قيمتا الحريَّة والأمن دراسة مقاصدية

د. حسام إبراهيم أبو الحاج

ملخص

تناول هذا البحث قيمتي الحرية والأمن دراسة مقاصدية؛ فتمثلت مشكلة البحث في بيان دور القواعد المقاصدية النَّاظمة لكل من قيمتي الحرية والأمن في توضيح العلاقة بينهما، وتظهر أهمية هذا البحث في رفد الفكر السياسي المقاصدي بدراسات توضح العلاقة بين قيمتي الحرية والأمن بالنظر في المقاصد العليا للتشريع الإسلامي، وقد توصل الباحث إلى نتائج من أبرزها أنَّ لكل من قيمتي الحرية والأمن مباديء مقاصدية تستند عليها، ومن هذه المباديء: أنَّ العلاقة بين قيمتي الحرية والأمن علاقة تلازمية تكاملية وليست تناقضية تعارضية. وأوصى الباحث بدعوة الباحثين لدراسة أثر شيوع الحرية والأمن على الأخلاق المجتمعية، وبدعوة الحكومات إلى انتهاج السياسات القائمة على الحرية بدلاً من السياسات الأمنية المقيدة لها دون مسوغات مشروعة.

Abstract:

This research deals with the values ​​of freedom and security as a deliberate study. The research problem was represented in explaining the role of the intentional rules governing each of the values ​​of freedom and security in clarifying the relationship between them، and the importance of this research in supplementing the intentional political thought with studies that clarify the relationship between the values ​​of freedom and security by considering the higher purposes of Islamic legislation. Each of the values ​​of freedom and security have intentional principles on which they are based، and among these principles: The relationship between the two values ​​of freedom and security is an integral collateral relationship، not a contradictory one. The researcher recommended inviting researchers to study the effect of the prevalence of freedom and security on societal morals، and calling on governments to adopt policies based on freedom instead of security policies that restrict them without legitimate justification.

مقدمة

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرَّمه بالعقل والإرادة، وسخَّر له ما في الكون ليتولى خلافة الأرض وإعمارها مهتدياً بشرعه القويم، والصلاة والسلام على من أنار طريق الحريَّة للبشرية، ونشر الأمن والسلام بسنته العطرة وسيرته المطهرة، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أمَّا بعد،

فتتضمن هذه المقدمة مشكلة البحث وحدوده، وأهدافه، وأهميته، ومنهجه، والدراسات السابقة، ومخططه على النحو التالي:

مشكلة البحث:

من القضايا البارزة في واقعنا المعاصر الجدل الدائر بين السياسيين حول العلاقة بين الحريَّة والأمن كمصالح عليا للأمَّة؛ فيرى البعض أنَّ العلاقة بينهما علاقة عكسية، فإذا وجد الأمن غابت الحريَّة، ويرى البعض أنَّ الحريَّة أصل والأمن والسلطة وسائل فلا يجوز أن تقدَّم الوسائل على مقاصدها ومن هنا برزت مشكلة هذه الدراسة وتتلخص في السؤال التالي: ما العلاقة بين كل من قيمتي الأمن والحريَّة في ضوء القواعد المقاصدية في الإسلام؟ وينبني على سؤال الدراسة الأسئلة الفرعية التالية:

  1. ما المضامين الأساسية لنظرية مقاصد الشريعة ودورها في معالجة المشاكل المستجدة؟
  2. ما المقصود بقيمة الحريَّة في الإسلام؟
  3. ما المباديء التي تستند عليها قيمة الحريَّة؟
  4. ما المقصود بقيمة الأمن في الإسلام؟
  5. ما ما المباديء التي تستند عليها قيمة الأمن؟
  6. ما القواعد المقاصدية التي تعالج التعارض المتوهم بين قيمتي الحريَّة والأمن؟

حدود البحث:

تمت معالجة مشكلة البحث ضمن حدود الفكر الإسلامي المقاصدي المتعلق بالسياسة الشَّرعية لقيمتي الحريَّة والأمن.

أهداف البحث:

  1. بيان المضامين الأساسية لنظرية مقاصد الشريعة، ودورها في معالجة المستجدات.
  2. بيان المفاهيم المتعلقة بالحريَّة والأمن لغةً واصطلاحاً.
  3. استقصاء المباديء المقاصدية المرتبطة بقيمتي الحريَّة والأمن.
  4. استخلاص القواعد المقاصدية التي تعالج التعارض بين قيمتي الحريَّة والأمن.

 أهمية البحث:

  1.  رفد الفقه الإسلامي بدراسات بحثية تنزِّل موضوعات علم المقاصد على الواقع.
  2.  البحث في قواعد الموازنة بين قيمتين مهمتين للحياة الإنسانية تدور حولهما النقاشات الساخنة.
  3. تبصير المهتمين بمتانة أحكام الإسلام وخلوها من التعارض، وبيان مدى الانسجام والتوافق بينها، وأنَّها تصدر من مشكاة واحدة فلا ينقض بعضها بعضاً أو يلغي أحدها الآخر.

منهجية البحث وعينة الدراسة:

 تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي الاستقرائي بتفحص ظاهرة التعارض بين قيمتي الحريَّة والأمن من الناحية النظرية والتطبيقية في حدود الفكر المقاصدي في الإسلام ودراستها دراسة وافية.

تمثلت عينة الدراسة بالنُّصوص والشواهد الشَّرعية، والقواعد المقاصدية والفقهية، والمواقف العملية من السيرة النَّبوية المتعلقة بقيمتي الحريَّة والأمن، بتتبعها وتصنيفها إلى مجموعات متجانسة، ومقارنتها، وبيان مواطن الشبه والاختلاف، وتحليلها وتفسيرها بدقة للوصول إلى القواعد المقاصدية النَّاظمة لقيمتي الحريَّة والأمن ورفع التعارض المتوهم بينهما.

الدراسات السابقة:

 تعددت الكتابات التي تناولت هاتين القيمتين قديماً وحديثاً، فقد تناولهما كثير من الباحثين كلٌ قيمة على حدة، وقليل منهم من تناولهما معاً بشيء من التفصيل مع بيان القواعد الحاكمة لهما عند التعارض أو التزاحم، وفيما يلي عرض لأهم الدراسات السابقة مع بيان أوجه افتراق هذه الدراسة عنها:

– كتب السيد زهرة([1]) (2016م)، جدل الحريَّة والأمن في الغرب ودولنا العربية، مقالاً إلكترونياً، تعرَّض فيه للقضايا التالية: كيف يناقش الفكر السياسي الغربي هذه القضية، وكيف يتعامل الغرب معها، وكيف يجب أن نتعامل في الدول العربية معها على ضوء أوضاعنا الحالية والتحديات التي تواجهها، واستعرض المدارس الفكرية الغربية ومواقفها من جدلية العلاقة بين الأمن والحريَّة، والمباديء العامة التي تستند إليها كل مدرسة، وقدَّم توصيات للدول العربية حول الموازنة بين هاتين القيمتين؛ وهذه المقالة ــــــ على أهميتها ـــــــــــ لم تتناول الموضوع من وجهة النَّظر الإسلامية المقاصدية الأمر الذي تطمح هذه الدراسة لمعالجته.

– كتب إبراهيم عوض([2]) (2016م)، عن الحريَّة والأمن والحقوق، مقالاً إلكترونياً تناول فيه طبيعة الحريَّة، وبيَّن التداخل بين مفهوم الحريَّة والحق، وناقش الاتجاه الذي يرى أنَّ العلاقة بين الأمن والحريَّة علاقة عسكية، وأوضح الأشكال التي تتجلى فيها الحريَّة، كما ناقش من يرى أنَّ الحريَّة حق من الحقوق، وخلص إلى التآلف بين الحريَّة والحقوق جميعا الأمر الذي يضمن للنظام السياسي استمراريته ويكفل للشعب الأمن المنشود، وهذه المقالة لم تعالج الإشكالية من المنظور الإسلامي فضلاً عن المقاصدي.

– كتب سليمان صويص([3]) (2015م)، الحريَّة أساس توفير الأمن، جريدة الرأي الأردنية، تعرض فيه لإشكالية العلاقة بين الحريَّة والأمن على خلفية التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2014م الصادر عن المركز الوطني، وخلص فيه إلى أهمية الحريَّة في بناء الدولة القوية؛ غير أنَّه لم يتطرق لمعالجة هذه الإشكالية وفق المنظور الإسلامي المقاصدي.

