مسالك النظر الفقهي عند الإمام الغزالي من خلال كتابيه “شفاء الغليل” و”أساس القياس” وآثارها في اجتهادات المالكية: دراسة نظرية وتطبيقية.

د. محمد البخاري

الملخص:

يبدأ هذا البحث بتحديد مسالك النظر الفقهي عند الإمام الغزالي من خلال جردها ودراستها في كتابيه شفاء الغليل، وأساس القياس، وقد حاولت هذه الدراسة الكشف عن منهجه العلمي في حصر هذه المسالك في خمسة أصول مع بيان سبب ذلك، كما بينت قدرة هذه المسالك على التأثير في الفروع الفقهية إما بالمساعدة على استنباطها أو الترجيح فيما بينها، وقد اهتم البحث أيضا ببيان التكامل المعرفي والمنهجي الذي حققته هذه المسالك بين المذاهب الفقهية من خلال تطبيقها على قضايا فرعية مختلفة في المذهب المالكي، لنخلص في الأخير إلى بيان الحاجة العلمية لتوسيع البحث في هذه المسالك باستنباط غيرها من جهة، وتوظيفها في القضايا العلمية المعاصرة من جهة أخرى.

Research summary 

This research aims at defining the tracks/procedures of jurisprudential viewing from Al-Ghazali’s perspective through inventorying and examining them in his books: “Shifa al-Ghalil” and ” Asas al-Qiyyas”. This research has also attempted to disclose al-Ghazali’s methodology in limiting these tracks of jurisprudential viewing in five ones، showing the justifications for that. By studying these tracks، we can figure out their importance with regard to branches of jurisprudence، either through helping in interfering Islamic rulings or in weighting between them.

Furthermore it seeks to explain how these tracks of jurisprudence have accomplished a kind of cognitive and methodological integration between different schools of jurisprudence through applying them to different branches of jurisprudence in Maliki school. In the end، this research has summed up the need for expanding research in these tracks by interfering other new ones on one hand and applying them to contemporary issues on the other hand.

 

المقدمة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله ومنه وكرمه تنال الدرجات، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة، القائل: ” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، الذين ما تركوا خيرا إلا دلوا عليه، وما تركوا شرا إلا حذروا منه.

 وبعد؛

اهتم الأصوليون والفقهاء على حد سواء كل من وجهة نظره ومجال اختصاصه بمسالك النظر الفقهي الذي يعتبر وسيلة للجمع بين القواعد الأصولية والفروع الفقهية، لكن هذا الاهتمام اقتصر على الجانب الوظيفي دون أن يتعداه لإفراده بالتأليف ضمن مبحث مستقل كما هو الشأن بالنسبة لضوابط الاجتهاد؛ لأنه بالإضافة إلى ضرورة توفر الفقيه على شروط الاجتهاد المعروفة عند أهل الاختصاص بشقيها؛ سواء المتصلة بالجانب المعرفي مثل؛ العلم بالوحي، واللغة العربية، والعلم بأصول الفقه، والفقه، ومقاصد الشريعة، أو المتصلة بالجانب الشخصي والسلوكي مثل؛ الإسلام، والتكليف، والعدالة؛ فإن الناظر في المسائل الفقهية يحتاج أيضا إلى ضبط مجموعة من مسالك النظر والاجتهاد لتكون بمثابة منهج عملي يرشد نظره، ويقوم اعتباره، ولعل أول من تحدث عن هذه المسالك بشكل مستقل الإمام الغزالي رحمه الله في كتابيه شفاء الغليل، وأساس القياس.

وقد دفعني إلى البحث في هذا الموضوع الذي يجمع بين مقاربة نظرية لمسالك النظر الفقهي عند الإمام الغزالي الأصولي الشافعي المعروف عند القاصي والداني بعلمه وفطنته وبعد نظره، وبين منهج تطبيقي لهذه المسالك في الفروع والنوازل الفقهية في المذهب المالكي، وذلك للكشف عن أهمية إعمال هذه المسالك في المستجدات المعاصرة من جهة، وللوقوف على معالم تطبيقها في القضايا الفقهية القديمة عند المالكية من جهة ثانية. كما حاولت إضافة مسلكين آخرين لم يذكرهما الغزالي للتأكيد على إمكانية استخراج مسالك أخرى من بطون كتب الفقه والأصول.

ولا شك أن الاهتمام بمناهج الفقهاء قديما بغض النظر عن انتمائهم المذهبي، يتم عن طريق دراسة هذه المناهج واستخراجها من بطون كتبهم لتكون مجالا للنقاش العلمي بين أهل الاختصاص، وبعد تحريرها يمكن حينها تقريرها والعمل بمقتضاها، ويعد هذا المقال لبنة صغيرة تسهم في بناء صرح هذه المناهج العلمية الرصينة ليكون الباحث المعاصر على بينة من أمره عند النظر فيما استجد من قضايا عصره. فما المراد بمسالك النظر عند الإمام الغزالي؟ وهل يمكن حصرها في وسائل مضبوطة ومعينة؟ أم أنها قابلة للزيادة والنقص حسب النوازل الفقهية والظروف المحيطة بها؟ وكيف استثمر الفقهاء المالكية هذه المسالك في تحديد الحكم الشرعي وتوجيهه حسب ما تقتضيه ظروف النازلة الفقهية ووقعها المحيط بها؟

ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة؛ ارتأيت تقسيم هذه الدراسة إلى خمسة مطالب؛ خصصت الأول، لمسالك النظر الفقهي عند الإمام الغزالي. والثاني لحسن استثمار المالكية لمسلكي الأدلة النقلية والعقلية في الاجتهادات الفقهية. بينما تحدثت في المطلب الثالث عن تطبيقات مسلكي اللغة والعرف في فروع الفقه المالكي. ثم أتبعته بمطلب إعمال المالكية لمسلكي الحس والطبيعة في المسائل الفقهية. وختمت بمطلب أخير أسميته مراعاة المالكية لمسلكي النظر في القرائن والأخذ بالعد والحساب في اجتهاداتهم الفقهية. وختمت بذكر النتائج التي توصل إليها البحث.

المطلب الأول: مسالك النظر الفقهي عند الإمام الغزالي.

