فكل الشروط متوفرة: الاستكبار، الإفساد، السطوة والقوة، الادعاء. لذلك لن يلبث العقاب الرباني المناسب لفداحة الجرائم المعاصرة أن يصيب المسؤولين عن الفوضى المعاصرة والجور المُعَولَم.”[49].

          فعلة ما حاق من العذاب بتلك الأمم المسرودة في الآية السابقة في نظر الإمام ياسين هي الاستكبار والإفساد في الأرض والادعاء، وهي العلة نفسها التي قامت عليها العولمة، والحكم دائر مع علته كما يقول الأصوليون، والله تعالى يقرر هذه الجدلية بين الحكم السنني والعلة في غير ما آية، ومنها قوله تعالى: ” فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم، قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين”( يونس: 102).

          ويذكر الإمام ياسين الرأسمالية ومنتجاتها محذرا من عموم الحكم الإلهي واطراده على جميع خلق الله، فيقول: ” وعيد الله عز وجل موجه إلى العالمين في جميع الأزمنة أن يتراجعوا قبل أن ينهار بهم شفا الجرف في الهاوية. فهل تسترجع الرأسمالية المعاصرة وعيها بعد أن انسدت الآفاق في وجهها، وتغير وجهتها قبل أن يحل العقاب بسببها بالبشرية جمعاء؟ وهل هي قادرة على التحكم في ذاتها؟”[50]

ثانيا: المعارف القرآنية التفصيلية

من المعارف التفصيلية اللطيفة النبيهة التي ذكرها الإمام ياسين في سياق تناوله لتفسير جملة من الآيات القرآنية، نذكر على سبيل المثال:

  1. ثنائية القوامة والحافظية

وقد استمد الإمام ياسين هذه الثنائية من قوله تعالى: “الرجال قوامون على الناس بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله( النساء:34)، فلم ينظر الإمام إلى تلك الثنائية نظرة تجزيئ وتفريق بينهما، وإنما نظر إليهما نظرة مقاصدية من حيث هي ثنائية متعاضدة متكاملة، فحافظية  المرأة حكما ووظيفة ومقصدا هي الوجه الداخلي لوحدة الأسرة، بينما وجهها  الخارجي المكمل هو درجة القوامة للرجل، فلا تفهم الواحدة إلا في سياق الأخرى[51].

أما الدرجة فقد كشف الإمام ياسين عن مقصدها الاجتماعي، فقال:” “الدرجة” إمارة في القافلة الاجتماعية الزوجية السياسية. هي بمثابة أمير السفر الذي أوصت به السنة النبوية. إمارة بدونها تكون الفوضى في القافلة، فتضعف، فيجد العدو فيها مغمزا، فيعدو عليها ويمزقها.”[52]

وأما الحافظية فتنتظمها في نظر الإمام مقاصد شرعية عظمى وكليات ضرورية عليا، أسماها مقصد العبودية لله تعالى الذي ينتظم الرجل في قوامته والمرأة في حافظيتها في سياق رحلتهما من الدنيا إلى الآخرة، يقول: ” مهمة كبيرة تلك التي تَعْدِلُ بين قوامة الرجل وحافظية المرأة ليحمل الرجل والمرأة عبئها. هذه المهمة هي عبادة الله تعالى، تلك العبادة المعلولة بخوف العقاب الأخروي ورجاء الجنة ورضى المولى وقربه.”[53].

أما المقاصد الأخرى الناظمة للحافظية، فمنها حفظ النوع البشري، وحفظ فطرته، وقد أسند الله هذه المهمة الجليلة للمرأة بمقتضى حافظيتها، يقول الإمام: “النساء بفطرتهن يحفظن استمرار الجنس البشري بما هن محضن للأجنة، وحضن للتربية.”[54]، ففي ذلك حفظ الدين والنفس والعقل، يقول الإمام: ” الدين الذي هو رأس المقاصد وغاية الغايات، يُرْضَع من ثدي الأمهات الصالحات القانتات الحافظات. وتعهُّدُهن لجسوم الأطفال ونباتها وغذائها وصحتها كتعهدهن للعقل الناشئ، يأمرن بالحسن، ويزجرن عن القبيح، ويجبن عن الأسئلة، ويلقِّنَّ اللغة”[55].

ومن واجبات الحافظية في نظر الإمام حفظ النسب، وهو كلية من الكليات الضرورية الخمس، فأنفس ” ما تحفظه نساء الأمة أنساب الأمة…الحفاظ عليها، والعفة، وحفظ الفروج، والتحصن من فاحشة الزنى، واجب مقدس في مقدمة واجبات الحافظية.”[56]، وتكتمل مقاصد الحافظية بمقصد المال المأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالِكَ”[57]، فقد رأى الإمام في نص الحديث ما يشير إلى كفاءة المرأة في تدبير الشأن المالي والاقتصادي للأسرة[58].