– كتب شويش المحاميد([4]) (2007م)، العلاقة بين الأمن والحريَّة في الإسلام، تناول فيه مشروعية الحريَّة والأمن في الإسلام ووسائلهما وضوابطهما، وضوابط العلاقة بينهما، وبيّن المفاسد المترتبة على الأمن الخالي من الحريَّة، ومفاسد الحريَّة المطلقة عن القيود؛ ومع أهمية دراسته إلا أنّها لم تعالج العلاقة بين القيمتين معالجة مقاصدية ببيان القواعد المقاصدية وأثرها في توجيه الاجتهاد المعاصر وتحديد القواعد المقاصدية النَّاظمة لكل من هاتين القيميتين وتلك التي تعالج التعارض بينهما إنْ وجد؛ الأمر الذي تحاول هذه الدراسة إضافته.

– كتب رحيل غرايبة([5]) (2003م)، مسألة الحريَّة في النظام السياسي الإسلامي، تناول فيه إشكالية الحريَّة والسلطة في النِّظام السياسي الإسلامي؛ فبيّن مفهوم الحريَّة وأهميتها في الفقه الإسلامي والعلاقة بين سلطة الحكم والحريَّة الإنسانية، وبيّن بعض الأسس التي تحكم العلاقة بين هاتين الجهتين ومن ذلك: وحدة المصدر التشريعي، والاتفاق في الغايات والمقاصد الأصلية، وأبرز مكانة الحريَّة في قواعد النِّظام السياسي الإسلامي؛ ومع أهمية دراسته وارتباطها الوثيق بهذا البحث إلا أنَّه لم يحدد القواعد المقاصدية النَّاظمة لكل من القيمتين وتلك القواعد التي تعالج إشكالية التعارض بينهما إنْ وقع؛ الأمر الذي تطمح هذه الدراسة لاستكماله.

-كتب أحمد الريسوني([6]) (2003م)، الحريَّة في الإسلام أصالتها وأصولها، تناول فيه مكانة الحريَّة في الإسلام وطبيعتها والأصول الإسلامية المترجمة لها وهما: الإباحة الأصلية، والأصل براءة الذِّمة؛ غير أنَّه لم يتطرق لجدلية العلاقة بين الحريَّة والأمن من المنظور المقاصدي.

-كتب عبد العزيز العتيبي([7]) (1999م) “الأمن في ضوء الكتاب والسنَّة”، رسالة ماجستير، وتعَّرض فيها لتعريف الأمن،، وتحدث عن أثر الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح في حفظ الأمن، وأثر الكفر في اختلال الأمن، وأثر العدل في حفظه، ونتائج الأمن في الدنيا والآخرة، ومع أهمية هذه الدراسة إلا أنَّها جاءت دراسة أصولية تفسيرية لموضوع الأمن، فلم يتطرق لموضوع الحريَّة والعلاقة بينها وبين الأمن كدراسة فقهية مقاصدية.

خطة البحث: وقد اشتمل البحث علىالمقدمة السابقة، وأربعة مطالب وخاتمة على النحو التالي:

المطلب الأول: المضامين الأساسية لنظرية مقاصد الشريعة.

تعدُّ مقاصد الشريعة الإسلامية الموجهات النَّاظمة للاجتهاد الفقهي إزاء القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات الإنسانية عامَّة؛ ذلك أنَّ البحث في المصالح والمفاسد النَّاتجة عن تصرفات البشر وأفعالهم أو المتوقعة منها قبل حدوثها وبناء الحكم الفقهي المناسب تبعاً لذلك هو جوهر علم المقاصد، ومن المضامين المكونة لنظرية مقاصد الشريعة ما يلي:

أولاً: تحقيق مصالح النَّاس ودفع المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة.

وصف الله تعالى المهمات المنوطة بالنَّبي H والمؤمنين معه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]

قال الإمام العز بن عبد السلام: ” والشريعة كلها مصالح إمّا تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: ” يا أيها الذين آمنوا ” فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيراً يحثك عليه أو شراً يزجرك عنه أو جمعاً بين الحث والزجر ” ([8])؛ فغاية التشريع تحقيق الخير والسعادة والحياة الكريمة الآمنة المطمئنة التي يسودها الحب والتعاون والتراحم والتعاطف بين أفراد المجتمع الإنساني.

ثانياً: رفع الحرج والمشقة عن النَّاس.

ومن المقاصد الكبرى للشريعة رفع الحرج والمشقة عن النَّاس، فجاء تأكيد هذا المعنى في القرآن والسنَّة ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78] وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]

فوضع العلماء قواعد فقهية تتعلق بالمشقة ورفع الحرج؛ من مثل: “المشقة تجلب التيسير “([9])، ” إذا ضاق الأمر اتسع “([10])، ” الضرورات تبيح المحظورات “([11])، ” الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً “([12])، ” المشقة من حيث هي غير مقصودة للشارع “([13])؛ فاستفاض العلماء في بيانها بياناً وافياً تجد شفاء الغليل من ذلك عند الشاطبي([14]) في كتابه الموافقات؛ ومن جانب آخر أوضح ابن عاشور أهمية البحث في الرخص العامَّة بقوله: “وإنَّ من أعظم ما لا ينبغي أن ينسى عند النَّظر في الأحوال العامَّة الإسلامية نحو التشريع هو باب الرخصة فإنَّ الفقهاء إنّما فرضوا الرخص ومثّلوها في خصوص أحوال الأفراد، ولم يعرجوا على أنَّ مجموع الأمَّة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة إلى الرخصة”([15]).

ثالثاً: وضع قواعد الموازنة والترجيح للمصالح المتزاحمة أو المفاسد المتزاحمة أو المصالح والمفاسد المتعارضة.

وهذا من أكثر أبواب علم المقاصد صعوبة عند التطبيق والتنزيل بيد أنَّ العلماء اعتنوا ببيان تلك القواعد النَّاظمة للترجيح بين المصالح المتزاحمة كما قال العز بن عبد السلام: “إذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة، فإنْ أمكن تحصيلها حصَّلناها، وإنْ تعذَّر تحصيلها حصَّلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل، لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[الزمر: 17، 18]، فإذا استوت مع تعذر الجمع تخيرنا، وقد يُقرَع، وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين المصالح الواجبات والمندوبات“([16])

فبحث علماء المقاصد مفهوم المصلحة، ورتبها، وأنواعها، وقواعد الترجيح بينها عند التزاحم، وبحثوا في مقابلها أيضاً المفاسد، ورتبها، وأنواعها، وقواعد الترجيح بين ارتكابها إذا وقعت في آن واحد ولم يتمكن من دفعها جميعاً مثل قاعدة “يرتكب أخف الضررين”([17]) ووضعوا أيضا قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد عند اجتماعها أدرء المفاسد أم جلب المصالح؟ كل هذا تجده من مضامين علم مقاصد الشريعة.

رابعاً: بيان الحقوق والواجبات والحريات، ورتبها، وسبل العناية بها عند التعارض والتزاحم.

وتنبع أهمية الحديث عن الحقوق والواجبات أنَّها تنظم الانتفاع بالمصالح التي شرعها الإسلام للخلق لاستمرار الحياة وبهجتها عليهم دون فساد وتنازع؛ وقد بيًّن ابن عاشور([18]) كيف يصل النَّاس إلى حقوقهم، وأولويات الانتفاع بهذه الحقوق؛ فأعلاها الحق الأصلي المستحق بالتكوين وأصل الجبلَّة، ثم ما فيه شائبة الحق الأصلي، ثم بقية الحقوق. وإذا نظرنا إلى الحريَّة نجد أنَّها تندرج ضمن النّوع الأول وهو الحق الأصلي المستحق بالتكوين وأصل الجبلَّة.