أقصد بمسالك النظر الفقهي في هذا المقال؛ الخطوات المنهجية التي يجب على الفقيه اعتمادها عند إرادة تنزيل الحكم الشرعي بعد ثبوت دليله وتحقق علته على نازلة معينة. ولعل أول من تحدث عن هذه المسالك بهذا المفهوم الإمام الغزالي رحمه الله في كتابيه شفاء الغليل، وأساس القياس، ولم يسمها مسالك بل عبر عنها بالأصناف من النظريات جمع نظر، واخترت التعبير بالمسالك لكونها في حقيقة الأمر لا تعدو أن تكون خطوات منهجية يجب على الناظر اتباعها كما سيتضح من خلال دراستها في هذا المقال، وقد أشار إليها رحمه الله في شفاء الغليل أثناء حديثه عن برهان الاعتلال، الذي هو الجمع بين الفرع والأصل برابطة العلة: ” أما إذا وقع النزاع في المقدمة الثانية، وهو: وجود العلة في الفرع -بعد تسليم كون الوصف علة- فهذا يعرف تارة بالحس، إن كان الوصف حسيا؛ وقد يعرف بالعرف، وقد يعرف باللغة، وقد يعرف بطلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يعرف بالأدلة الشرعية النقلية”([1])، كما أشار إلى هذه المسالك أيضا في كتابه أساس القياس أثناء حديثه عن تحقيق المناط وعبر عنها بالأصناف؛ فقال: ” وتلك الأصول التي تدرك النتيجة بها؛ تارة تقتبس من اللغة… وتارة تبنى على العرف والعادة… وتارة تبنى على محض النظر العقلي… وتارة تبنى على مجرد الحس.. وتارة تبنى على النظر في طبيعة الأشياء… فهذه خمسة أصناف من النظريات وهي: اللغوية، والعرفية، والعقلية، والحسية، والطبيعية، وفيه أصناف أخر يطول تعدادها وهو على التحقيق تسعة أعشار النظر الفقهي، وليس في شيء منها قياس… بل كله نظر على منهاج نظر العقل يجب وزنه بالموازين الخمسة”([2]).

ويستفاد من كلام الغزالي؛ أن مسالك النظر الفقهي التي أكد على أنها نظر على منهاج نظر العقل حسب ما عده في الكتابين معا ستة، كما أن هذه المسالك الستة التي وردت في كتاب أساس القياس، هي نفسها التي ذكرها في شفاء الغليل مع فرق بسيط يعود إلى الإجمال تارة والتفصيل تارة أخرى؛ ذلك أنه سكت عن المسلك الطبيعي في شفاء الغليل لأنه نوع من أنواع الحس، ويدل على ذلك المثال الذي استعمله في المسلك الحسي هو نفسه مثل به للمسلك الطبيعي في أساس القياس؛ فالمثال في الموضعين يتعلق بالماء الكثير المتغير بالنجاسة، وهل يعتبر التراب مزيلا للنجاسة إذا وقع في هذا الماء المتغير بها؟ أم أن التراب ساتر فقط كالزعفران والمسك؟ فهذا المثال استعمله للمسلكين معا في كتابين مختلفين، مما يفيد أنه في أساس القياس فصل في أنواع المسلك الحسي وفي شفاء الغليل أجمل ويؤكد هذا الطرح قوله في هذا الأخير: “… ولكن لا نسلم أن التراب مزيل، بل هو ساتر كالزعفران، والمسك، فيعلم ذلك بأدلة حسية طبيعية”([3]) فقوله ” بأدلة حسية طبيعية” يدل على أنه مزج بين المسلكين معا.

 ومن خلال النظر في الكتابين معا؛ نجده يعبر عن مسلك واحد بعبارات مختلفة، فمن ذلك قوله: ” طلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه”([4]) هذا المسلك ورد في كتاب شفاء الغليل، وعبر عنه أيضا في كتاب أساس القياس بقوله: ” وتارة تبنى على محض النظر العقلي، كالنظر في اختلاف الأجناس والأصناف، فإنه لا يعرف ذلك إلا بإدراك المعاني التي بها تتنوع الأشياء وتختلف ماهيتها”([5]) ولاشك أن المتأمل في العبارتين يجدهما مختلفتين في اللفظ متفقتين في المعنى؛ إذ طلب الحدود وتصور حقيقة الشيء هو نوع من النظر العقلي الذي يهدف إلى إدراك معاني الأشياء وماهيتها. فهو رحمه الله استعمل عبارات عامة في أساس القياس تشمل ما عبر عنه بطلب الحد في شفاء الغليل، وهكذا يكون الفرق بين المسلكين في الكتابين لفظيا فقط. كما أنه سكت رحمه الله عن الدليل الشرعي النقلي في أساس القياس وذكره في شفاء الغليل، وهذا يرجع إلى كونه رحمه الله لم يكن يقصد حصر هذه المسالك بل أراد التمثيل فقط، وترك للمجتهد البحث عن أمثالها ونظائرها ليستعين بها في التحقق من النازلة الذي يريد تنزيل الحكم عليها، ومما يؤكد هذا النظر قوله: ” وفيه أصناف أخرى يطول تعدادها “([6])، فهي محل بحث واجتهاد.

 ويظهر من كلام الغزالي السابق، أن تحصيل هذه المسالك للنظر في النازلة والبحث فيها من خلال ما يحيط بها من ظروف وأحوال لتنزيل الحكم المناسب عليها، لا يقل أهمية عن استنباط الحكم ذاته من أدلته التفصيلية، ويدل على ذلك قوله: ” وهو-على التحقيق- تسعة أعشار النظر الفقهي، وليس في شيء منها قياس… بل كله نظر على منهاج نظر العقل يجب وزنه بالموازين الخمسة “([7]) يقصد بذلك الأصناف الخمسة التي ذكرها في كتابه أساس القياس.

فإذا ثبت هذا يمكن القول؛ أن مسالك النظر الفقهي حسب ما سطره الإمام الغزالي لم تعط ما تستحقه من بحث وعناية لدا علماء الأصول المتقدمين الذين ركزوا فقط على شروط الاجتهاد المعهودة المرتبطة بالاجتهاد الاستنباطي، ولم يخصصوا لهذه المسالك في كتبهم مبحثا مستقلا يهتم بدراستها وبيان كيفية إعمالها، كما أنه لا توجد دراسة معاصرة حسب ما وقفت عليه إلى حد كتابة هذه المقالة أفردت هذه المسالك بدراسة نظرية وتطبيقية تهتم بتتبع آثارها في نوازل الفقهاء وفروعهم، لمعرفة مدى تأثير هذه المسالك على توجيه الحكم الشرعي من جهة، وتجنيبها الفقيه من الوقوع في الخطأ عند التنزيل من جهة ثانية، ولاشك أن تطبيقات هذه المسالك موجود في كتب الفقه، وإنما نحن بحاجة إلى تتبعها واستخراجها للوقوف على منهج المتقدمين في استثمارها، ولنقل هذا المنهج ليكون معينا للباحثين المعاصرين على حل إشكالات المستجدات المعاصرة.

المطلب الثاني: حسن استثمار المالكية لمسلكي الأدلة النقلية والعقلية في الاجتهادات الفقهية

تحدث الغزالي عن الدليل النقلي في شفاء الغليل فقط، وأشار إلى الدليل العقلي في الكتابين معا، وهو يقصد بالدليل النقلي النص الشرعي القرآني والنبوي، فحث المجتهد على العودة إلى الشرع للتحقق من المسألة التي يريد تنزيل الحكم عليها، ومثل لذلك بقوله: ” وذلك بأن نحكم بأن العقار يقع عليه الغصب”([8]) أي يعطى حكمه استنادا إلى حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه دخل على عائشة رضي الله عنهما وهو يخاصم في أرض، فقالت عائشة: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض، فإن رسول الله ﷺقال: ” من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين”([9]).