  • مسألة تعدد الزوجات

نظر الإمام رحمه الله إلى المسألة وفق منهجه المقاصدي بإنصاف، فميز بين ممارسات الناس لمسألة التعدد في سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، وبين ما تأصل في شريعة الله حكما ومقصدا، فلم يغض الطرف عن مآسي المرأة وظلمها عبر قرون من الزمان باسم مشروعية التعدد، حين كانت تستبدل المرأة كما تستبدل الأحذية[59]، ورأى أن في دعاوى أهل التغريب من الحداثيين والعلمانيين في مناهضة تعدد الزوجات الكثير من الصواب الذي أريد به باطل، من حيث ما لحق بالمرأة من صنوف الظلم بسبب التعدد الظالم من الرجل المستهتر، لكن ليس ذلك من الشريعة، قال رحمه الله: ” فإن استغل بعض الرجال هذه التوسعة الشرعية ليُشبِعوا أنفسهم لذة ويشبعوا النساء ظُلما فالحَيف منهم لا من الشريعة.”[60].

فتعدد الزوجات في نظر الإمام من حيث هو مباح[61] في الشريعة الإسلامية بمقتضى قوله تعالى: ” فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ” ( النساء:3)، ومن حيث موقع المسألة في النسق التشريعي العام فهو حل استثنائي لحالات استثنائية، لما يمكن أن يلقاه الرجل، أو يعانيه المجتمع من مشاكل: كأن تقوى في الرجل “الحاجة فلا تكفيه امرأة واحدة، أو تمْرَض وهو صحيح، أو تعقُم وهو يطلب الولد. والمجتمع يربو فيه عدد النساء على عدد الرجال، فتجيء شريعة التعدد لتصون حِصّةً منهن عن العنوسة والشارع. تكون شريعة التعدد هي الحل الوحيد إن حصدت الحربُ الرجال كما حدث في الحربين العالميتين في قرن العجائِب والعنف.”[62].

وقد يرتقي حكم التعدد في نظر الإمام إلى مرتبة الضرورة لحل مشاكل خاصة، ضرورة لوقاية النشْء وكفالته. إنه حفاظ على الذرية أنْ تضيع في حضن أم زانية مهما أصبحت الأم الزانية في المجتمع الدوابي محطّاً لِلتكريم.”[63]، وهذا خلاف لمن يجعل التعدد في الإسلام أصلا وزواج الواحدة استثناء، فلا يعدل عن الأصل إلى الاستثناء إلا لضرورة[64]، وخلاف لمن يذهب إلى إنكار تقييد التعدد إلى حد اعتباره بدعة ضالة[65].

وهكذا عالج الإمام رحمه الله قضية التعدد معالجة مقاصدية تربوية بنائية على نحو غير مسبوق في حدود علمي، فأبان عن حكم المسألة فقهيا، وعن وظيفتها في النسق الاجتماعي العام، وعن المقاصد الشرعية المرجوة منها.

  • مفهوم البيعة:

لقد تتبع الإمام مفهوم البيعة المؤصل  من خلال قوله تعالى: “إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله” (الفتح:10)، وقوله سبحانه: ” لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلبوهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة ياخذونها وكان الله عزيزا حكيما” ( الفتح: 18)، ومن خلال قوله صلى الله عليه وسلم في الحت على طاعة من نبايعه صادقين مختارين: “من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع”[66]، وغيرها من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية كثير، فألفى البيعة عقدا مقدسا متبادلا بين الحاكم والمحكوم، قال الإمام ياسين: ” عقد مبادلة بشروط يقبلها الجانبان”[67]، وهو عقد أسسه القرآن وفصلته ونفذته السنة من خلال المبايعة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.

وميز بذلك الإمام بين المفهوم المؤصل في الشرع كتابا وسنة وسيرة، وبين المفهوم المبدل في التاريخ أحداثا ووقائع، فانتقد بعض الصور التطبيقية المعاصرة لمسألة البيعة، حيث أكد أن البيعة: “ليست شكلية من الشكليات، وإنما هي أمر يُبرَم في غاية الجدية والصرامة”[68]، كما أنها ” ليست مجرَّدَ عقد سياسي مدني، بل هي عهد بين ذممٍ مؤمنة تندرج فيها شروط بيعة النساء[69] باعتبارها الشروط الأساسية، وتضاف إليها الشروط التنظيمية الأخرى، من ضمنها قول الحق في كل الظروف، أي معارضة المنكر. ففي مقابل واجب الطاعة الذي تحمَّله المبايِع واجب آخر يوازنه هو واجب قول الحق”[70].

خاتمة

في ختام هذه البحث في فضاء النظر المقاصدي الذي يصدر عنه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في تفسير وتأويل آيات كتاب الله تعالى، أود أن أقرر ما خلص إليه البحث من نتائج على النحو الآتي:

  • لم يكن للإمام تفسير كامل للقرآن بالمعنى المعهود عند المفسرين، لكن كل ما كتبه في صياغة مشروع نظرية المنهاج النبوي إنما استمده من القرآن أصالة ومن السنة تبعا، بعد معاشرة دائمة للقرآن تلاوة وتدبرا وتمثلا واستمدادا، إيمانا منه ويقينا أن هدى الله في القرآن هو الهدى.
  • مما ميز الله به الإمام رحمه الله أنه كان ينظر في كتاب الله نظر مفتقر مضطر إلى عطاء مولاه لا نظر مستظهر يستطرد معارفه، مدركا أن الاستمداد من معين الله إنما يحصل من باب العبودية والافتقار، لا من باب الاعتداد بالمعارف والأفكار، لذلك ألفيناه يلح على الامتثال والاحتكام للقرآن في كل شيء مع التحرر من الوسائط المعرفية والحجب العقدية، فذاك هو شرط التلقي والعطاء، وإلا كان الاستظهار وحصل الادعاء.
  • كان الإمام رحمه الله ممن يعظم كتاب الله مبنى ومعنى يبحث عن المعاني الكبيرة والمقاصد العظيمة الثاوية في ألفاظه وجمله، ولا يقف عند ظواهر النصوص ما لم تكن مرادة، وذلك بحثا عن الأجوبة الشافية الوافية للأسئلة الحارقة المنبعثة من واقع الأمة المقهور المنفصل عن مستقبلها المطلوب، فوفق رحمه الله في استمداد معارف وقضايا نوعية شافية لكثير من أدواء الأمة.
  • لم يكن الإمام رحمه الله في استمداده من كتاب الله من أهل التجريد في فضاء تأويل النصوص بعيدا عن سياق واقعه، وإنما كان يبحث عن الهداية المطلوبة لحال الأمة ومشاكل الإنسانية أفرادا ومجموعا، فكان يستمد من مباني القرآن المفاهيم المفتاحية في التحليل والتعليل كالمنهاج واقتحام العقبة والعدل والإحسان وغيرها، كما يستمد من معانيه المقاصد الكبرى، وعلى رأسها مشروع العدل والإحسان على سكة المنهاج النبوي الذي يمثل استئناف النهوض الحضاري للأمة في أفق الخلافة الثانية الموعودة.

والحمد لله رب العالمين

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع

الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، رياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط1/2002.

الترمذي، أبو عيسى محمد، الجامع الصحيح للترمذي، بيروت: دار ابن حزم، 2002م.

رفيع، محماد.

  • مراجعة التراث الأصولي والمقصدي في ضوء الكليات القرآنية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، أعمال المؤتمر الأول: مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي عند عبد السلام ياسين، استانبول 2012م.
  • مراجعات في التراث المقاصدي والأصولي والفقهي عند الإمام ياسين، كتاب قيد الطبع.

أبو زهرة، محمد. تنظيم الإسلام للمجتمع، القاهرة: طبعة 1385هـ.

الطبري جامع البيان في تفسير آي القرآن، بيروت: دار الفكر 1405هـ بدون رقم.

الطويل، محمد بن مسفر. تعدد الزوجات في الإسلام، إدارة الدعوة والإعلام.

مسلم، أبو الحسين بن الحجاج. الجامع الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، يروت: دار إحياء التراث العربي بدون تاريخ ولا رقم الطبعة.

الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة3، 2003م.

ياسين عبد السلام:

  • الإحسان، البيضاء: مطبعة الأفق، ط 1/ 1998م.
  • تنوير المومنات، بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، ط1/2003م.
  • الحوار مع الفضلاء الديمقراطيين، البيضاء: مطبوعات الأفق، ط 1/1994م.
  • المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط 2/1989.
  • مقدمات في المنهاج، المغرب: مطبعة الأمة، طبعة1/1989م.
  • نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م
  • العدل الإسلاميون والحكم، البيضاء: مطبعة الأفق، ط 1/2000م.
  • في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، البيضاء: ط2/2003م.

[1] – ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ: مطبعة فضالة، المحمدية، ط1/1989م، ص23.

[2] – ينظر الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة3، 2003، 1/41.

[3] – الشاطبي، الموافقات 1/41.

[4] – ينظر ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ ص24.

[5] – ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، طبعة 2/1989بدون المكان، ص 222.

[6] – ياسين، عبد السلام. مقدمات في المنهاج ص57.

[7] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص58.

[8] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[9] – ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ ص17.

[10] – ينظر ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات ، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1/2003م.1/57.

[11] – ياسين، عبد السلام، المصدر السابق 1/203.

[12] – ياسين، عبد السلام، المصدر السابق 1/56.

[13] – ياسين، عبد السلام، مقدمات في المنهاج ص16.

[14] – ينظر ياسين، عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، مطبعة الأفق، البيضاء، ط 1/2000م. ص23.

[15] – ينظر ياسين، عبد السلام. مقدمات في المنهاج ص57.

[16] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[17] –  الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات 3/5 .

[18] – ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص22.

[19] – ياسين عبد السلام. المصدر السابق ص 33.

[20] – ياسين عبد السلام. المرجع السابق ص 72.

[21] – ينظر ياسين عبد السلام. العدل، ص 66.

[22] – ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ ص 109.

[23] – ياسين، عبد السلام. تنوير المؤمنات ص65.

[24] – ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي ص329.

[25] – ياسين عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ ص 96.

[26] – ياسين عبد السلام. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، البيضاء، ط 1/1994م. ص 51.

[27] – فقد تحدث الإمام عن مفهوم العدل الشامل لنظام الحكم وللقضاء وللاجتماع والاقتصاد، ينظر دراستنا: مراجعة التراث الأصولي والمقصدي في ضوء الكليات القرآنية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، أعمال المؤتمر الأول: مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي عند عبد السلام ياسين، استانبول 2012م، ص

[28] – ياسين عبد السلام. العدل ص202.

[29] – ياسين، عبد السلام. في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ط2/2003م، البيضاء، ص 190

[30] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص197.

[31] – ياسين، عبد السلام. الإحسان: مطبعة الأفق، البيضاء، ط 1/ 1998م. 1/18.

[32] –  مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل.

[33] – ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي ص123.

[34] –   يعد اقتحام العقبة المستفاد من سورة البلد مفهوما مركزيا في الجهاز المفهومي للإمام ياسين، ينظر كتابه مقدمات في المنهاج.

[35] – ينظر ياسين، عبد السلام. الإحسان 1/94.

[36] – ياسين، عبد السلام. نظرات في الفقه والتاريخ ص47.

[37] – ياسين، عبد السلام. في الاقتصاد ص239.

[38] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص216.

[39] – ينظر ياسين، عبد السلام. العدل ص 218

[40] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص 96.

[41] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[42] – ياسين، عبد السلام. العدل ص 150.

[43] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص165.

[44] – ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق ص164.

[45] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[46] – ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[47] – الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب 30، رقم 2465، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 950.

[48] – ياسين، عبد السلام. الإسلام والحداثة، وجدة/المغرب: مطبوعات الهلال، طبعة1/2000م، ص274.

[49] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق، ص275.

[50] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[51] – في كتابنا قيد الطبع” مراجعات في التراث المقاصدي والأصولي والفقهي عند الإمام ياسين كلام مفصل عن هذه الثنائية في الفصل الرابع.

[52] – ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات 1/203.

[53] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/99.

[54] – ياسين، عبد السلام. تنوير المومنات 2/88.

[55] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/92.

[56] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/91.

[57] – أخرجه الطبري في تفسيره 8/295 بسند فيه أبو معشر وهو ضعيف، لكن له شواهد تقويه، منها ما ذكره الألباني في صحيح النسائي ضمن السلسلة الصحيحة.

[58] – ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[59] – ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 1/33.

[60] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/189.

[61] – ينظر ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/190.

[62] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق 2/189.

[63] – ياسين، عبد السلام. المصدر السابق.

[64] – ينظر الطويل، محمد بن مسفر. تعدد الزوجات في الإسلام ص8.

[65] – ينظر أبو زهرة، محمد. تنظيم الإسلام للمجتمع، طبعة 1385هـ، القاهرة، ص77-79.

[66] – مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، رقم 1844.

[67] – ياسين، عبد السلام. المنهاج النبوي ص98.

[68] – ياسين، عبد السلام. العدل ص108.

[69] – وهي الشروط الواردة في سورة الممتحنة في قوله تعالى: ” يا أيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا ياتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف، فبايعنهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم” (الممتحنة:12)

[70] – ياسين، عبد السلام. العدل ص197.