ومن هذا القبيل الحق الشخصي، و(حق الله) أو الحقوق العامة وسبل الانتفاع بها وتنظيمها بين النَّاس، فبرزت الحاجة إلى إقامة الأمناء على الحق المشترك والذي يُعبَّر عنه بمقصد وضع الحكَّام، ويتصل به واجبات الدولة؛ إذ سبب وجودها حماية حقوق النَّاس العامَّة والخاصَّة، وتمكينهم من الانتفاع بها بالعدل والمساواة ومن أبرز القواعد المقررة في هذا الباب ” لا ينتزع الحق من مستحقه إلا لضرورة تقيم مصلحة عامة” ([19])

وبالنَّظر إلى الجدل المثار حول حق الأمَّة وحقوق الحاكم؛ فمن المؤكد أنَّ الأمَّة هي مصدر السلطات وهي صاحبة الحق في السيادة يقول الدريني: ” فالحاكم إذن فرد عادي كأي حاكم مدني سياسي، هو نائب عن الأمَّة في تنفيذ شرع الله فيها، والعمل على استقامة أمرها وتعزيز سيادة الدولة داخلاً وخارجاً، والأمَّة هي صاحبة الشأن الأول، فهي التي تنصبه بإرادتها العامة الحرة عن طريق الشورى، أو الانتخاب الحر، ليتولى تسيير دفة الحكم بموجب دستورها الأعلى بما يحقق مصالحها، وإقامة العدل فيما بينها، وهو لذلك مسؤول أمامها، مسؤولية الوكيل أمام الأصيل، بل هو مسؤول شرعاً عن تصرفاته الشخصية العادية. ” ([20])

خامساً: وسائل المقاصد وأحكامها.

من المضامين المهمة لعلم مقاصد الشريعة البحث في الوسائل المؤدية إلى المقاصد من حيث مفهومها، وأنواعها، ورتبها، وأحكامها، والقواعد النَّاظمة لها؛ ومن أبرز قواعدها: “ربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لأدائها إلى المصالح “([21])، “ربما كانت أسباب المفاسد مصالح فنهى الشَّرع عنها لا لكونها مصالح بل لأدائها إلى المفاسد”([22])، “الشَّرع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد مع تفاوت أجور الوسائل والمقاصد”([23])، ” للوسائل أحكام المقاصد”([24])، “الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل “([25])، ” تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد “([26])

سادساً: الطُّرق التي تعرف بها مقاصد الشريعة.

من أبرز هذه المسالك كما لاحظها الريسوني ما يلي: ” فهم المقاصد وفق مقتضيات اللسان العربي، الأوامر والنواهي، المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية، سكوت الشارع، الاستقراء “([27]).

وتظهر أهمية البحث في الطُّرق الموصلة إلى مقاصد الشريعة أنَّ المقاصد الشَّرعية لم ينص عليها في الأعمّ الأغلب وإنَّما استنبطت من استقراء النُّصوص والأحكام والوقوف على أساليب اللغة في البيان والتفهيم، وهو أمر مهم لمعالجة المستجدات، وإعمال أدوات الاجتهاد وفق متغيرات الزمان والمكان.

المطلب الثاني: المبادئ النَّاظمة لقيمة الحريَّة.

يتناول هذا المطلب التعريف بقيمة الحريَّة وأهميتها في الإسلام، واستخلاص المباديء النَّاظمة لها بتتبع النُّصوص والشواهد، والمواقف العملية التي وردت في سياق هذه القيمة، ويتكون من المسائل التالية:

المسألة الأولى: تعريف الحريَّة لغةً، واصطلاحاً:

أولاً: الحريَّة لغةً.

جذرها الثلاثي حَرَرَ، والاسم: الحريَّة، وحَرَرَه أعتقه، والحُرُّ من النَّاس: أخيارهم، أفاضلهم، أشرافهم. والحُرّ: الفعل الحسن، والحُرة من النِّساء: الكريمة الشريفة([28]).

ثانياً: الحريَّة اصطلاحاً.

                تداول العلماء قديماً مصطلح الحريَّة للدلالة على ما يقابل العبيد والإماء وهو ما ذكره الوحي قرآناً وسنَّة كقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178]؛ فقد فرق القرآن بين الحر والعبد في عدد من الأحكام الشرعية كالحدود والقصاص والالتزامات المالية، ومن السنَّة النَّبوية عن أبي هريرة ¢ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة… ــــ وذكر منهم ـــ ورجل باع حراً فأكل ثمنه” ([29])، ويفهم من هذا الحديث أنَّ الأصل في الإنسان الحريَّة، وأنَّ النَّاس أكفاء فيها، ومن أعظم الجرائم في الإسلام استعباد البشر؛ يؤكد ذلك العيني بقوله: ” ومن باع حراً فقد منعه التَّصرف فيما أباح الله له وألزمه حال الذِّلة والصَّغار فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده ” ([30])

وبالنَّظر إلى مصطلح الإباحة بوصفه “تخييراً للمكلف بين الفعل والترك دون مدح أو ذم”([31]) يُلاحظ أنَّه منطبق على مضامين الحريَّة وهي تمثل دائرة المباحات كقسم من أقسام الحكم الشَّرعي التكليفي.

وأمَّا التَّعريفات المعاصرة للحرية وبيان طبيعتها؛ فيرى ابن عاشور أنَّ الحريَّة ذات صفة مزدوجة من حيث أصالة فطريتها لكل فرد في خلقته وأصالة مبدأ تقييدها، وعقلنتها باعتباره الشكل الوحيد الممكن لتحقيقها وإنجاحها([32]).

 عرَّفها حسن الترابي بقوله: “ولئن كانت الحريَّة في وجهها القانوني إباحة فإنَّها في وجهها الديني طريق لعبادة الله، فالواجب على الإنسان أنْ يتحرر لربِّه مخلصاً في اتخاذ رأيه، ومواقفه؛ وهذه الحريَّة في التَّصور الإِسْلاَمِي مطلقة لأنَّها سعي لا ينقطع نحو المطلق، وكلَّما زاد إخلاصاً في العبودية لله زاد تحرراً من كل مخلوق في الطبيعة… وحقق أقداراً أكبر من درجات الكمال الإنساني”([33]).

وعرفها الأستاذ علال الفاسي بقوله: “الحريَّة جعلٌ قانوني وليس حقاً طبيعياً، فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي، وأنَّ الإنسان لم يُخْلَق حراً، وإنَّما ليكون حراً”([34])، وهو بذلك يقرر أنَّ الأصل في الحريَّة مرده إلى الوحي، وأنَّها ليست حقاً طبيعياً للأفراد قبل ورود الوحي.

في حين فرَّق الغنوشي بين الحريَّة بمعناها التكويني ومعناها الأخلاقي فقال: “إنَّ الحريَّة في التَّصور الإِسْلاَمِي أمانة، أي مسؤولية ووعي بالحق والتزام به وفناء فيه، نعم إنَّ الحريَّة بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار، أو هي فطرة، فقد اختصنا الله بخلقة تحمل القدرة على فعل الخير والشر… وكانت تلك المسؤولية، أما المعنى الأخلاقي أو التشريعي فهي “تكيُّف” حسب عبارة الأصوليين. الحريَّة: أن نمارس مسؤوليتنا ممارسة إيجابية أي أن نفعل الواجب طوعاً… بإتيان الأمر واجتناب النهي، فنستحق درجة الخلفاء وأولياء الله الصالحين”([35]).

 وعرَّفها الزحيلي بقوله: “هي ما يميز الإنسان عن غيره، ويتمكن بها من ممارسة أفعاله وأقواله وتصرفاته بإرادة واختيار، من غير قسر ولا إكراه، ولكن ضمن حدود معينة”([36]).

وهذا التَّعريف يشترك مع التَّعريفات السابقة في النَّظر إلى الحريَّة على أنَّها من مميزات الإنسان ككائن بشري، وأنَّها مقيدة غير مطلقة.

وعرفها غرايبة بقوله: ” ما وهب الله للإنسان من مكنة التصرف لاستيفاء حقه وآداء واجبه دون تعسِّف أو اعتداء”([37]).

وبناءً على ما سبق تعرف بأنَّها: مكنة عامة منحها الشَّرع للأشخاص في الدَّوْلة لاستيفاء حقوقهم وأداء ما يجب عليهم دون إضرار بالآخرين.

فالقول بأنَّها مكنة عامة: أي وصف يثبت لكل شخص سواء أكان طبيعياً أم معنوياً بغض النَّظر عن جنسه أو لونه أو عرقه أو لغته أو موطنه يتمكن بها من الوصول إلى حقوقه وأداء واجباته.

والقول بأنَّ الشَّرع منحها: أي أثبتها بنصوصه الخاصة أو العامَّة، أو ثبتت بالنَّظر إلى مقاصد التَّشريع العامة للأفراد والجماعات على حد سواء.