فالحديث هنا دل على كون العقار مثل الأرض ويجري عليه الغصب المحرم بنص الحديث، فينزل حكم التحريم على غصب العقار. ([10]) قال ابن رشد: ” وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال… ينقل ويحول باتفاق. واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار، فقال الجمهور: إنها تضمن بالغصب – أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن قيمتها – وقال أبو حنيفة: لا يضمن”([11]) وحمل ابن أبي زيد القيرواني الغاصب مسؤولية ضياع ما غصب في يده بإطلاق دون تمييز العقار عن غيره فقال: ” والغاصب ضامن لما غصب… فإن تغير بيده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة”([12]) فأبو حنيفة لا يرى الغصب واقعا في العقارات بل يختص بالمنقولات فقط.

والظاهر أن الصواب مع الجمهور؛ لأن الغصب موجب للحرمة بدليل حديث عائشة رضي الله عنها، وأخذ العقار ظلما غصب في واقع الأمر؛ لأن الغاصب يحول دون تصرف المالك في ملكه فوجب الحكم عليه بالحرمة؛ لذلك توسع المالكية في ترتيب آثار غصب العقار ولم يكتفوا بالضمان في حالة الضرر بل فرضوا على الغاصب أن يدفع ثمن ما انتفع به من سكنى العقار المغصوب، جاء في حاشية العدوي: ” أنه يضمن في الدور… إذا سكن”([13]) ويترتب على ما سبق عدم جواز شراء العقار المغصوب من الغاصب؛ فلو اشترى منه شخص مع علمه بالغصب فإنه ينزل منزلة الغاصب في الضمان ورد الغلة.

قال ابن عاصم: والغرم والضمان مع علم يجب…. على الذي انجَرّ إليه ما غصب

 بإرث أو من واهب أو بائــــــع…. ([14]).

وبناء على ما ذكر؛ فإن المالكية وظفوا الحديث الذي نص على حرمة غصب الأراضي على أحسن وجه حين أدرجوا ضمن مشمولاته حرمة غصب العقار، وبهذا المسلك الشمولي لإلقاء الدليل النقلي استطاعوا أن يضمنوا للناس أمنا عقاريا من خلال الآثار التي رتبوها على الغصب، وهم ببعد نظرهم هذا سبقوا زمنهم بخطوات كثيرة، خاصة؛ إذا نظرنا إلى المشاكل التي تتعلق بملكية العقار في حياتنا اليومية وما تعرفه هذه الملكية من تسلط وغصب، ولم تستطع القوانين الوضعية رغم كثرتها أن توفر حماية عقارية ناجعة على غرار الفقه المالكي الذي جمع بين العقوبة الدنيوية والأخروية للغاصب إذا لم يتب إلى الله تعالى.

أما مسلك النظر العقلي؛ يتم بالحد الجامع المانع الذي يحدد ماهية الأشياء ويميزها عن غيرها، فيدخل الأفراد تحت معانيها الحقيقية، ويبعد عنها العوارض الخارجية، لتتميز بذلك ويسهل ضبطها، وهو ما عبر عنه الغزالي بقوله: ” وقد يعرف بطلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه”([15]) وأكد عليه في كتاب أساس القياس بقوله: ” وتارة تبنى على محض النظر العقلي”[16].

 والذي يظهر؛ أن كثيرا من المسائل الفقهية الخلافية يعود السبب فيها إلى عدم ضبط المفاهيم والمصطلحات؛ فكلما وقع غموض في المفهوم فإن ما يبنى عليه يكون معرضا لنفس النتيجة، لذلك قال الغزالي عن هذا الأصل: ” وذلك من أدق مدارك العقليات”([17])

ومن تطبيقات هذا المسلك عند المالكية مسألة النظر في تصرفات المُودَع في الوديعة، فهل يعتبر متعديا تشمله أحكام التعدي؟ أم أن تصرفه لا يرفع عنه صفة المودَع ولو بدل وغير في الوديعة؟.

فبالنظر إلى حقيقة الوديعة عند ابن عرفة نجده يعرفها بقوله: ” نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ”([18]) فحد الوديعة يقتضي أن مهمة المُودَع عنده تقتصر على حفظ ما نقل إليه من المنقولات على جهة الأمانة، والحفظ مخالف للتصرف في الشيء، فإذا تصرف فيما استودع عنده لم يعد مودَعا ولم تنطبق عليه أحكام عقد الوديعة، وهو بذلك يدخل ضمن التعدي الذي عرفه ابن عرفة بقوله: ” التصرف في الشيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه”([19]) فإذا نظرنا إلى المودَع عنده المتصرف في الوديعة بغير إذن وأجرينا حد التعدي عليه، وجدنا أن يده ثابتة على مال المالك الحقيقي، وهذه اليد تمنع صاحب الملك من التصرف فيه ظلما، فأصبحت يد المالك قاصرة عن ماله بسبب تصرف المودَع في الوديعة فقلنا إنه متعد؛ لذلك قال الحطاب: ” أن من تعدى على دابة وديعة وركبها فعليه أجرتها”([20]) وقال القرافي: ” والتعدي أخذ العين والمنفعة كان للمتعدي يد أم لا… كالقراض والوديعة… ويضمن المتعدي يوم التعدي”([21])؛ لأنه ظالم تجاوز حدود الوديعة وأصبح يتصرف في ملك غيره، وكان المسلك الموصل لهذا الحكم النظر العقلي فأجري بموجبه الحكم المناسب على تصرف المودع عنده في الوديعة.

ومن هذا المنطلق؛ نستطيع أن نقرر أن ما يسمى في واقعنا المعاصر بالودائع البنكية مخالف لحقيقة الوديعة عند الفقهاء، وبالتالي لا تنطبق أحكام الوديعة عليها فيما يتعلق بالضمان في حالة الضياع، ووجوب الزكاة إذا توفرت الشروط؛ لأن البنك لا يقوم بمهمة الحفظ فقط وإنما يتصرف في أموال المودعين بغير إذن صريح منهم، كما أنه يخلطها فلا يميز كل مودع ماله بعينه عن مال غيره كما هو الشأن في الوديعة عند الفقهاء، وقد اختلف المعاصرون في كيفية زكاة الودائع البنكية بناء على اختلافهم في طبيعة هذه الودائع، مع العلم أنها ليست ودائع بل هي دين في ذمة البنك؛ لأنه يتصرف فيها ويخلطها بغيرها، وفي هذا السياق يقول الشيخ التاويل رحمه الله: ” لكن التكييف الصحيح للودائع البنكية ومثيلاتها أنها ديون على الجهات التي تلقتها وليست ودائع بالمفهوم الفقهي”([22]) واستنادا لهذا التكييف للودائع البنكية الذي أسسه التاويل على النظر العقلي لمصطلح الوديعة، قرر وجوب زكاة هذه الودائع على أربابها وعلى الأبناك ولم يلتفت إلى التسمية بل نظر إلى واقع العلاقة بين البنك والزبون فقال: ” ومسألتنا هذه أخذت الزكاة من مالكين: البنك الذي يملك أعيان الودائع والتي هي بيده وفي صناديقه وحساباته، فلا وجه لإعفائه من زكاتها إذا حال عليها الحول استثمرها أو جمدها. وأرباب الودائع يزكونها لأنهم يملكون بدائلها في ذمة البنك ولا سبيل لإعفائهم كذلك”([23]).