وقول: دون إضرار بالآخرين: قيد يرد على الحريَّة بعدم استعمالها بوجه يلحق الضرر بالآخرين، من الأفراد، أو الجماعات الأخرى، أو الممتلكات العامة.

المسألة الثانية: المبادئ النَّاظمة لقيمة الحريَّة

                باستقراء الأحكام الشَّرعية والنُّصوص المتعلقة بقيمة الحريَّة تمَّ التَّوصل إلى المباديء التالية التي تستند عليها قيمة الحرية وهي:

أولاً: مصدر الحريَّة في الاسلام هو الشَّرع.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]

فالحريات في الإسلام تستمد من مصادر التشريع الإسلامي وهي: القرآن الكريم، السنَّة النَّبوية، الإجماع، القياس، العرف، الاستصحاب، المصالح المرسلة، الاستحسان، سد الذرائع وغيرها من المصادر المعتبرة.

فحرية التدين والعقيدة مستمدة من قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] فمنبعها جاء من الحكم الشَّرعي الذي قرره الشَّرع لا من الطبيعة البشرية أو من المصلحة الفردية أو الجماعية أو من أي مصدر آخر.

ويتصل بهذه القاعدة قاعدة ” الأصل في الأشياء الإباحة “([38]) وهي مستمدة من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ tقَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ» ([39])، وهذه القاعدة تبين أنَّ حكم الإباحة للأشياء تقرر بما أثبته الشَّرع لها بأنَّها مباحة بإباحة الشَّرع لها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ [النحل: 116]

                وبالنَّظر إلى الأدلة الاجتهادية يلاحظ أنَّها تؤصّل لكثير من الحريات التي استجدت في واقعنا المعاصر كتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية والتعاونية، وإقامة الأنشطة الاحتجاجية كالمسيرات، والاعتصامات، والاضرابات، وغيرها من الأنشطة التي تعدُّ من الحريات السياسية في الدولة المعاصرة.

                إذن تستند الحريات في الإسلام على دليل شرعي لاعتبارها وإلا فلا تعدُّ حرية مشروعة فضلاً عن المحرمات التي حرَّمها الإسلام كالزِّنا والشُّذوذ والتَّبرج وشرب الخمر وأكل الخنزير وغيرها من المحرمات الثابتة بدليل شرعي معتبر.

ثانياً: الحريَّة حق لكل مواطن في الدولة.

                نصت وثيقة المدينة التي كتبها النَّبي H على تمتُّع مواطني الدولة بالحريات التي كفلتها الوثيقة ومن ذلك حرية التدين كما في الفقرة: ” لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنَّه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. ” ([40])، وحرية الإقامة والسفر كما جاء في الفقرة: ” وأنَّه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة “([41])، و قررها عمر بن الخطاب t بقوله: ” مذ كم تعبّدتم النَّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا. “([42])

وهي حق للإنسان بوصفه مواطنا في الدولة بغض النَّظر عن دينه، أو جنسه، أو لونه، أو عرقه، أو موطنه؛ وهي حق ثابت له غير قابلة للسلب أو الانتقاص دون مستند شرعي يستند إليه عند تقييدها بقيد ما كما سيرد لاحقاً.

ثالثاً: الحريَّة في الإسلام مقيدة بالنُّصوص الشَّرعية.

من المسلمات في التَّصور الإسلامي للحرية أنَّ الحريَّة المطلقة من القيود تعني اتباع الهوى والشهوة والتعدي والظلم، ومنع الآخرين من التَّمتع بحرياتهم؛ فلا يتصور في الواقع الإنساني الحريَّة المطلقة؛ وحتى في المجتمعات غير الإسلامية تنضبط الحريَّة فيها بالقوانين المنظمة لها؛ فلا يسمح للفرد أن يطلق العنان لحريته كيفما شاء.

وإذا كان الإسلام قد أقر مبدأ الحريَّة حتى اعتبرت من أهم مقاصده العامة فإنَّه قيدها ابتداءً بنصوص الشَّرِيعَة، فالتكليف الذي تميَّز به الإنسان عن بقية المخلوقات يتعارض مع الحريَّة المطلقة، فلا يمكن أنْ يُتصور التَّكليف من جهة، والحريَّة المطلقة من جهة أخرى، فهو مدعاة إلى التناقض، فإلزام المسلم بالفرائض، وحثه على اجتناب المكروهات، وإلزامه بترك المحرمات حدٌّ من حُرِّيته المطلقة بلا شك.

وإذا كانت الحريَّة في المنظور الإسلامي مقيدة بنصوص الشريعة فلا يصح منعها أو تقييدها بدون دليل شرعي معتبر. يقول ابن عاشور ــــــ واصفاً الحريَّة ــــــ: “فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيداً يُدفع به عن صاحبها ضُر ثابت أو يُجلب به نفع ” ([43])

رابعاً: الحريَّة أساس لنهضة الأمَّة وقوتها وقيامها بواجباتها.

إذا أنعمنا النَّظر في القواعد العامة التي تحفظ الأمَّة من عوامل الفساد التي يمكن أن تفتك بها نجد أنَّها ترتكز على الحريَّة ومن ذلك: قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المستمدة من قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] فالنهوض بهذا الواجب لا يتم إلا بالحريَّة التَّامة ضمن المسؤوليات المحددة شرعاً.

وقاعدة التغيير المستمدة من قوله تعالى: ” ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] قائمة على الحريَّة؛ لأنَّ الأمَّة المكبلة بالقيود لا تقوى على التغيير، وأول مراتب التحرر يكون بالتحرر من قيود الهوى والنفس فهماً من الآية الكريمة.

يقول صويص: “فالدول والمجتمعات القوية المتماسكة الراسخة هي تلك التي تُبنى على أساس الحريَّة. هذا ما تعلّمنا إياه تجارب التاريخ، بما في ذلك التجارب الفاشلة المعاصرة لبعض مجتمعاتنا العربية؛ لقد وصلت هذه إلى ما وصلت إليه من تفكك وحروب ومآسٍ أساساً بسبب غياب الحريَّة والمواطنة، وسيادة القمع والاستبداد وإصرار بعض الأنظمة على مصادرة الحقوق الأساسية للمواطنين([44])

يقول الكواكبي: ” وقد ظهر مما تقدَّم أنَّ الإسلامية مؤسسة على أصول الحريَّة برفعها كلّ سيطرة وتحكُّم، بأمرها بالعدل والمساواة والقسط والإخاء، وبحضِّها على الإحسان والتحابب” ([45])

فالحريَّة منطلق للدولة القوية بكل مكوناتها لأنَّها تستمد القوة من إرادة أفرادها الذين يمارسون واجباتهم تجاه دولتهم ومجتمعهم بحرية وبهذا تتكامل عناصر القوة والمنعة للدولة.

وفي ختام هذا المطلب يتبين أنَّ الحريَّة منحة من الله تعالى، وتعدُّ من أهم مقاصد الشريعة، وتقوم على أربع قواعد مقاصدية وهي: مصدر الحريَّة في الاسلام هو الشَّرع، وهي حق لكل مواطن في الدولة، وهي مقيدة بالنُّصوص الشَّرعية، وهي أساس لنهضة الأمَّة وقوتها.

المطلب الثالث: المبادئ النَّاظمة لقيمة الأمن.

يتناول هذا المطلب التعريف بقيمة الأمن وأهميتها في الإسلام، واستخلاص القواعد المقاصدية النَّاظمة لها ضمن المسائل التالية:

المسألة الأولى: تعريف الأمن لغةً واصطلاحاً.

أولاً: الأمن لغةً.

                الأمن مصدر أَمِنَ، وفعلها من باب: فَهِمَ، وسَلِم([46])؛ والأمان والأمانة بمعنى، وقد أَمِنْتُ فأنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غيري من الأمن والأمان؛ والأمن: ضدُّ الخوف([47]).

ثانياً: الأمن اصطلاحاً.

                عرَّفه الجرجاني بقوله: “عدم توقع مكروه في الزمن الآتي”([48]) وبمثل تعريفه هذا عرَّفه القونوي([49]) والمناوي([50])، وللمعاصرين الاتجاهات التالية في تعريفه:

  1. الأمن إجراءات وسياسات: وأصحاب هذا الاتجاه يعرِّفون الأمن بـ: “الإجراءات التي تتخذها الدَّوْلة في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الدَّوْلية”([51]). وتعريف الأمن بالإجراءات، والسِّيَاسَات الموصلة إليه، تعريف للشيء بوسائله لا بحقائقه.
  2. الأمن شعور وإحساس: وهؤلاء يرون أنَّ الأمن مجموعةٌ من الأحاسيس والمشاعر تتكون لدى الأفراد بأنَّ مصالحهم مصونةٌ ومحميةٌ؛ فقالوا: “هو شعور بالأمان والطمأنينة، وإحساس بأنَّ حياة الإنسان، ومصالحه، وكذلك مصالح وطنه، وجماعته، وأسرته مصونة ومحمية”([52]). وهذا التَّعريف يركز على أحد أهم الأمور التي يحرص الإنسان على سلامتها وأمنها؛ وهي: حياته؛ ومن ثم يعمم هذا الشعور ليتناول مصالح الفرد، والوطن، والجماعة بأنَّها مصونة ومحمية.
  3. الأمن حالة ووضع يسود في الدَّوْلة: وهؤلاء يعرفون الأمن بالحالة، أو الوضع القائم الذي يسود الدَّوْلة ويحفظها من أي تهديد يعرِّض مصالحها للخطر، كقولهم: “هو تلك الحالة من الاستقرار التي يجب أن تشمل المنطقة بعيداً عن أي تهديد سواء من الداخل أو الخارج”([53]).

ويؤخذ عليه أنَّه لم يحدد العناصر التي إذا تعرضت للتهديد فإنَّ الأمن سيختل، وإنَّما جعل أي تهديد من شأنه أنْ يُقوِّض أمن الدَّوْلة.

أو “هو الوضع الذي تكون فيه الأمَّة آمنة، وبمنأى عن خطر التضحية بالقيم الجوهرية إذا ما أرادت تجنب الحرب، وتكون قادرة على إدامة تلك القيم عن طريق إحراز النَّصر، والحفاظ عليه في حالة الحرب إذا ما واجهت التَّحدي”([54]).

التَّعريف المختار للأمن:

هو: حالةٌ من الطمأنينة، والاستقرار التي تسود في الدَّوْلة لتتمكن من تحقيق مصالحها، ومصالح أفرادها الضَّرورية، والحاجيَّة، والتَّحسينيِّة.

والعلاقة بين الطمأنينة والاستقرار، وتحقيق المصالح علاقة تبادلية؛ فالطمأنينة بحد ذاتها مصلحة وإذا تحققت ساعدت على تحقيق مصالح الدولة والأفراد أما إذا انعدمت أو اضطربت فإنها ستؤدي إلى تعطل المصالح الأخرى كليًا أو جزئيًا.

المسألة الثانية: المبادئ النَّاظمة لقيمة الأمن.

باستقراء النُّصوص والأحكام الشَّرعية المتعلقة بقيمة الأمن تم التوصل للمباديء التالية التي تستند عليها قيمة الأمن وهي:

أولاً: الأمن قاعدة لتحقيق المصالح البشرية.

وهو مستمدة من قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، ويدل عليها حديث النَّبي H: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا” ([55])، دلالة على أهمية الأمن بالنسبة للفرد والمجتمع؛ فقد قرنه بالغذاء والصحة من جهة، وبيَّن أنَّ من اجتمعت له هذه الثلاثة فكأنَّما حاز الدنيا بما فيها من جهة أخرى.

وعبَّر عنه الإمام الجويني بقوله: “فالأمن والعافية قاعدتا النِّعم كلِّها ولا يُتهنا بشيء منها دونها”([56])، وبيَّن ابن عاشور مكانتها في مقاصد الشريعة بقوله: “إذا نحن استقرينا موارد الشَّرِيعَة الإِسْلاَمِية الدالة على مقاصدها من التَّشْرِيع، استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقراة أنَّ المقصد العام من التَّشْرِيع فيها هو حفظُ نظام الأمَّة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه؛ وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه: صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه”([57]).

ثانياً: مسؤولية حفظ الأمن مشتركة بين الدولة والمجتمع.

صحيح أنَّ مسؤولية حفظ الأمن في الأساس تقع على الدولة وأجهزتها المختلفة ولكن باستقراء تشريعات الإسلام وأنظمته المختلفة يتبين أنَّ المسؤولية تتوزع بين الدولة من جهة ومكونات المجتمع من جهة أخرى؛ ولذا أكَّد النَّبي H على مسؤولية الأفراد والقبائل في المحافظة على الأمن العام وجاء ذلك في بنود وثيقة المدينة: ” وأنَّ المؤمنين المتقين [أيديهم] على [كل] من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم. “([58]).

وقوله: ” وأنَّه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، وأنَّ من نصره، أو آواه، فإنّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل “([59]).

ثالثاً: حفظ الأمن المشروع لا يجوز أن يتحول إلى تسلط واستبداد ممنوع.

                يرتبط تحقيق الأمن غالباً بالقوة وأدواتها المتنوعة؛ وهي تغري أنظمة الحكم في كثير من الأحيان إلى الاستحواذ على السلطة والتفرد فيها، والتَّحول إلى التَّسلط والاستبداد.

                ويعرّف الاستبداد بأنَّه: “حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر إلى رأي المحكومين. ” ([60]) وعرَّف محمد عبده المستبد بقوله: ” المستبد عرفا من يفعل ما يشاء غير مسؤول ويحكم بما يقضي به هواه”. ([61]) يقول الكواكبي: “والاستبداد في اصطلاح السّياسيين هو: ” تَصَرُّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة “([62])، ويُراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصّةً؛ لأنّها أعظم مظاهر أضراره ” ([63]) وقد خلص الفقهاء إلى أنَّ ” الاِسْتِبْدَادُ الْمُفْضِي إِلَى الضَّرَرِ أَوِ الظُّلْمِ مَمْنُوعٌ ” ([64])

وتأسيساً على ما سبق حرَّم الإسلام الظلم والاستبداد، ودعا إلى الشورى والتناصح، ولا يجيز استخدام القوة المفرطة بمعزل عن التدابير الأمنية المجتمعية التي تحافظ على قيم المساواة والحريَّة كأسس مرعية غير قابلة للإنتهاك؛ يقول عبد القادر عودة: ” ونستطيع أن نقول بحق إنَّ النِّظام الإسلامي هو أصلح نظام يرضي أصحاب الميول الحرة، وهو في الوقت ذاته يعتبر صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية، إذ أنَّ الِّنظام الإسلامي يحفظ للشورى قيمتها النَّظرية ويحقق صلاحيتها العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين على أمرها، ويسد الطريق على الاستبداد والاستعلاء والفساد”([65]).

رابعاً: السياسات العادلة تحقق الأمن والاستقرار في الدولة.

 وهي قاعدة مستمدة من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، ووجه الدلالة من الآية الكريمة أنها ربطت تحقق الأمن بالإيمان التام الخالي عن الظلم وهو الشرك في معناه العام ويتضمن الظلم المنافي للعدل أيضاً، والسياسة العادلة لأية أمَّة هي: تدبير شؤونها الداخلية والخارجية بالنُّظم والقوانين التي تكفل الأمن لأفرادها وجماعاتها والعدل بينهم وتضمن تحقيق مصالحهم، وتمهيد السبيل لرقيهم، وتنظيم علاقتهم بغيرهم([66]).

                ولهذا جاءت الموجهات القرآنية إلى تطبيق العدل والتقيد به كقاعدة أساسية للحكم الرشيد كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ [النساء: 58] وقوله تعالى: ” ﴿ يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]

ويعدُّ العدل أحد أهم أركان نظام الحكم في الإسلام، وهو أساس الملك واستمرار الدول قال ابن تيمية: ” وَلِهَذَا قيل إنَّ الله يُقيم الدولة العادلة وإن كَانَت كَافِرَة وَلَا يُقيم الظالمة وإن كَانَت مسلمة “([67])

وجاء مبدأ العدل في القرآن الكريم ضمن القواعد العامة ليترك للأمَّة اتخاذ الإجراءات والسياسات والقوانين والأنظمة التي تحقق هذا المبدأ في كافة مناحي الحياة بما يتفق مع المتغيرات والمستجدات، فإذا ما قامت الدولة برعاية العدل رعاية وافية فإنَّ من شأن ذلك أن يحقق لها الاستقرار والأمن والرفاه والحياة الكريمة وسيهبُّ الشعب حينها بكل قواه للدفاع عن الدولة إذا ما تعرضت للتهديدات الداخلية أو الخارجية.