فالبنك في هذه الحالة لم يعتبر مودَعا ليعفى من الزكاة، بل اعتبر مدينا له أموال أخرى يقابل بها ما عليه من ديون فلا تسقط عنه الزكاة، أما أرباب الأموال لم يعتبروا مودعين بل دائنين لمقر غني، فتجب عليهم الزكاة إما كل عام وإن لم يقبضوها إذا كانت الودائع بفوائد، أو لعام واحد بعد قبضها إن كانت في الحساب الجاري ولو مكثت أعواما. ([24])

المطلب الثالث: تطبيقات مسلكي اللغة والعرف في فروع الفقه المالكي

لاشك أن اللغة أداة للتعبير عن المعاني ووسيلة للتواصل بين الناس، لهذا يجب اعتمادها كمسلك للنظر في قضايا الفقه ومستجداته؛ ذلك أن الناس يختلفون حسب أعرافهم وبيئاتهم في التعبير عن بعض الأشياء بألفاظ مختلفة للوصول إلى مقاصد وغايات محددة، وبالتالي لابد من الرجوع إليهم ومعرفة لغتهم ومقاصدهم منها، كما في الأيمان والنذور؛ فلابد من الرجوع فيه إلى اللغة، كما نص الغزالي في شفاء الغليل: ” وقد يعرف باللغة “([25]) وقال القرافي مبينا أهمية هذا المسلك: ” وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا مستغنية عن النية. واعلم أن في المسألة غورا آخر وهو أن لفظ اليمين في اللغة هو القسم فقط، ثم إن أهل العرف يستعملونه في النذر أيضا، وهو ليس قسما بل إطلاق اليمين عليه إما مجاز لغوي، أو بطريق الاشتراك… “([26])

فمدلول اللغة حسب القرافي قد يتحول من بلد إلى آخر، فاللفظ الصريح الذي يتحول إلى كناية تفتقر إلى نية بحسب استعمال أهل ذلك البلد لا نعتبره في واقع الأمر لفظا صريحا، كما أن الاستعمال في بلد آخر يحول الكناية إلى دلالة صريحة على معنى ما دون حاجة إلى النية، وقد نص على ذلك في موضع آخر بقوله: ” وهو أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة وذلك قسمان: أحدهما: في المفردات نحو “الدابة” للحمار وغيرها… وثانيهما: في المركبات وهو أدقها على الفهم… مثل قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} النساء، الآية: 23، فإن التحريم والتحليل إنما تحسن إضافتهما لغة للأفعال دون الأعيان… وهذا النوع… في الحقيقة من قبيل اللغة الخاصة لأصحابها، فإذا احتاج فهم المعنى المقصود إلى قرينة أو علاقة عقلية لم يكن ذلك عرفا، بل هو من قبيل المجاز”([27])ومثله في واقعنا كإطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، مع أنه في اللغة شامل للنوعين، وإطلاق لفظ اللحم على غير السمك مع أنه يندرج تحته، وإطلاق لفظ الدرهم على النقود وهكذا كما أن لفظ البيت يطلق في بلد على الغرفة، وفي آخر على الدار برمتها، لابد إذا من الرجوع أحيانا إلى لغة أهل البلد للتحقق من الواقع المراد الحكم عليه؛ خاصة في العقود التي يختلف المقصود منها حسب المكان والزمان.

ومن تطبيقات هذا المسلك في القضايا الفقهية ما قرره المالكية في باب اليمين من كون الحالف إذا حلف” لا ركب دابة، ولا لبس ثوبا، وليس لهم عرف في دابة معينة ولا ثوب معين حنث بركوبه التمساح ولبسه العمامة لأنه المدلول اللغوي”([28]) ومن هذا المنطلق أفتى ابن لب([29]) المالكي بوجوب الكفارة على حديث عهد بالإسلام إذا حلف على شيء وحنث دون أن يعرف معنى الحلف بناء على الدلالة اللغوية للفظة اليمين وقال: ” لأن الفقهاء قالوا إن الأيمان المشبهة والنذور المعلقة التي لا مخرج لها بلفظ ولا قصد يجب فيها كفارة يمين، كمن قال له علي نذر من غير قصد شيء”([30])

أما مسلك العرف؛ فقد تقتضي مصالح الناس وحوائجهم الأخذ به إذا كان صحيحا لا يناقض الشرع؛ بحيث لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وقد نشأت مجموعة من الأعراف التي تحقق حاجات الناس ومصالحهم كالعلامات المنظمة للمرور في الطريق، ومراحل التعليم ودرجاته، ووقف المنقولات، والأعراف التجارية، وتقديم الخطيب الهدايا لخطيبته دون عدها من المهر، وتقدير النفقة على الزوج في حالة النزاع مع زوجته وغير ذلك من التصرفات التي تستند إلى أعراف الناس، وهذا ما عناه الغزالي بقوله: ” وقد يعرف بالعرف”([31])

ومن تطبيقات هذا المسلك ما ذكره عليش في ألفاظ الطلاق المتداولة بين الناس حيث قال: ” من قال لزوجته مثلا، لا عيش لك عندي. أو زولي من وجهي. فإن جرى عرفهم بالتطليق بصيغة من هذه الصيغ لزم الطلاق بمجرد النطق بها؛ لأنها صارت من الكناية الظاهرة وتلزم بها واحدة رجعية في المدخول بها وبائنة في غيرها، إن نوى الواحدة أو لم ينو شيئا، فإن نوى أكثر لزمه ما نواه… ومهما جرى عرف عمل به “([32]). فاللفظ هنا حمل على استعمالات الناس وأعرافهم، ونقل من دلالته اللغوية المعهودة إلى دلالة عرفية خاصة فرضها واقع الناس، فلا يمكن للناظر في مسائل الفقه أن يغفل هذا النقل وإلا وقع في المحظور، لذلك يتوجب على المفتي أن يكون مطلعا على عرف البلد الذي يفتي فيه، وهذا يجرنا إلى رفض الفتاوى التي تنشر في المواقع الإلكترونية العلمية وغيرها في موضوعات مختلفة؛ لأنها ليست صالحة للتطبيق في كل بلد وإن كانت تتعلق بمسائل متشابهة، فالنازلة التي تقع في الشرق الأوسط مثلا لها أعراف وتقاليد وظروف وأحوال تختلف عن نفس النازلة التي تقع في المغرب، فلا يمكن تعميم حكمها ما دامت تتعلق بفعل المكلف الذي يطرأ عليه التغيير والتجديد في كل وقت وحين، وخاصة؛ المسائل المرتبطة بأبواب النكاح والطلاق، وأبواب المعاملات المالية والدماء.

المطلب الرابع: إعمال المالكية لمسلكي الحس والطبيعة في المسائل الفقهية.

يعتمد المجتهد على الحواس لإدراك ما ينظر فيه من نوازل فقهية، إذا كان مما يدرك بالحواس، قال الغزالي: ” فهذا يعرف تارة بالحس، إن كان الوصف حسيا”([33]) ومسائل هذا المسلك كثيرة في أبواب الفقه المالكي؛ فمثلا باللمس ندرك هل تحقق الدلك في الغسل أم لا، وبالحس تدرك المرأة هل طهرت من الحيض والنفاس، وبه يدرك الصائم هل وصل مفطر إلى جوفه أم لا، وبالحس نثبت رؤية الهلال في رمضان قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة، الآية: 185كما إن إدراك تغير الماء من حيث لونه، أو طعمه، أو رائحته تكون بالحس، ومنه قوله: {فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ} المائدة، الآية: 97. فالفقيه يعتمد على حواسه ليدرك أن” الكبش مثلا للضبع، والعنز مثلا للغزال، والعناق مثلا للأرنب، والبقرة مثلا للبقرة الوحشية، والشاة مثلا للشاة من الظباء، وكذلك الرقبة الواجبة في عتق الكفارات، والبلوغ في الغلام والجارية، وما أشبه ذلك”([34]) فالناظر في الوقائع الفقهية يلاحظ أن هذا المسلك لا تكاد تخلو منه باب من أبواب الفقه، فهو يستثمر بقوة لإدراك حقيقة واقع الشيء على ما هو عليه، ليناط به الحكم المقصود تطبيقه.

أما مسلك النظر في طبيعة الأشياء على ما هي عليه في أصل خلقتها؛ فهو نوع من المسلك الحسي، يمكن إدراجه فيه إجمالا، ويمكن ذكره لوحده تفصيلا، ولم يذكره الغزالي في شفاء الغليل وذكره في كتابه أساس القياس، واستعمل نفس المثال للمسلكين معا، وسأقتصر هنا على المثال نفسه، كما أورده الإمام الغزالي في الموضعين حيث قال: ” فإن الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره بهبوب الريح وطول الزمان عاد طاهرا، ولو زال بإلقاء المسك والزعفران لم يعد طاهرا؛ لأنهما ساتران للرائحة لا مزيلان لها، ولو زال بإلقاء التراب ففيه قولان، ثم منشأ هذا النظر أن التراب مزيل أو ساتر؟ وإلا فالعلة معلومة محررة وهو زوال التغير، فإن كان التراب في علم الله مزيلا فهو معيد للطهارة قطعا، وإن كان ساترا فهو غير معيد للطهارة قطعا، فطريق معرفة ذلك البحث عن طبيعة التراب ومناسبته للماء”([35])

إن محل النظر عند الغزالي هو التراب إذا طرح بالماء المتنجس الكثير، أو ألقته الريح في الماء، هل يصير هذا الماء طاهرا بمخالطته للتراب الطاهر، فيؤثر في طبيعته ويحوله من النجاسة إلى الطهارة أم لا؟ فأشار رحمه الله أن إدراك هذا الأمر متوقف على “البحث عن طبيعة التراب ومناسبته للماء” وهو بحث بالحواس في واقع التراب كما هو عليه، أما العلة كما قال الغزالي: ” فالعلة معلومة محررة وهو زوال التغيير” فلا مجال للبحث فيها، وهكذا يؤكد رحمه الله أن النظر في واقع الأشياء لإدراك حقيقتها مسلك من مسالك النظر الفقهي يتوقف عليه تنزيل الحكم في بعض المسائل، وإلا بقيت التكليفات فيها تصورات ذهنية مجردة عن واقع الناس.

ومن تطبيقات هذا المسلك عند المالكية ما نص عليه الشيخ خليل أثناء حديثه عن طهارة الماء حيث قال: ” أو بمطروح ولو قصدا من تراب”([36]) وعلق الحطاب عليه قائلا: ” يعني أن الماء إذا تغير بشيء طرح فيه… كالتراب… فإن ذلك لا يسلبه الطهورية، ولو كان الطرح قصدا وهذا هو المشهور… وأما ما ألقته الريح فإنه لا خلاف أنه لا يضر”([37])

وقال ابن الحاجب: ” والمياه أقسام: المطلق طهور وهو الباقي على خلقته، ويلحق به الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالبا كالتراب، ومثله التراب المطروح على المشهور”([38]) فتبين أن التراب لا يسلب الطهورية على المشهور لكن هل يسلب التراب النجاسة؟ ذكر الحطاب: ” وأما إن زال تغيره بإلقاء التراب فيه أو الطين فقال في الطراز([39]) إن لم يظهر فيه لون الطين ولا ريحه ولا طعمه وجب أن يطهر لزوال التغير وإن ظهر أحد أوصاف الملقى فالأمر محتمل ولم يجزم فيه بشيء… والأظهر النجاسة عملا بالاستصحاب”([40]) فالخلاف ناشئ من واقع التراب هل هو مزيل للنجاسة أم ساتر فقط؟ وهو محل البحث والاجتهاد.

هذا فيما يتعلق بمسالك النظر الفقهي التي نص عليها الغزالي رحمه الله، لكنها غير محددة كما صرح بذلك حين قال: ” فهذه خمسة أصناف من النظريات وهي: اللغوية، والعرفية، والعقلية، والحسية، والطبيعية، وفيه أصناف أخر يطول تعدادها وهي على التحقيق تسعة أعشار النظر الفقهي، وليس في شيء منها قياس… بل كله نظر على منهاج نظر العقل يجب وزنه بالموازين الخمسة”([41]) فهو لم يدع فيها الحصر بل فتح المجال للبحث عن مسالك أخرى تساعد المجتهد أثناء اجتهاده في واقع النازلة، ويمكن إضافة مسلكي القرائن والحساب إلى هذه المسالك.

المطلب الخامس: مراعاة المالكية لمسلكي النظر في القرائن والأخذ بالعد والحساب في اجتهاداتهم الفقهية

القرائن والأمارات الدالة تعتبر من أهم مسالك النظر الفقهي نظرا لتنوعها واختلاف دلالتها، وقد أعطى الشرع للقاضي أو الحاكم الرخصة في العمل بها، لهذا يجب عليه أن يكون فقيها بالقرائن والأمارات لمعرفة أحوال الناس، وإلا ضاعت حقوق كثيرة، قال ابن فرحون نقلا عن ابن العربي: ” على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء العمل في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة، وبعضها قال بها المالكية خاصة”([42]) وأوصل المسائل الخاصة التي أخذ فيها المالكية بالقرائن إلى خمسين مسألة([43]) وهذا دليل واضح على أن المالكية كانوا يعتمدون مسلك القرائن لفهم القضايا المراد تنزيل الحكم عليها، وذلك جزء من عمل المجتهد، وقد حكم الرسول ﷺ، بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت النسب،مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: “دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَسْرُورٌ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: أَيْ عَائِشَةُ.، أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَل فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ”([44]). فالحديث أخذ فيه الرسول ﷺ بقرينة القافة، في تشابه الأقدام، وأثبت به النسب وهو سبب سروره، وذكر ابن فرحون: ” أن عمر رضي الله عنه حكم برجم امرأة إذا ظهر بها حمل وليس لها زوج، وجعل ذلك يقوم مقام البينة في أنها زانية “([45])؛ وخصص ابن فرحون للحكم بالقرائن فصلا خاصا جاء في بدايته قال ابن العربي: ” على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح… ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة، وبعضها قال بها المالكية خاصة… “([46]) وذكر خمسين مسألة يعمل فيها بالقرائن منها قوله: ” نحكم بكفر من تردد إلى الكنيسة أو لبس الزُّنَّار في بلاد الإسلام، أو ألقى المصحف في القاذورات… لأن هذه الأفعال قرينة دالة على الكفر وإن لم تكن في نفسها كفرا”([47])

لاشك أن القارئ لكتب الفقه يلحظ كثرة اعتماد الفقهاء على القرائن؛ لأنها كاشفة لواقع النازلة ومعينة على ضبطها، ومساعدة على التحقق منها، ويدخل في هدا الباب الخبرة الطبية في قضايا النسب، ومستجدات الطب المعاصر كنقل الأعضاء وزراعتها عند الضرورة، يقول الشيخ التاويل رحمه الله: ” فإن الطبيب الخبير الثقة وحده المقبول قوله في وجود ضرورة محققة عاجلة لإنقاذ المريض من الموت، أو أعضائه من التلف… ورأى بعضهم قبول شهادة الكافر في الموضوع… ولكن المشهور في المذهب المالكي أنه لا يقبل قول غير المسلم إلا عند تعذر المسلم العارف”([48]) بل يمكن الاستعانة بالخبرة الموثوق فيها في كل مجالات الحياة المعاصرة المعقدة والدقيقة؛ كالصناعة، والتغذية، والخدمات، ومجال المال والتجارة، ونحو هذا مما يتوقف على أهل الخبرة والتجربة الذين توفرت فيهم شروط قبول الاجتهاد ليكونوا محلا للثقة، لأن المجتهد سيعتمد عليهم في تنزيل الحكم الشرعي على واقعه الذي بينه له أصحاب الخبرة، وهذا ما تقوم به مؤسسة الاجتهاد الجماعي. وقد نصت مدونة الأسرة المغربية على اعتماد الخبرة في ثبوت النسب بعد قرينة الفراش وإقرار الأب، وشهادة العدلين، وبينة السماع جاء في المادة 158: ” يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا، بما في ذلك الخبرة القضائية”([49]).

أما مسلك العد والحساب فقد اعتمد الشرع عليه في كثير من الأحكام؛ مثل الكفارات، وأيام العدة للمرأة، ودخول شهر رمضان، وتحديد وقت الصلاة، ولا شك أن وسائل العد والحساب تطورت بشكل لافت، كما أن دقتها وضبطها تطور أيضا، ” فتحديد مواقيت الصلاة في القديم كان يعتمد على علامات طبيعية وظواهر كونية تتعلق بحركة الشمس”([50])، الآن أصبح الاعتماد على هذا أصعب؛ نظرا لظاهرة العمران في المدن وارتفاعها، وانتشار الإنارة في الشوارع، فتدخل الإنسان جعل تلك العلامات الطبيعية مستغنى عنها. وقد أشار القرافي إلى هذا عند حديثه عن أدلة وقوع الأحكام فقال: ” وأما أدلة وقوعها فهي غير منحصرة فالزوال مثلا… دليل وقوعه وحصوله في العالم الآلات الدالة عليه وغير الآلات… وغير ذلك من الموضوعات والمخترعات التي لا نهاية لها”([51]

ومن هذا القبيل؛ اعتماد المالكية على الحساب لتحديد مدة الطهر والحيض والنفاس قال صاحب الفواكه الدواني: ” بمضي مدة أقل الطهر، واختلف في قدرها فعند سحنون مثل ثمانية أيام، أو مثل عشرة أيام عند ابن حبيب، وقيل: أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما وهو المعتمد “([52]) واعتمد الفقهاء على العد والحساب أيضا للتمييز بين دم الحيض المانع من العبادة وبين دم الاستحاضة الذي لا يمنع شيئا، قال خليل: ” ولمعتادة ثلاثة استظهار على أكثر عادتها ما لم تجاوزه ثم هي طاهر”([53]) فإن كانت عادة المرأة في الحيض ثلاثة أيام ولم يتوقف الدم بعد مرور عادتها فإنها تستظهر بثلاثة أيام أخرى وتغتسل بعد ستة أيام، وإن كانت عادتها اثني عشر يوما مثلا استظهرت بثلاثة أيضا واغتسلت بعد خمسة عشر يوما. وهكذا؛ فلا يمكن قصر هذا المسلك على أبواب الحيض والنفاس والعدة بل هو قابل للتطور ليشمل مسائل فقهية كثيرة كلما توقف الحسم فيها على العدد، ومن ذلك المعاملات المالية مثل المبادلة التي تعتمد على العدد لتفادي الوقوع في ربا الفضل، وتحديد الآجال التي لا يجوز تجاوزها كاليومين في تسليم رأس مال السلم، وتحديد مقدار الثلث عددا في باب الجوائح، وتحديد مقدار نصاب زكاة العين بعشرين دينارا في الذهب ومائتي درهم في الفضة، وتحديد مقدار زكاة الفطر بالعدد إذا ما أخرجت قيمة وغير ذلك من مسائل الاجتهاد التي حددت بالأعداد مثل عدد الأيام المعتبرة في الغيبة عن الزوجة، وعدد السنوات المعتبرة للحكم على المفقود بالموت، وتحديد مسافة القريب والبعيد بعدد الأيام التي يقطع بها تلك المسافة، فمعظم هذه الأعداد اجتهادية ولم يرد نص شرعي إلا في القليل منها.

 فنحن الآن مطالبون باعتماد كل الوسائل الإلكترونية، وخدمات التكنولوجيا الحديثة لتحديد مواقيت الصلاة بالحساب، واعتماد الأرقام الإلكترونية المعروضة في معاملات البورصة والمؤسسات المالية، واعتبار الكشف الرقمي الذي تصدره الأبناك والشركات المالية في الحكم على صحة المعاملة المالية وفسادها، والأخذ بعين الاعتبار الأرقام التي تصدرها المؤسسة الرسمية في مختلف قضايا المجتمع والتي تساعد الفقيه في إصدار حكم شرعي معين، خاصة في وقتنا المعاصر الذي أصبحت فيه الأعداد لغة معتبرة ومعبرة في كثير من المجالات، كعدد حالات الطلاق في منطقة معينة، وعدد الوفيات بمرض معين، وعدد حالات الإجهاض، وعدد الأطفال الذين يولدون خارج الزواج الشرعي، وعدد نسبة التضخم، وغير ذلك من المعاملات المترتبة على العد والحساب التي لا يمكن للفقيه المعاصر أن يهمل النظر فيها.

وفي الختام؛ يمكن القول إن البحث في مسالك النظر الفقهي عند الغزالي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، فهي رغم حصرها ووضوحها من حيث الظاهر، فإنها تحتاج إلى تتبع واستقراء في كتب الفقه للوقوف على المكانة التي تحتلها هذه المسالك في القضايا الفقهية، ولمعرفة التطور الذي أحدثته في اجتهادات الفقهاء قديما. وقد حاول هذا البحث رغم تواضعه أن يلفت انتباه القراء إلى وعي فقهاء المالكية بهذه المسالك من خلال بيان مدى قوة حضورها في بعض القضايا الفقهية التي توقف عندها هذا المقال، وقد رمت فيه إلى الاختصار ليشمل أكثر عدد ممكن من الوقائع الفقهية التي استثمر فيها المالكية هاته المسالك.

وقد تبين من خلال هذه الدراسة أن اختلاف المذاهب لا يؤثر سلبا على الثروة الفقهية التي تزخر بها حضارة المسلمين، بل يساعد على التنوع والتكامل كما اتضح من هذا المقال الذي جمع بين رؤية الإمام الغزالي لمسالك النظر الفقهي وبين تطبيق هذه المسالك في فروع الفقه وجزئياته عند المالكية، مما يدعو إلى ضرورة تجاوز التعصب المذهبي والانفتاح على ما تمتلكه المذاهب الفقهية المتنوعة من قواعد ومناهج علمية دقيقة للخروج بموسوعة فقهية لا تتجاوز الاختلافات المذهبية وخصائصها المختلفة، ولا تعتبرها وسيلة للتفرقة بين المسلمين.

ومن خلال ما سبق فقد خلص هذا البحث إلى النتائج التالية:

1- إن مسالك النظر الفقهي عند الغزالي ليست فقط قواعد نظرية مجردة عن العمل الفقهي، بل هي خرجت من رحم الفقه تطبيقا وانتمت إلى أصوله تنظيرا؛

2- إن قصد الإمام الغزالي من الحديث عن مسالك النظر الفقهي ليس حصرها في عدد معين لا يجوز الخروج عنه، بل غايته لفت انتباه الناظر فيها إلى تتبع مثل هذه المسالك في عمل الفقهاء لاستخراج مسالك أخرى يمكن أن تساعد المجتهد في البحث والنظر وتنزيل الحكم المناسب على محله.

3- إن الباحثين المعاصرين في حاجة إلى الانفتاح على علوم إنسانية أخرى مثل؛ علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد وغيره للاستفادة من مناهج هذه العلوم والبحث فيها عن مسالك النظر الفقهي في كثير من مستجدات الحياة المعاصرة؛

4- إن الاجتهادات الفقهية في المذهب المالكي تعتبر ثروة علمية كبيرة يجب الانكباب على دراستها لاستخراج مجموعة من مسالك النظر الأخرى التي اعتمدوها في ترجيحاتهم الفقهية، وهي قابلة للتطور لتساير عصرنا الحاضر مثل مسلك القرائن ومسلك العدد.

5- إن دراسة مسالك النظر في العمل الفقهي المالكي تحتاج إلى جهد جماعي مؤسساتي يوحد الجهد والوقت ويجنب التكرار والاجترار.

وفي الأخير أسال الله أن يوفقني لما فيه الخير والصلاح، وأن يجنبني الجهل والغرور، ويحفظني من كل سوء ومكروه. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع

  • أبو حامد الغزالي، أساس القياس، تح، فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان. د. ط.، 1413هـ/1993م،
  • ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث، القاهرة، د. ط، 1425هـ /2004 م، ج4.
  • ابن فرحون، (ت: 799هـ)، تبصرة الحكام، مكتبة الكليات الأزهرية ط1، 1406هـ / 1986م، ج2،
  • سها سليم مكداش، تغير الأحكام دراسة تطبيقية لقاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير القرائن والأزمان) في الفقه الإسلام، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1428 هـ/7 200م،
  • ابن الحاجب المالكي، (ت: 646هـ) جامع الأمهات، تح، أبو عبد الرحمن الأخضري الأخضري، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع. ط2، 1421 هـ / 2000م،
  • القرافي، الذخيرة، تح، محمد حجي، دار الغرب الإسلامي- بيروت، ط1، 1994م، ج8.
  • محمد التاويل، زراعة الأعضاء من خلال المنظور الشرعي، مكتبة الهداية، الدار البيضاء، د. ط، د. ت،
  • الشيخ محمد التاويل، زكاة العين ومستجداتها، مطبعة انفو برانت فاس، ط2، د. ت. ص: 95
  • محمد مخلوف شجرة النور،، علق عليه: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1424 هـ / 2003م، ج1،
  • أحمد الدردير المالكي، الشرح الكبير، دار الفكر د. ط.، د. ت. ج2، ص: 140
  • الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، المكتبة العلمية، ط1، 1350هـ،
  • ميارة الفاسي، شرح ميارة الفاسي على تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ/2000م،
  • الإمام الغزالي، (ت: 505 هـ) شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تح، حمد الكبيسي، مطبعة الإرشاد، بغداد. ط1، 1390 هـ/1971 م،
  • البخاري، الجامع المسند الصحيح، تح، محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، رقم الحديث: 2453.
  • مسلم، المسند الصحيح المختصر، تح، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط. د. ت. رقم الحديث: 1612.
  • عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، دار المعرفة، د. ط، د. ت.
  • أحمد النفراوي الأزهري المالكي (ت: 1126هـ). الفواكه الدواني الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، د. ط. 1415هـ – 1995م.
  • أبو الحسن العدوي، حاشية العدوي، على كفاية الطاللب الرباني، دار الفكر د. ط. 1429هـ/2009 م ج2،
  • خليل بن إسحاق المالكي المصري، (ت: 776 هـ ) المختصر تح، أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1426 هـ / 2005 م.
  • وزارة العدل المغربية، مدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد2، ابريل 2007.
  • الونشريسي، المعيار، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية، ط1، 1401هـ.
  • الشاطبي، الموافقات، تح، أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م.
  • الحطاب، مواهب الجليل، دار الفكر، ط3، 1412هـ /1992م.
  • التنبكتي، نيل الابتهاج، عناية وتقديم: الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة، دار الكاتب، طرابلس – ليبيا، ط2، 2000م،

([1]) الإمام الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تح، حمد الكبيسي، مطبعة الإرشاد، بغداد، ط1، 1390 هـ/1971 م، ص: 436 .

([2]) أبو حامد الغزالي أساس القياس، تح، فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان، د.ط.،1413هـ/1993م، ص: 41 ـ 43، بتصرف يسير .

([3])المصدر نفسه، ص: 41. الغزالي، شفاء الغليل، مصدر سابق، ص: 436 و 437 .

([4])الغزالي، شفاء الغليل، مصدر سابق، ص: 436 .

([5])الغزالي، أساس القياس، مصدر سابق، ص: 43.

([6]) الغزالي، أساس القياس، مصدر سابق، ص: 43.

([7])الغزالي، أساس القياس، مصدر سابق، ص: 43.

([8]) الغزالي، شفاء الغليل، الغزالي، مصدر سابق، ص: 438.

([9]) الإمام مسلم، المسند الصحيح، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم الحديث: 1612. الإمام البخاري، الجامع المسند الصحيح، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، رقم الحديث: 2453.

([10]) قال ابن حجر:” وفي حديث تحريم الظلم والغصب، وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض؛ أنه من الكبائر” ينظر: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، د.ط. 1379هـ،ج5، ص: 105.

([11]) ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الحديث، القاهرة، د.ط، 1425هـ /2004 م، ج4، ص: 101

([12]) أبو الحسن العدوي، كفاية الطاللب الرباني مع حاشية العدوي، دار الفكر د.ط. 1429هـ/2009 م ج2، ص:284

([13]) أبو الحسن، كفاية الطالب، مرجع سابق ص: 286

([14]) ميارة الفاسي، شرح ميارة الفاسي على تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ/2000م، ج2،ص: 429

([15] ) الغزالي، شفاء الغليل، مصدر سابق، ص: 436.

([16]) الغزالي، أساس القياس، مصدر سابق، ص: 41 و42.

([17]) المصدر نفسه، ص: 41.

([18]) الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، المكتبة العلمية، ط1، 1350هـ، ص:336

([19]) المصدر نفسه، ص: 351

([20]) الحطاب، مواهب الجليل، دار الفكر، ط3، 1412هـ /1992م، ج5، ص: 274

([21]) القرافي، الذخيرة، تح، محمد حجي، دار الغرب الإسلامي- بيروت، ط1، 1994م، ج8، ص: 257

([22]) الشيخ محمد التاويل، زكاة العين ومستجداتها، مطبعة انفو برانت فاس، ط2، د.ت. ص:95

([23]) المرجع نفسه، ص: 97 و98.

([24]) أبو الحسن، كفاية الطالب، مرجع سابق، ج1، ص:485 وما بعدها بتصرف.

([25]) الغزالي، شفاء الغليل، مصدر سابق، ص: 436

([26]) القرافي، الفروق، عالم الكتب، د.ط.، د.ت، ج1، ص: 177.

([27]) القرافي، الفروق، مصدر سابق، ج1، ص: 171 .

([28]) أحمد الدردير المالكي، الشرح الكبير، دار الفكر، د.ط.، د. ت. ج2، ص: 140

([29]) أبوسعيد فرج بن قاسم بن لب الغرناطي؛ إمامها، ومفتيها، وعالمها.من شيوخه: القاضي المعروف بابن بكر وبه تفقه، وأبو جعفر الزيات، وأبو محمد بن سلمون وغيرهم. ومن طلابه: أبو زكرياء السراج، والإمام الشاطبي، ومحمد بن عاصم، وأبو القاسم بن سراج، والإمام الحفار وغيرهم. له تأليف في مسائل من العلم: مثل مسألة الدعاء إثر الصلوات، ومسألة الإمامة بالأجرة، والرد على ابن عرفة في القراءة بالشاذ في الصلاة، وشرح جمل الخزرجي، وتصريف التسهيل وفتاوى مشهورة. توفي في ذي الحجة سنة 782 هـ.

ــ التنبكتي، نيل الابتهاج، عناية وتقديم: الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة، دار الكاتب، طرابلس – ليبيا، ط2، 2000م، ص: 357 وما بعدها. مخلوف، شجرة النور، علق عليه: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1424 هـ / 2003م،ج1، ص: 332.

([30]) الونشريسي، المعيار، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية، ط1، 1401هـ، ج4، ص:138.

([31]) الغزالي، شفاء الغليل، مصدر سابق، ص: 436. وأساس القياس، مصدر سابق، ص: 42 و43

([32]) عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، دار المعرفة، د.ط، د.ت، ج2، ص: 36.

([33]) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 436.

([34]) الشاطبي، الموافقات، تح، أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1،  1417هـ/ 1997م ج5، ص: 17

([35]) الغزالي، أساس القياس، للغزالي، مصدر سابق، ص: 41 و 42.

([36]) خليل بن إسحاق المالكي المصري، (ت: 776 هـ ) المختصر، تح، أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1426 هـ / 2005 م،ص:  15 .

([37]) الحطاب، مواهب الجليل شرح مختصر خليل، مصدر سابق، ج1، ص: 57.

([38]) ابن الحاجب، جامع الأمهات، تح، أبو عبد الرحمن الأخضري الأخضري، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1421 هـ /  2000م، ص: 30 .

([39]) الطراز: اسم لكتاب “طراز المجالس” لأبي علي السند بن عدنان إبراهيم الأسدي المصري؛ وهو فقيه مالكي تتلمذ على أبي بكر الطرطوشي، وكان سند أكثر ملازمة له، وجلس لإلقاء الدروس بعده. ألف الطراز شرح به المدونة نحو الثلاثين سفرا، وتوفي قبل إكماله سنة: 541 هـ. ينظر: محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ، مرجع سابق، ج1، ص: 184.

([40]) الحطاب، مواهب الجليل، مصدر سابق، ج1، ص: 85.

([41]) الغزالي، أساس القياس، مصدر سابق ص: 41 ـ 43، بتصرف يسير .

([42]) ابن فرحون، تبصرة الحكام، مكتبة الكليات الأزهرية ط1، 1406هـ / 1986م، ج2، ص: 121

([43]) المصدر نفسه، ج2، ص: 126

([44]) البخاري، الجامع المسند الصحيح، كتاب الفرائض، باب القائف، رقم الحديث: 6771

([45]) ابن فرحون، تبصرة الحكام، مصدر سابق، ج1، ص: 242.

([46]) المصدر نفسه، ج1، ص: 121

([47]) المصدر نفسه، ج1، ص: 126

([48]) محمد التاويل، زراعة الأعضاء من خلال المنظور الشرعي، مكتبة الهداية، الدار البيضاء، د.ط، د.ت، ص: 51

([49]) وزارة العدل، مدونة الأسرة المغربية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، العدد2، ابريل 2007، ص:60

([50]) سها سليم مكداش، تغير الأحكام دراسة تطبيقية لقاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير القرائن والأزمان) في الفقه الإسلام، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1428 هـ/7 200م، ص: 170

([51]) القرافي، الفروق مصدر سابق، ج1، ص: 128

([52]) أحمد النفراوي الأزهري المالكي، الفواكه الدواني الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني،  دار الفكر، د.ط. 1415هـ – 1995م، ج1 ص: 120

([53]) خليل المختصر مصدر سابق، ص:  26