ولا غرو أن يرتبط الأمن بالعدل حتى صارت حكمة راسخة ــــــــ ” يا عمر عدلت فأمنت فنمت “([68]) ـــــــــ تصلح أن تطبق في أي مجتمع إنساني.

                وفي ختام هذا المطلب يُستنج أنَّ الأمن حالةٌ من الطمأنينة والاستقرار تسود في الدَّوْلة لتتمكن من تحقيق مصالحها، ومصالح أفرادها، وله قواعد مقاصدية وهي: أنّه قاعدة لتحقيق المصالح البشرية، ومسؤولية حفظه مشتركة بين الدولة والمجتمع، وحفظ الأمن المشروع لا يجوز أن يتحول إلى تسلط واستبداد ممنوع، وأخيراً: السياسات العادلة تحقق الأمن والاستقرار في الدولة.

المطلب الرابع: قواعد درء التَّعارض المتوهم بين قيمتي الأمن والحريَّة.

من المسلم به أنَّ مباديء الإسلام متجانسة متكاملة لا تتناقض لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وإذا ظهر تعارض ظاهري بين حكمين من أحكام الشريعة الإسلامية فمرده إلى تعارض في الذهن والفهم لا في حقيقة الحكم الشَّرعي المستقر الموافق للحق.

وقد خلص العلماء إلى جملة من القواعد الهامة لدرء التعارض من مثل: النَّاسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والصحيح والضعيف وغيرها من قواعد التَّعارض والتَّرجيح، وهي قواعد أصيلة لا يستغني عنها المجتهد في علوم الشريعة.

وبالنَّظر إلى قيمتي الحريَّة والأمن يُلمس عند التطبيق ثمة تعارض بين هاتين القيمتين لا سيما وأنَّ كثيراً من الدول تلجأ إلى تقييد الحريات العامة بحجة الحفاظ على الأمن الداخلي فهل هذا التعارض حقيقي أم موهوم؟ يلخص ذلك صويص بقوله: ” خلاصة الأمر: إنَّ البحث عن «توازن مفقود» بين الحريَّة والأمن جهد ضائع يقود إلى التيه، أو إلى طريق مسدود في أفضل الأحوال، بالرغم من النوايا الحسنة. فالدولة «أداة» لضبط أمور المجتمع والبلاد، وهي تميل غالباً للحد من كل ما تعتقد بأنَّه يتعارض مع «مصالحها». ولا يحدّ من تغوّل هذه الأداة وجبروتها إلاً وجود مجتمع مدني وسياسي فاعل يضع نصب عينيه تعزيز حقوق وحريات المواطنين. أما المهتمّ بالدفاع عن حقوق الإنسان فهو معني بتطوير الوسائل التي تؤمّن الوصول إلى تلك الحقوق وصيانتها من التلوّث والتشويه اللذين قد يلحقان بها. الحريَّة تسبق الأمن في جميع الحالات، لأن توفّرها بالمعنى الحقيقي والعميق هو الذي يوفّر الأمن. ” ([69])

وبعد دراسة متأنية لقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد بالنَّظر إلى هاتين القيمتين يُخلص إلى القواعد المقاصدية التالية:

القاعدة الأولى: لا تعارض بين الحريَّة مع الحفاظ على الأمن المشروع.

وهو أصل العلاقة بينهما تطبيقاً واقعياً في عصر النّبوة والخلفاء الراشدين؛ فقد طبَّق النَّبي H قيمة الحريَّة في جميع مجالاتها تطبيقا كاملاً في مجتمع آمن لم يحدث فيه اختلال في الأمن الداخلي مع أنَّه كان يتعرض لأشد الأخطار والمهددات الداخلية والخارجية، ومن الشواهد على ذلك ما يلي:

  1. كان النَّبي H يسمح بحرية الرأي ضمن حدود الشَّرع ويفتح باب الحوار والنقاش مع المخالف وصولاً لإقناعه. ومن أمثلة ذلك: الحوار مع الأنصار بعد قسمة الغنائم يوم حنين وتطييب خواطرهم بعد أن وجدوا في أنفسهم شيئاً من إيثار النَّبي H غيرهم عليهم في قسمة الغنائم فقال لهم H: ” أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاس بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاس شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ “([70])
  2. لم يقبل النَّبي H قتل المنافقين مع علمه نفاقهم وكفرهم، وخطرهم على المجتمع ولكنَّه عاملهم بالظاهر، وترك سرائرهم إلى الله تعالى؛ ومعنى هذا أنَّ المعيار في محاسبة الأفراد والجماعات في الدولة هو التقيد بأحكام القانون ونصوصه المشروعة.
  3.  أمر النَّبي H بهدم مسجد الضرار وتحريقه ([71])؛ لأنَّ مصلحة حفظ الأمن من المهددات الخارجية، ومنع بؤر الفتنة المؤكدة أولى من إدعاء حرية ممارسة العبادة في مكان لم يقصد منه العبادة إنِّما اتخذ للإضرار بالمؤمنين بنص قرآني قاطع؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 107]؛ يؤكد هذا المعنى البوطي بقوله: ” وكان هذا الموقف هو الكشف عن حقيقة المنافقين وتعرية أهدافهم عن تلك الأقنعة التي ستروها بها، ثم هَدْم وتَحْريق ذلك البناء الذي زعموه مسجداً، وهم إنَّما بنوه مرصداً لنفاق المنافقين وموئلاً لتنظيم المكائد ضد المسلمين، وذريعةً للتفريق. “ ([72])
  4. 4-    قيَّد النَّبي H حرية الحركة أثناء فتح مكة ــــــ كما في حديث ابن عباس ــــ Lـــــــ أنَّ رسول الله H عام الفتح، قال: ” من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن” ([73]) ــــــــ مقدماً حقن دماء المدنيين أثناء الحرب وتجنيبهم مواطن النِّزاع والمعارك على حقهم في الحركة والتنقل لظرف طاريء مؤقت بانتهاء المعركة.

القاعدة الثانية: تتعارض الحريَّة مع الحفاظ على الاستبداد الممنوع شرعاً، وفي هذه الحالة تقدم الحريَّة على الاستبداد الممنوع.

ومستند هذه القاعدة وجوب رفع الظلم والفساد؛ قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 116، 117]، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]؛ وجاءت نصوص كثيرة تدل على ذلك. فالسعي إلى رفع الظلم إذا وقع، ونصرة المستضعفين في الأرض، ومقاومة الفساد، وممارسة الواجب الشَّرعي بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة كلُّ هذه الواجبات تعدُّ دعامة من دعامات الأمن المجتمعي، وهي من صميم الحريات المشروعة التي لا يجوز منعها تحت ذريعة المحافظة على الأمن إذ إنَّها في حقيقة الأمر لا تهدد الأمن وإنًّما تهدد الفساد والاستبداد والظلم.

القاعدة الثالثة: تتعارض الحريَّة المتوهمة، مع الحفاظ على الأمن المشروع وفي هذه الحالة يقدم الحفاظ على أمن المجتمع المشروع وتمنع الحريَّة المتوهمة.

ويقصد بالحريَّة المتوهمة كل تصرف نهى عنه الإسلام وثبتت له صفة الحرمة الشَّرعية مثل: شرب الخمر والزنا وقذف المحصنات والتبرج والسفور والشذوذ الجنسي ونشر الإلحاد والاستهزاء بالمقدسات وغيرها من المحرمات الثابتة بدليل شرعي صحيح.

ففي هذه الحالة لا تسمح الدولة بممارسة هذه الأفعال والمجاهرة بها تحت مزاعم الحريَّة لأنَّها أفعال محرمة شرعاً ولا تندرج تحت مسمى الحريَّة؛ فيجب على الدولة منعها سواء أخلَّت بالأمن أم لم تخل به لأنَّها أفعال حرمها الإسلام وتتعارض مع دين الدولة الإسلامية.

وفي ختام هذا المطلب يستنتج أنَّ الحريَّة والأمن قيمتان أصيلتان من قيم الإسلام لا تتعارضان وإنما تنهض كل واحدة منهما بالأخرى وتتكاملان لتحقيق الحياة الكريمة للإنسان في الدولة المسلمة وأنَّ القواعد المقاصدية المنظمة للعلاقة بينهما تتمثل فيما يلي: لا تعارض بين الحريَّة مع الحفاظ على الأمن، وتتعارض الحريَّة مع الحفاظ على الاستبداد الممنوع شرعاً، وفي هذه الحالة تقدم الحريَّة على الاستبداد الممنوع، وأخيراً: تتعارض الحريَّة المتوهمة مع الحفاظ على الأمن المشروع، وفي هذه الحالة يقدم الحفاظ على أمن المجتمع المشروع وتمنع الحريَّة المتوهمة.

الخاتمة

ها نحن نحط الرحال في ختام هذا البحث المتعلق بقضية حيوية وشائكة يحتاج إليها النَّاس في حياتهم اليومية وقد تمت الإجابة عن أسئلة البحث بجمع المعلومات المتعلقة بمشكلته وتحليلها وتفسيرها وتم التوصل للنتائج التالية:

  1. لا يوجد تعارض بين قيمتي الحريَّة والأمن من المنظور الإسلامي.
  2.  لكل من قيمتي الحرية والأمن قواعد مقاصدية عامَّة ناظمة لفرعياتهما تم عرضها بإيجاز ضمن المطلبين الثاني والثالث من البحث.
  3. تتمثل العلاقة بين الحريَّة والأمن في الإسلام بأنها تكاملية تلازمية وليست عكسية تبادلية.

                من أبرز الصعوبات التي واجهها الباحث عدم اتفاق مصطلح الحرية في المصادر القديمة مع المفهوم المعاصر للحرية حيث أطلق قديماً على ما يقابل العبودية غير أنَّ المضامين مستخدمة بمصطلحات مختلفة في المصادر القديمة مثل: الإكراه، الاختيار، الاضطرار، وهو ما رتب صعوبة في الوصول للبيانات المراد تحليلها واستنتاج القواعد المقاصدية منها.

ومن أهم التوصيات التي يوصي بها الباحث:

  1. دعوة الباحثين لدراسة أثر شيوع أجواء الحرية والأمن في الدولة على الأخلاق المجتمعية.
  2. دعوة الحكومات العربية والإسلامية إلى انتهاج السياسات القائمة على إشاعة الحرية المشروعة بدلاً من السياسات الأمنية المقيدة لها دون مبررات مشروعة.

                وأخيراً أسأل الله تعالى قبول هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، فما كان فيه من صواب فهو من توفيق الله تعالى، وما كان فيه من خطأ أو نقص فمن نفسي والشيطان وأعوذ بالله من الخذلان.

والحمد لله رب العالمين.

المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم
  2. آل بورنو، محمد صدقي، موسوعة القواعد الفقهية، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2003.
  3. الأصفهاني، حسين بن محمد الراغب، معجم مفردات ألفاظ القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية.
  4. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن الترمذي، ط1، بيروت: المكتب الإسلامي، 1988م.
  5. الألباني ــــــــــــــــــــ، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، بيروت: المكتب الإسلامي، 1985.
  6. الباز، عفاف، الترابط بين مفهوم الأَمْن القومي العربي والمصالح القومية العربية، القاهرة: 1978م.
  7. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ط1، بيروت: دار طوق النجاة مصورة عن السلطانية، 1422ه.
  8. البخاري، الأدب المفرد، محمد فؤاد عبد الباقي (محقق)، ط3، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1989.
  9. البوطي، محّمد سَعيد، فقه السيرة النَّبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، ط25، دمشق: دار الفكر، 1426ه
  10. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، أحمد محمد شاكر وآخرون (محقق)، بيروت: دار إحياء التراث.
  11. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الاستقامة، محمد رشاد سالم (محقق)، ط، المدينة المنورة: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1403ه.
  12. الجرجاني، علي بن محمد، التَّعريفات، ط1، بيروت: دار الكتاب العربي، 1405ه.
  13. الجويني، عبد الملك بن عبد الله، غياث الأمم في التياث الظلم، مصطفى حلمي وآخرون (محقق)، ط3، لإسكندرية: دار الدعوة،، 1979م.
  14. ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند أحمد، شعيب الأرنؤوط وآخرون (محقق) ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001.
  15. خلَّاف، عبد الوهاب، السياسة الشَّرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية، دار القلم، 1988م.
  16. الدريني، محمد فتحي، خصائص التشريع الإسلامي في السِّيَاسَة والحكم، ط2، دمشق: دار الرسالة 2013.
  17. الدريني، ــــــــــــــــــ الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ط3، (دمشق: مؤسسة الرسالة، 1984)
  18. الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ط5، بيروت – صيدا: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، 1999م.
  19. الريسوني، أحمد، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط2، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، 1992.
  20. الريسوني، ـــــــــــ، الحُرِّية في الإسلام أصالتها وأصولها، إسلامية المعرفة، العدد31-32 (2003م)
  21. الزحيلي، وهبه، حق الحُرِّية في العالم، ط1، دمشق: دار الفكر، 2000م.
  22. الزركشي، محمد بن عبد الله بن بهادر، المنثور في القواعد الفقهية، ط2، الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، 1985.
  23. السبكي، عبد الوهاب بن تقي الدين، الأشباه والنظائر، ط1 دار الكتب العلمية، 1991.
  24. السِّجِسْتاني، أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، شعيب الأرنؤوط وآخرون (محقق)، دار الرسالة العالمية، 2009م.
  25. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الأشباه والنظائر، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1990.
  26. الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، ط1، السعودية: دار ابن عفان، 1997.
  27. شبير، محمد عثمان، القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ط2، (عمان: دار النفائس، 2007)
  28. الطرطوشي، محمد بن محمد ابن الوليد، سراج الملوك، من أوائل المطبوعات العربية، مصر: 1872م.
  29. ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النِّظام الاجتماعي في الإسلام، ط2، تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1985.
  30. ابن عاشور، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، مقاصد الشريعة، قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2004 م
  31. ابن عبد الحكم، عبد الرحمن بن عبد الله، فتوح مصر والمغرب، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1415ه.
  32. العتيبي، عبد العزيز عبد الله، الأَمْن في ضوء الكتاب والسُّنَّة، رسالة ماجستير، الكويت: جامعة الكويت، 1999م.
  33. عمر، أحمد مختار عبد الحميد (وآخرون)، معجم اللغة العربية المعاصرة، ط، لبنان: عالم الكتب، 2008.
  34. عودة، عبد القادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981م.
  35. العيني، محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  36. غرايبة، رحيل محمد، مسألة الحُرِّية في النِّظام السياسي الإسلامي، إسلامية المعرفة، العدد (31-32) (2003م)، ص 94-120
  37. الغنوشي، راشد، الحُرِّيات العامة في الدَّوْلة الإسلامية، ط1، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993م.
  38. الفاسي، علال، مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية ومكارمها، ط2، الرباط: مطبعة الرسالة، 1979م.
  39. القزويني، ابن ماجه محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، محمد فؤاد عبد الباقي (محقق)، بيروت: دار إحياء الكتب العربية.
  40. القونوي، قاسم بن عبد الله، أنيس الفقهاء، ط1، جدة: دار الوفاء، 1406ç.
  41. الكَوَاكِبي، عبد الرحمن بن أحمد، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، طبعة جديدة، حلب: المطبعة العصرية.
  42. الكيالي، عبد الوهاب (وآخرون)، موسوعة السياسة، ط3، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990م.
  43. المحاميد، شويش، العلاقة بين الأمن والحريَّة في الإسلام، دراسات، الجامعة الأردنية، المجلد 34، (2007)، (626-637).
  44. محمد، صباح محمود، الأَمْن الإسلامي، ط1، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1994م.
  45. المِناوي، محمد عبد الرؤوف، التَّعاريف، ط1، (بيروت، دمشق: دار الفكر المعاصر، 1410ç).
  46. الموسوعة الفقهية الكويتية، ط2، الكويت: دار السلاسل.
  47. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ط3، بيروت: دار صادر1414ç.
  48. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
  49. الهندي، محمد حميد الله الحيدر آبادي، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط6 (بيروت: دار النفائس، 1407ه)
  50. هويدي، أمين، الأَمْن العربي في مواجهة الأَمْن الإسرائيلي، بيروت، 1975.

([1]) زهرة، السيد، جدل الحرية والأمن في الغرب ودولنا العربية، مقال إلكتروني: http: //www. albasrah. net/ar

([2]) عوض، إبراهيم، عن الحرية والأمن والحقوق، مقال إلكتروني: http: //www. shorouknews. com/columns/view

([3]) صويص، سليمان، الحرية أساس توفير الأمن، صحيفة الرأي الأردنية (8/9/2015م ).

([4]) المحاميد، شويش، العلاقة بين الأمن والحريَّة في الإسلام، دراسات، المجلد 34، (2007).

([5]) غرايبة، رحيل محمد، مسألة الحُرِّية في النظام السياسي الإسلامي، إسلامية المعرفة، العدد (31-32) (2003م).

([6]) الريسوني، أحمد، الحُرِّية في الإسلام أصالتها وأصولها، إسلامية المعرفة، العدد(31-32 ) ( 2003م )

([7]) العتيبي، عبد العزيز، الأَمْن في ضوء الكتاب والسُّنَّة، رسالة ماجستير، (الكويت: جامعة الكويت، 1999م).

([8]) السلمي، العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، طبعة جديدة ومنقحة (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1991 )، 1/9.

([9]) السبكي، عبد الوهاب بن تقي الدين، الأشباه والنظائر، ط1 (دار الكتب العلمية، 1991 )، 1/ 49، الزركشي، محمد بن عبد الله بن بهادر، المنثور في القواعد الفقهية، ط2 (الكويت، وزارة الأوقاف الكويتية، 1985) ج 3، ص169.

([10]) الزركشي، 1/ 120، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الأشباه والنظائر، ط1 ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1990)، ص 83.

([11]) الزركشي، 2/ 317

([12]) السيوطي، ص: 88، وزين الدين بن إبراهيم بن محمد، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية )، ص 78.

([13]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، ط1، (السعودية: دار ابن عفان، 1997 )ج 2، ص 267.

([14]) انظر الشاطبي: 2/ 215 وما بعدها

([15]) ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة، (قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2004)3/392

([16]) السَّلمي، (1/ 62)

([17]) آل بورنو، محمد صدقي، موسوعة القواعد الفقهية، ط1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2003 )، 2/ 268

([18]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، 3/420

([19]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة 3/420

([20] ) الدريني، محمد فتحي، خصائص التشريع الإسلامي في السِّيَاسَة والحكم، ط2 (دمشق: دار الرسالة 2013)، ص157.

([21]) السَّلمي، 1/12

([22]) السَّلمي، 1/12

([23]) السَّلمي، 1/31

([24]) السَّلمي، 1/46

([25]) السَّلمي، 1/46

([26]) السَّلمي، 1/46

([27]) الريسوني، أحمد، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط2، (الدار العالمية للكتاب الإسلامي، 1992 )، ص: 271. وما بعدها بتصرف

([28]) ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، لسان العرب، ط3 (بيروت: دار صادر1414ç)، ج 4، ص 182، محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، ط5 (بيروت – صيدا: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، 1999م )، ج 1، ص55.

([29]) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ط1 (بيروت: دار طوق النجاة مصورة عن السلطانية، 1422ه)، 3/82، ح2227

([30])العيني، محمود بن أحمد بن موسى، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (بيروت: دار إحياء التراث العربي ) ج18، ص170.

([31]) الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ط3، (دمشق: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص200

([32]) الريسوني، الحُرِّية في الإسلام أصالتها وأصولها، ص13.

([33]) الغنوشي، راشد، الحُرِّيات العامة في الدَّوْلة الإسلامية، ط1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993م)، ص38 نقلاً عن حسن الترابي، الحُرِّية والوحدة.

([34]) علال الفاسي، مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية ومكارمها، ط2، ( الرباط: مطبعة الرسالة، 1979م)، ص244.

([35]) الغنوشي، الحُرِّيات العامة في الدَّوْلة الإسلامية ص38.

([36]) وهبه الزحيلي، حق الحُرِّية في العالم، ط1، ( دمشق: دار الفكر، 2000م)، ص39.

([37]) غرايبة، ص 94.

([38]) الزركشي (1/ 176)، السيوطي، ص: 60؛ وهي قاعدة معتبرة عند جمهور الأصوليين مع الخلاف فيها ولمزيد من التوسع أنظر: الريسوني، الحرية في الإسلام أصالتها وأصولها، مرجع سابق.

([39]) ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ( بيروت: دار إحياء الكتب العربية ) ج2، ص1117. وقال الألباني: حسن.

([40]) آباديالهندي، محمد حميد الله الحيدر، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط6 (بيروت: دار النفائس، 1407ه)، ص 61.

([41]) الهندي، ص: 62.

([42]) عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1415ه )، ص 195.

([43]) ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ط2( تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1985)، ص 162.

([44]) صويص مقال سابق

([45]) الكواكبي، عبد الرحمن بن أحمد، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، طبعة جديدة (حلب: المطبعة العصرية )، ص 39.

([46]) الرازي، ص11.

([47]) ابن منظور ج1، ص163، الرازي ص11.

([48]) الجرجاني، علي بن محمد بن علي، التَّعريفات، ط1، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1405ه) ج1، ص55.

([49]) القونوي، قاسم بن عبد الله، أنيس الفقهاء، ط1، (جدة: دار الوفاء، 1406ç)، ج1، ص189.

([50]) المناوي، محمد عبد الرؤوف، التَّعاريف، ط1، (بيروت، دمشق: دار الفكر المعاصر، 1410ç)، ص94.

([51]) هويدي، أمين، الأَمْن العربي في مواجهة الأَمْن الإسرائيلي(بيروت، 1975)، ص42، صباح محمود محمد، الأَمْن الإسلامي، ط1، ( بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1994م)، ص9.

([52]) العتيبي، ص21- نقلاً عن الدكتور علي هلال، مقال بجريدة الجمهورية عدد 13 مارس سنة 1986م.

([53]) الباز، عفاف، الترابط بين مفهوم الأَمْن القومي العربي، والمصالح القومية العربية ( القاهرة: 1978م)، ص27.

([54]) العتيبي، ص21، نقلاً عن والتر ليبمان، ظروف الأَمْن القومي، ترجمة جامعة البكر سنة 1981م.

([55]) الترمذي، أبوعيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، أحمد محمد شاكر وآخرون(محقق ) (بيروت: دار إحياء التراث، ح رقم 2346، ج4، ص574 عن عبد الله بن محصن عن أبيه،، وأخرجه البخاري، الأدب المفرد، محمد فؤاد عبد الباقي (محقق )، ط3 ( بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1989 ) ح 300، ص112، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مروان بن معاوية، وحسنه محمد ناصر الدين الألباني، صحيح سنن الترمذي، ط1، ( بيروت: المكتب الإسلامي، 1988م)، ج2، ص74.

([56]) الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، غياث الأمم في التياث الظلم،، مصطفى حلمي وآخرون( محقق)، ط3، (لإسكندرية: دار الدعوة، 1979م)، ص164.

([57]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ج2، ص122.

([58]) الهندي، ص60.

([59]) الهندي، ص61.

([60]) الكيالي، عبد الوهاب وآخرون، موسوعة السياسة، ط3 ( بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ج1، ص166.

([61]) الكيالي، ج1، ص166

([62]) الكواكبي، ص17

([63]) الكواكبي، ص 17.

([64]) الموسوعة الفقهية الكويتية، ط2 (الكويت: دار السلاسل ) ج3، ص 166

([65]) عودة، عبد القادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ( بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981م)، ص207.

([66]) خلاف، عبد الوهاب، السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية، (دار القلم، 1988م)، ص 24

([67]) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الاستقامة، محمد رشاد سالم (محقق)، ط1، (المدينة المنورة: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1403)، ج2، ص 247.

([68]) الطرطوشي، محمد بن محمد، سراج الملوك، من أوائل المطبوعات العربية، (مصر: 1872م)، ص 53

([69]) صويص مقال سابق

([70]) ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند أحمد، شعيب الأرنؤوط وآخرون (محقق) ط1، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001)، ج18/ 255. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط واسناده حسن.

([71]) الألباني، محمد ناصر الدين، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (بيروت: المكتب الإسلامي، 1985)، ج5 ص370؛ وقال الألباني: مشهور فى كتب السيرة، وما أرى إسناده يصح.

([72]) البوطي، محّمد سَعيد، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، ط25، (دمشق: دار الفكر، 1426ه)، ص: 312.

([73]) أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني، سنن أبي داود، شعيب الأرنؤوط وآخرون (محقق)، (دار الرسالة العالمية، 2009م)، ج 4، ص 632، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره.