﴿يا أيها الناس﴾ تأملات في عالمية الخطاب القرآني.

د. منصور علي سالم ناصر العمراني

أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك بجامعة الحديدة.

ملخص البحث.

يهدف هذا البحث إلى بيان العالمية الشاملة في الخطاب القرآني، كونه موجها إلى الإنسانية كافة دون تمييز، وهذا يجسد التصور العالمي للإنسانية الواحدة في الرسالة الخاتمة التي جاء بها القرآن الكريم.

يتكون هذا البحث من: المقدمة: والتي تناولت فيها أسباب اختيار الموضوع، ومشكلته، وحدوده، وهدفه، ومنهجه. ومبحثين: المبحث الأول: مفهوم العالمية القرآنية. المبحث الثاني: مجالات العالمية من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ في القرآن الكريم. الخاتمة وفيها أبرز النتائج والاستنتاجات والتوصيات.

Abstract

This research aims to demonstrate the comprehensive universality in the Qur’anic discourse، as it is directed at all human beings without distinction. This reflects how the world is viewed as one humanity constituting the ultimate objective that came out of the Holy Quran.

This research consists of: Introduction: It dealt with the objectives of research، the significance of the study، and the research methodology. Chapter One: It covers the concept of Quranic universality and this has been discussed in three sections. Chapter Two: The aspects of the world through the verse: (i. e.، people) in the Holy Quran. And this includes four sections. Conclusion: It includes the most prominent findings، summaries and recommendations.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن رسالة الإسلام هي رسالة السماء الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لهذا جاءت للناس كافة على اختلاف أجناسهم الأسود والأحمر والأبيض، والعربي والعجمي، والقريب والبعيد، والشريف والوضيع، وبهذا تتجسد العالمية من خلال قوله تعالى مخاطبا نبيه ‘: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ: 28].

فالرسول ‘ كما يتضح من النصوص الصريحة من الكتاب والسنة أنه قد أرسل للناس كافة بما فيهم أهل الكتاب من يهود ونصارى، ومن ثم فالدعوة التي يحملها هي دعوة للناس كافة على خلاف الأمم السابقة التي كانت تأتي رسالتها خاصة بها في زمن ووقت محدد، وشريعة تخصها حسب ظروفها وبيئتها قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[فاطر: 24].

لكن الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من هوان وبؤس وشقاء، يرفع درجة اليقين لدى كل مسلم أنه لا خلاص لهذه الأمة إلا أن تجعل كتاب الله الكريم سبيلا لنجاتها، وهاديا لحيرتها، وبهذا ستعود كما كانت قائدة لأمم الأرض، ولن يأتي هذا التمسك إلا إذا باتباع رسولها ‘ الذي خاطب الله عزوجل الأمة بشأنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر: 7].

ومن هذا المنحى فإن الناظر والمتأمل للخطاب القرآني في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ والتي وردت في عشرين موضعا من القرآن الكريم كلها تجسد معنى العالمية في الخطاب والهدف.

 ومن هذا المنطلق فقد اخترت هذا البحث الموسوم بـــ “﴿يا أيها الناس﴾ تأملات في عالمية الخطاب القرآني.

أسباب اختيار الموضوع:

مما دفعني لاختيار هذا الموضوع سببان مهمان:

  1.  الخطاب القرآني الموجه إلى الإنسانية الشاملة دون تمييز في كثير من الآيات القرآنية، مما يجسد التصور العالمي للإنسانية الواحدة في الرسالة الخاتمة.
  2. نقل صورة واضحة عن عالمية الخطاب القرآني، وتميزه عن غيره من الرسالات السماوية.

مشكلة البحث.

ربما أهم مشكلة تقابل الباحث في دراسة هذه الموضوعات هي:

1- قلة المراجع والمصادر في هذا المضمار.

2- عادة ما تحتاج هذه الدراسة التأملية لفكر ثاقب، واستنباط صائب، وهذا ما يجعل الباحث يعيد النظر مرات ومرات خاصة في المواطن التي يصعب على المتأمل فيها لأول وهلة استكشاف الرؤية المرادة من السياق القرآني.

حدود البحث.

تقتصر هذه الدراسة الموضوعية على الآيات الكريمة التي تصدرت بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ وهي دراسة تأملية استقرائية تحليلية لعالمية الخطاب القرآني دستور الرسالة الخاتمة الموجهة للناس عامة.

أهداف البحث. يهدف البحث إلى:

1- بيان عظمة الرسالة العالمية ودستورها الخالد القرآن الكريم.

2- الرد على أولئك الذين يقولون بأن القرآن لا يصلح لتطورات العصر وحركة الزمن، بأن القرآن كامل شامل لكل أطياف البشرية عامة على وجه الكرة الأرضية، وفيه الخلاص للبشرية إلى قيام الساعة.

3- يتضمن البحث إثباتا لعالمية الرسالة وهو عكس ما يردده البعض من أن القرآن الكريم رسالة عربية خاصة بأمة العرب، والجزيرة العربية فقط.

منهج البحث:

 المنهج الذي اتبعته هو المنهج البحثي الاستقرائي التحليلي من خلال الدراسة التطبيقية للآيات التي تصدرت بالنداء القرآني ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ والتي تتجسد فيها معنى العالمية بأعلى صورها، متتبعا الأقوال من مظانها الأصلية، مدعما ذلك بفنيات البحث العلمي المتبعة في البحوثات.

طريقة البحث.

إن الطريقة المتبعة في تقسيم الموضوع هي طريقة البحوث العلمية الأكاديمية على النحو التالي:

  1. كتابة الآيات وعزوها إلى السور التي وردت فيها مع بيان اسم السورة ورقم الآية.
  2. إذا استدعى المقام الاستشهاد بالآية مرة أخرى في نفس الصفحة فإني لا أعزوها مكتفيا بما أشرت إليه سابقا.
  3. استخدام القوسين المزهرين للآيات لتمييزها عن ما سواها.
  4. استخدام قوس واحد لتمييز الأحاديث النبوية والآثار.
  5. إذا نقلت كلام عالم من العلماء بالنص فإني أنصصه بين قوسين وأشير في الهامش لاسم الكتاب، ومؤلفه، ودار النشر، ورقم الطبعة، وسنة الطبع إن وجد، مع بيان رقم الجزء والصفحة.
  6. إذا تم اقتباس كلام من أي كتاب مع تصرف يسير فإني أكتب العبارات بدون أقواس ثم أشير في الهامش بكلمة ينظر، وأشير للكتاب الذي تم أخذ المعلومات منه.
  7. أنقل آراء المفسرين في الموضع الواحد مرتبا ذلك حسب أقدمية المؤلفين؛ لأن اللاحق عادة يستفيد ممن سبقه.

هيكل البحث. إن الهيكل العام للبحث يتكون من: مقدمة ومبحثين وخاتمة كما يلي:

المقدمة: وتناولت فيها أسباب اختيار الموضوع، ومشكلته، وحدوده، وهدفه، ومنهجه.

المبحث الأول: مفهوم العالمية القرآنية.

المبحث الثاني: مجالات العالمية من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ في القرآن الكريم.

الخاتمة وفيها أهم النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: مفهوم العالمية القرآنية.

إن الأهداف التي أنزل من أجلها القرآن الكريم، هو صلاح العالم بأسره، وعلى رأس ذلك الإنسان الذي يمثل محور هذا الكون في البناء والاستخلاف، ولهذا جاء الخطاب القرآني مصبوغاً في أسلوبه وتشريعاته بما يحقّق ذلك البعد الأعظم، عكس الرسالات السماوية السابقة التي جاءت مقتصرة على أقوام معينين، وتجمعات إقليمية معينة، وفي زمن ومكان معينين.

ولما أراد الله أن تكون هذه الرسالة المحمدية هي خـاتمة الشّـرائع ومهيمنة عليها استوعبت الإنسان والزمان والمكان في كل الأوقات، لما فيه من بعد عالمي يفي بحاجات البشرية وقضاياها في جمــيع المجالات المختلفة، وقد تجسّد هذا الأمر على أرض الواقع طوال قرون متعاقبة شملت ربوع المعمورة، ولم يعجز عن إيجاد الحلول والتشريعات للبشرية جمعاء، بل استطاع أن يجسد الرّحمة والعدل والإنصاف والحرّية فعاشت في ظله الأمة على اختلاف فئاتها وديانتها معززة ومكرمة.

إن الإسلام ما دامت هذه حقيقته التي رسمها إبان مده العريض الذي عم المعمورة فإنه قابل للعودة من جديد إذا ما صلح أهله وحكموا هذا الدين فسيعودون لقيادة زمام أمر العالم من جديدـ، وسيعم ربوع الأرض، وستنعم شعوب العالم وقارّاته مرّة أخرى بهداه، مصداقاً لقولـه تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] فظهور الدين آت لا محالة حسب الوعد الإلهي، وهو الذي يتلاءم مع البعد العالمي الذي دلّت عليه نصوص القـرآن الكريم.

 إنّ هذه الدراسة تكشف جانباً من تلك الحقيقة – هي حقيقة عالمية خطابة لبني الإنسانية- في هذا الوقت الذي تكالب فيه أعداء الإسلام من كل ناحية لفرض أنظمتهم على العالم الإسلامي لطمس هويته، متناسين أننا أمة أصحاب رسالة عالمية جاءت لتحافظ على قيم الشعوب وأخلاقها التي لا تتعارض مع أصوله ومبادئه.

ومن هذا المنطلق فإننا سنبين هذا المفهوم ” العالمية” التي اختصت بها رسالة محمد ‘ دون غيرها من الرسالات؛ كونها آخر رسالة شهدتها الأرض، وستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: المعنى اللغوي والاصطلاحي للعالمية.

جاء في معجم مقاييس اللغة في مادة (علم): “من الباب العالَمُون، وذلك أنّ كلَّ جنسٍ من الخَلْق فهو في نفسه مَعْلَم وعَلَم. وقال قوم: العالَم سمِّي لاجتماعه. قال الله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [ الصافات 182]، قالوا: الخلائق أجمعون. وأنشدوا:

ما إنْ رأيتُ ولا سمعـ *** ـتُ بمثلِهمْ في العالَمِينا([1]).

وزاد في لسان العرب: ” العالمون: أصناف الخلق، والعالم: الخلق كله. وقيل هو ما احتواه بطن الفلك”([2]).

والعالمية (Universality): هي مفهوم قديم تعددت صوره ودلالاته في العديد من الثقافات وعبر العصور المختلفة فقد وصفها ” أرسطو” بأنها مرادفة لمفهوم العموم. والعالمية في العصر الحديث: هي حالة من الانتشار والأهمية يكتسبها أي نتاج معين بشكل عام حين يخرج عن الحدود الإقليمية أو الوطنية “المحلية” ويصبح مقروءا ومعروفا في مناطق أخرى من العالم([3]).

أما مفهوم العالمية من الناحية القرآنية: فهي تعني شمولية الخطاب القرآني بأوامره ونواهيه، وأحكامه وتشريعاته لكل بني الإنسانية دون استثناء، وذلك دلالة على شمولية هذه الرسالة دون سابقيها.

المطلب الثاني: دلائل هذه العالمية.

أولاً: العالمية من حيث مصدر التشريع (الكتاب والسنة)

مما يدلّ على البعد العالمي في الخطاب القرآني، أن الله تعالى ختم الكتب السابقة بكتاب عام لجميع الأمم والشعوب علـى اختلاف أجناسهم، ولغاتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وأن هذا الكتاب – القرآن- مهيمن على ما سبقه من التشريعات والكتب السماوية السابقة قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]، وما القـرآن إلا دستور حياة ينتفعون به الناس في صلاح اعتقادهم وطاعة ربهم، وتهذيب أخلاقهم، وآداب بعضهم مع بعض، والمحافظة على حقوقهم، ودوام انتظام جماعتهم، وكيف يعاملون غيرهم من الأمم الذين لم يتبعوه([4]).

 وقد وصف الله القرآن بعدّة أوصاف تدلّ على بعده العالمي في الهداية والإصلاح، وأنه أفضل الكتب وأكملها صالحا لكل زمان ومكان. فمن هذه الصفات([5]):

1- العلوّ والحكمة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]؛ وذلك لما حواه من الحكمة؛ ولما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيمة لنظام الأمة.

2- وصفه بالمجيد، في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] فالقسم بالقرآن كناية عن التّنويه بشأنه؛ لأن القسم لا يكون إلا بعظيم عند المقسم، فكان التعظيم من لوازم المقسم، ووصف القرآن بالمجيد؛ لكونه مشتملاً على أعلى المعاني النافعة لصـلاح الناس.

3- وصفه بأنه كريم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] فالآية فيها إشارة إلى تفضيل القرآن على غيره من الكتب السماوية السابقة مثل: التوراة والإنجيل والزبور، حيث زاد فضله عليها باستيفائه لكا أغراض الدنيا والدين، والمعاش والمعاد، وإثبـات المعتقدات، ودحض الباطل، كما يتميز بوضـوح المعاني وكثرة الدلالات، وقلة الألفاظ وشمولية المعنى، كما يتميز بحسن آياته، ومدى تأثيره في نفوس السامعين.

4- وصفه بالهيمنة على الكتب والتشريعات السابقة في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[المائدة 48]أي شاهداً وقيّماً على الكتب السّابقة، وذلك لما فيه من صلاح للبشر في العاجل والآجل.

والرسالة العالمية هي خصيصة لنبينا ‘: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ومنها…. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة)([6]).

يقول سيّد قطب: ” لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة وينظم مجتمعاً، ثم لينشئ عالماً ويقيم نظاما، جاء دعوة عالميـة إنسانية لا تعصّب فيها لقبيلة أو أمّة أو جنس”([7]).

ثانيا: العالمية من حيث عموم الخطاب.

ومما يدل على البعد العالمي للخطاب القرآني، تميّز خطابه بالعالمية، حيث صيغ صياغة العموم والشمول المستوعب لكل بني الإنسانية.

والمتتبع للخطاب القرآني يجده مرّة يخاطب الإنسان، ومرّة يخاطب الناس، ومرة يخاطب المؤمنين وهكذا…. فخطابه لعموم الإنسان، كقوله في معرض الوصية بالوالدين: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [الأحقاف: 15] وكقوله في معرض بيان مسؤولية الإنسان عن نتائج أعماله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾[النجم: 39]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾[ الانشقاق: 6]. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالوصية والمسؤولية تخاطب عموم البشر في هذا الكون أينما وجدوا، فكــل إنسان مطالب بالإحسان إلى الوالدين، وكذلك كل إنسان مسئول عن نتائج أعماله من خير أو شر.

 وخطابه لعموم الناس على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ولغاتهم وأوطانهم كالأمر بعبـادة الله تعـالى في قـوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 21] وكالأمر بالتقوى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[ النساء: 1]

فهذه النصوص ذات طابع عالمي تخاطب الناس عامة، بأنهم مأمورون بعبادة الخالق سبحانه، ومأمورون بابتغاء طلب الرزق الحلال الذي أمرهم به، وأما خطابه للمؤمنين فهو عام أيضاً لكل من تحقّق فيه وصف الإيمان، في أي مكان وزمان من العالم، كخطابهم بفـرض القصاص في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾[البقرة: 178]، وخطابهم بفرض الصيام عليهم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وكخطابهم بالدخول في السّلم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208]. وكخطابهم بترك الرّبا، ونهيهم عن أكل أموال الناس بالباطل، وأمرهم بالوفاء بالعقود، في قـوله: ﴿ﮋيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]. فهذه النصوص وغيرها كثير في القـرآن مما ورد بهذه الصّيغة والأسلوب الخطابي العالمي الذي يشمل بني الإنسانية في أيّ زمان ومكان.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الخطاب الإلهي مر بدورين منذ بداية دعوة الأنبياء عليهم وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام ([8]):

الأول: الخطاب الخاص أو الحصري كما يسميه بعض الكتاب، وهو خطاب يتوجه مضمونه إلى فئة معينة من الناس، وهو مناسب لمقام الرسالات السابقة التي كانت تأتي مقصورة على فئات معينة من الناس، أو خطاب موجه لفئة من الأنبياء المصطفين من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33] فالآية تشير إلى خطاب خاص وحصري بأنبياء الله المصطفين ابتداء بآدم، ثم نوح، ثم إبراهيم وآله إلى يعقوب والأسباط ثم آل عمران من ذرية إبراهيـم، إلى يحيى بن زكريا، وعيسى ابن مريم الذي بشر بالنبي الخاتم ‘.

الثاني: دور الخطاب العالمي، ويبدأ ببعثة محمد ‘ إلى قيام السّاعة، ومن ثم فإن ختام النّبوة ليس مجرد توقيـت زماني فحسب، بل ختامه يقترن بحدث كبير، وهو انتهاء الخطاب الإلهي الحصري الإصطفائي لينطلق الخطاب العالمي من الأرض المحرّمة وليس من الأرض المقدَّسة، ويبدأ بالتخصيص العربي نهاية للاصطفاء وافتتاحاً للعالمية في الوقت ذاته. وفي هذا الشأن يقول الشيخ محمد الغزالي: ” فخطاب القرآن عالمي، ورسالته خاتمة، وله بعد في الزمان الماضي والحاضر والمستقبل، وله بعد في المكـان بحيث يشتمـل العالم كله”([9]).

ومن خلال ما سبق يتضح لنا بأن صيغ التّشريع التي جاء بها القرآن الكريم صياغة عامّة تستوعب قضايا الإنسان وحاجاته المتجدّدة الحاضرة منها والمستقبلية، وجاءت معظم النصوص عامة في اللفظ والمعنى، حتى اشتهرت تلك القاعدة الأصولية: ” العبرة بعمـوم اللفظ لا بخصــوص السبب”([10]). ومفاده أن سبب النزول لا تقيّد معاني النصوص ودلالاتها بمن نزل فيهم، بل تتعدّى لتشمل غيرçـم ممن لم ينزل فيهم الخطاب، كـما جاءت نصوص القرآن في معظمها ظنّية الدلالة تحتمل أكثر من معنى، ليتّسع تفسيرها بما يتلاءم مع المقصـد من عالميـة الخطاب، فلا تعترضـها الظواهر الجغرافية، ولا الأحداث التاريخية، ولا التطوّر الحضاري للبشرية، وهذا ما يشهد لـه الفقــه الإسلامي، فإنه ذو نزعة عالمية، وإن كتب بلغة العرب وفي أرضهم، إلا أن مضامينه عالمية؛ لكون المصدر الأول لهذا الفقه عالمي النزعـة، ألا وهو القرآن الكريم، وقد حكم هذا الفقـه شعوبا شتى في بقاع الأرض، فلم يعجز عن الوفاء بحاجاتها([11]).

 فالخطــاب القرآني بعالميتـه استطاع استيعاب الحضارات القديمة، بما تحويه من ثقافات متنوّعة وأديان متعدّدة وأعراف مختلفة، ولم يكـن ذلك مانعاً ولا حائلاً أمام تلك الشعوب من الاندماج مع المسلمين والتعايش معهم مع الحفاظ على خصوصياتهم الدينية والثقافية، وما زال الخطاب القرآني إلى اليوم قادرا على إعادة ذلك الدور المفقود؛ لأن الله الذي كتب لـه العالمية حفــظه من التّبديل والتّحريف الذي أصاب الكتب السّابقة ([12]).

ثالثاً: العالمية من حيث عموم الرسالة الخاتمة.

ومن الدلائل على البعد العالمي في الخطاب القرآني، الرسالة المحمدية التي جاءت شاملة لعموم البشرية، صالحة لكل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1] فالآية تبين الغاية من تنزيل القـرآن على الرسول ‘ ، وذلك ليكون للعالمين نذيرا.

 يقول سيد قطب في هذا الخصوص: “فالرسالة تدل على ثبوت تلك العالمية منذ مطلع البعثة النبوية، بما تحمل من طابع عالمي، ووسائل إنسانية كاملة ذات بعد عالمي، وهذا النص مكي وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى، لا كما يدعي بعض المؤرخين غير المسلمين أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية، ثم طمعت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية، فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين، طبيعتها طبيعة عالمية شاملة، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة؛ وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد، ومن نهج إلى نهج، عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيراً، فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود”([13]).

ومما يؤكد ذلك التوجيه القرآني للنبي ‘ الذي يحدد له مهمته الكبرى في الرسالة وهي الإنسانية المطلقة بدون استثناء. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158] فالآيـة تثبت باللفظ الصريح عالمية الرسالة النبوية، ومعنى ذلك أنها لا تختص بقوم، ولا أرض ولا جيل، بل هي للناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، بما تضمّنته من قوانين تتناسب مع تطور البشرية، وكمال أصولها العقدية، وقابليتها للتطبيق المتجـدّد في فروعها العملية، وكذا ملاءمتها للفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعاً([14]).

ومن الأدلة على عالمية هذه الدعوة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾[الأنبياء: 107] فالتعريف في قوله- للعالمين- يفيد الاستغراق، فهو شامل لكلّ ما يصدق عليه اسم العـالم، وتفيد صيغــة الخطاب أن الرحمة منحصرة في الرسالة الخاتمة، ومعنى ذلك أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس، فإن الشرائع التي سبقتها، وإن كانت تتّصف بالرحمة إلا أنها لم تكن رحمة عامة، إمّا لكونها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين، كشريعة إبراهيم ’ كانـت رحمة خاصة بحال الشّخص في نفسه وليس فيها تشريع عام، وقريب منها شريعة عيسى ’. وإمـا لأنها تشتمل على أنواع من المشقّة في أحكامها اقتضتها حكمة الله تعالى في سياسة الأمم وهكذا سائر الرسالات السابقة([15]).

جاء في كتاب “الخصائص العامة للإسلام” ما يبين مدى طبيعة الرسالة القرآنية: “إنها رسالة لكلّ الأزمنة والأجيـال ليست رسالة موقوتة بعصر أو زمن مخصوص ينتهي أثرها بانتهائه، كما هو الشأن في رسالات الأنبياء السابقين علـى محمد ‘، وهي كذلك غير محدودة بمكان ولا بأمّة ولا بشعب ولا بطبقة، إنها الرسالة الشاملة التي تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب والطبقات”([16]).

رابعاً: العالمية من حيث غاية هذا الدين.

وإذا كان الخطاب القرآني جاء عالمياً في لفظه ودلالته، فإنه أيضاً جاء عالمياً في مقصده وغايته، حيث جاءت نصوصه دالة علـى أن العالم محل العناية الربانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالصـّلاح العالمي ضــرورة حتمية ونتيجة لازمة من خلق الكون والإنسان والحياة؛ ذلك أن الهدف الأسمى من خلق العالم بجميع مكوّناته، إيجاده علـى هيئة سليمة، تمكّن الإنسان من عمارته وإقامة حضاراته فيه. والقرآن مليء بمثل هذه الشواهد، فسورة الفاتحة والأولى في ترتيب المصحف تفتتح الخطاب بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الفاتحة: 2] ومعنى ربوبيته للعالمين: أن الله سبحانه لم يخلق الكون هملاً إنما يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربّيه، وكلّ العوالم والخلائق تحفظ وتتعهّد برعاية الله رب العالمين([17]). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] دليل على العناية الإلهية بالعالم الأرضي، من خلال خلقه لمن يخلف فيها ويقوم بإدارة شؤون الحياة، وقد زود بالطاقة الكامنة، والاستعدادات التي هيأه الله بها من أجل أن يقوم بواجب هذه الخلافة في الأرض، كما دل استفهام الملائكة المشوب بالتعجّب أنهم علموا أنّ مراد الله تعالى من خلق الأرض وإيجادها هو صلاحها وانتظام أحوالها؛ ولذلك تعجّبوا من خلق من يقيم فيها الفساد، فكان جواب الله تعالى أنه أعلم بما في خليفته من صفات الصّــلاح والفساد، وأن الصّلاح غالب على الفساد فيه، ومن ثم يتحقّق المقصد من الخلق وهو عمارة الأرض وصلاحها([18]).

خامسا: العالمية من حيث الظهور والانتشار.

مما يدل على البعد العالمي في الخطاب القرآني، النصوص القرآنية القاطعة بظهور هذا الدّين والتّمكين لأهله، وأن ذلــك آت لا محالة حينما يأذن الله وتتهيأ أسبابه، وظهور الدين، معناه علوه على جميع الأديان السّابقة والتمكين له في الأرض([19]).

ففي سورة الصف جاءت آية الظهور للدين بعد ذكر خطاب موسـى إلى بني إسرائيل بقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5] ثم خطاب عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل والبشارة في قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾[الصف: 6] حيث يتمّ في هذه الآيات الرّبط بين مرحلة الخطاب الخاص بأقوام معينين، والخطاب العالمي المتمثل في عالمية الرسالة الخاتمة، ثم إطلاق هذه العالمية في الظهور الكلّي لهذا الدّين، أما في سورة الفتح فقد جاءت البشارة بالظهور الكلي للدين عقب ذكر الرفض المطلق له من قبل المشركين، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28].

 والملاحظ هنا أن الآيات الثلاث التي بشّرت بالظهور العالمي بشّرت بالمضمون وهو” الدين” ولم تذكر المسمّى وهو” الإسلام” لأن الاتّجاه إلى المضمون يحقق ثلاثة أغراض كما جاء في كتاب ” أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة”([20]): أحدها: أن المخاطبة بالمضمون فيه تجاوز لعصبيات التّدافع الدّيني الموروث تاريخياً، ومن ثمّ تنعدم لغة الحوار بين أصــحاب الأديان فيفوت المقصد والغاية من مخاطبتهم ومحاورتهم. ثانيهما: أن المخاطبة بالمضمون تتّجه دوماً إلى المنهج المتمثل في الهدى ودين الحق، الذي يصلح أن يكون منطلقاً لحوار أهل الأديان. ثالثها: دفع توهم بعضهم أن المراد بالدين الجديد إطاره البشري القديم، فيؤدي إلى لبس أو توهم أن الإسـلام سينتشر بالأسلوب والوسائل نفسها التي تحققت بها نبوءات أنبياء أهل الكتاب، كالخوارق الغيبية ومن دون أسباب وليس الأمر كذلك، بل النصر والظهور لهذا الدين سيكون محكوماً بقوانين بشرية وسنن أرضية.  

وأما التمكين لهذا الدين وأهله في العالم فقد نبّأ الله به في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[ النور: 55] فالآية وعد من الله لرسوله ‰ بأنه سيجعل أمته خلفاء في الأرض، أي أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد([21]). وتمكين الدين أيضا انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه، واستعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار؛ لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام، فكان كالشيء المثبت المرسخ، وإذا كان متبعوه في قلة كان كالشيء المضطرب المتزلزل([22]) وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبي ‘ في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه: ( وإن هم أبوا – أي إلا القتال- فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي – أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد- ولينفذنَّ الله أمره)([23]).

هذه أهم المظاهر والدلائل على البعد العالمي في الخطاب القرآني وهو أن المقصود بهذا الخطاب ليس العرب وحدهم، بل هو متوجه لأولي الألباب في أي زمان ومكان في العالم لإدراك مكنونات الكتاب وأسراره التي لا تنكشف إلا بمزيد من التأمل والتدبر الذي لا يؤتيه كل الناس، بل هو من خصوصيات النخبة المفكرة العالمة، ومن هنا فإن الأوساط العلمية المثقفة يقع على عاتقها أكـبر واجب في الفـهم والتفسير لنصوصه بما يتلاءم مع روح العصر ومقتضيات المرحلة الراهنة، التي تحاول العولمة الغربية فرض مشروعها التغريبي علـى العالم، في غياب المشروع القرآني المهمل من قبل أتباعه، والمتّهم من قبل أدعيائه. فالقرآن لم ينزل لوقت معين كما يروّج لــه بعض المنهزمين والمنخدعين بالحضارة الغربية المعاصرة، الذين يدّعون أن الخطاب القرآني تجاوزه الزمن، ولا يعدو أن يصبح كتابا تاريخياً لا يفيد أتباعه شيئاً في الوقت الراهن، إن هذه الفرية يكذبها الواقع والحضارات المتعاقبة عبر الزمن، حيـث استطاع الخطاب القرآني استيعاب جميع الأجناس من كل أصقاع الأرض ونشر الرحمة والرخاء والحرية في كل أرجاء المعمورة شهد بعظمته كل العظماء والمفكرين من جميع أجناس الأرض([24]). فالقرآن رسالة خالدة ذات صبغة عالمية رائدة لا تقتصر على عصر دون عصر، ولا أمة دون أمة، ولا مكان دون آخر، فهي إنسانية شاملة لكل أجناس الطيف البشري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

المطلب الثالث: آثار العالمية القرآنية.

أما آثار هذه العالمية فهي تتمثل في:

1- الرسالة العالمية التي عمت مشارق الأرض ومغاربها، ابتداء من نقطة انطلاق الدعوة الخالدة من أم القرى ومن حولها قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [ الأنعام: 92]، وحملت الأمة من بعده ‘ أمر التبليغ امتدادا لدعوة الحق التي جاء بها؛ لينذر بها بني الإنسان، يقول سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[سبأ: 28]، وقوله أيضا: ﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾[القلم: 52]. ويقول الرسول ‘: ((وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً))([25]).

يتبين لنا من سياق الآيات القرآنية وسياق الحديث النبوي الشريف عالمية الدعوة الإسلامية وعدم اقتصارها على جنس بعينه، أو لسان، أو لون، ومن ثم فالأسس التي ابتنت عليها هذه الدعوة لا تعبأ بالحدود الإقليمية، ولا تكترث للحواجز الجغرافية، ولا تقيم وزنًا للفواصل العرقية؛ لأن الرابطة الوحيدة عندها رابطة الإيمان والتقوى والوحدة الإسلامية، وليس هذا من الناحية النظرية فحسب، كما نجد ذلك في الأديان والمذاهب والنظريات التي تدعي أنها لا تفرق بين الناس. فالنصرانية مثلاً تقول: إنه لا فرق عندها بين لونٍ ولون، وجنس وجنس، والميزان عندها هو القرب من الخير والحق والعدل والسلام. والشيوعية أيضاً تقول: إنها قامت لتحطيم كل الفروق والحواجز بين الناس، وإقامة الأخوة البشرية، وإزالة ألوان التفرقة، بما في ذلك التفرقة في المستوى المالي أو غيره. ومثل ذلك الماسونية، فهي تزعم وتدَّعي أنها تقوم على الأخوة والعدل والمساواة. وهكذا… فالشعارات وحدها لا تكفي، والكلمات وحدها لا تغني.

2- التطبيق الفعلي لهذه العالمية من خلال تنفيذ شعار الأمة الواحدة المتساوية، حيث لمس هذا التطبيق كل أبناء الجنس البشري بتعدد لغاتهم واختلاف انتماءاتهم، وأصبح المجتمع الإسلامي مجتمعا يشكل نسيجاً متلاحماً متكاملاً منسجماً من أجناسٍ مختلفة في البلدان واللغات، وامتزجت كلها تحت راية الإسلام، والكل يشعر أن هذا الدين جاء ليخاطبه، ولم يكن قاصرا على أمة دون أخرى؛ لأنه خاتم الرسالات التي أكمل الله بها الشرائع السابقة. ولقد كان النبي ‘ يولي في الغزوات والسرايا والبعوث، أحياناً أبا بكر، وأحياناً زيد بن حارثة، وأحياناً أسامة بن زيد وهو ابن مولى على كبار الصحابة بل إنه رد على انتقاد الناقدين عندما جهز جيش أسامة بقوله: (إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمرة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده)([26]) وانتدب الناس يلتفون حول أسامة بن زيد ¢([27]).

المبحث الثاني: مجالات العالمية من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ في القرآن الكريم.

رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة لكل الإنسانية دون استثناء، ورسول الإسلام ‘ هو الرسول الخاتم لكل أجناس البشرية باختلاف مشاربهم وألوانهم ودياناتهم في كل بقاع الأرض، بل هي الرسالة الممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لهذا كان النداء القرآني- المعجزة الخالدة لهذه الرسالة الخاتمة- ذا طابع عالمي في كثير من خطاباته وتوجيهاته، مثل ذلك الخطاب المتصدر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ والذي جاء في عشرين موضعا من القرآن الكريم، وهي موضوع دراسة هذا البحث، حيث تم تقسيم هذه الآيات وفق الموضوع الذي شملته كل آية، ومن ثم تم حصر الآيات المتشابهة الموضوعات تحت مطلب واحد، مرتبة حسب ترتيب المصحف، كل مجموعة على حدة كما هو مبين في الجدول الآتي:

أولا: خطاب الناس في موضوع العقيدة والتوحيد.

مالآياترقم الآيةالسورة
1﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾21البقرة
2﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾168البقرة
3﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾1النساء
4﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾104يونس
5﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾73الحج
6﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾16النمل
7﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾3فاطر
8﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾15فاطر

ثانيا: خطاب الناس في موضوع الرسالة المحمدية للبشر.

1﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾170النساء
2﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾174النساء
3﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾158الأعراف
4﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾57يونس
5﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾108يونس
6﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾49الحج

ثالثا: خطاب الناس في مجال الإيمان بالبعث والنشور.

1﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾23يونس
2﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾[الحج: 1]1الحج
3﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾5الحج
4﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾33لقمان
5﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾5فاطر

رابعا: خطاب الناس في مجال الإنسانية الواحدة.

1﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾13الحجرات

ومن منطلق التقسيم السابق تناولنا هذا المبحث من خلال أربعة مطالب تناولت موضوع العالمية على النحو التالي:

المطلب الأول: العالمية في مجال العقيدة والتوحيد.

لا شك أن الدعوة الإسلامية رسالة شاملة ذات طابع عالمي، من أهم أولوياتها توجيه البشرية وحثها على الإيمان بالخالق الواحد سبحانه، ونبذ كل أشكال الشرك والوثنية، ومن هنا كان الخطاب القرآني الموجه للناس كافة يحمل دلالات عديدة وبراهن ساطعة لإقناع الناس على الإيمان بالإله الواحد دون سواه، والمدقق في الأمر يجد أن الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاما ركزت على تثبيت جانب التوحيد، ونبذ الشرك والوثنية، وبناء الأخلاق التي تشكل الركيزة المهمة في بناء الإنسان المؤمن بالإله الواحد المعبود، واحترام الإنسانية بكل مشاربهم وألوانهم، وتجسيد مبدأ الإنسانية الواحدة من خلال العبودية لله سبحانه، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى كما قال ‘([28]).

وفي هذا المطلب سوف نتناول بالدراسة والتحليل الآيات القرآنية ذات الخطاب العالمي من خلال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ في مجال التوحيد وذلك من خلال الآيات التي تناولت هذا الجانب في السور القرآنية المختلفة.

1- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 21]

 هذه الآية جاءت في سورة البقرة وهي السورة الثانية في ترتيب المصحف، أما في ترتيب النزول تعد السابعة والثمانين نزلت بعد سورة المطففين وقبل آل عمران([29]). وهي مدنية باتفاق كونها أول ما نزل في المدينة بعد الهجرة([30])، والراجح أن نزولها استمر إلى السنة الثامنة للهجرة وهذا لا يمنع أن تكون نزلت سور أخرى في فترة نزولها([31]).

وبالنظر إلى الآية الكريمة نلاحظ أن الخطاب فيها موجه لكل الناس دون استثناء، مع أن علماء التفسير يعدون مثل هذا الخطاب العام والشامل الذي يتصدر خطابه بــــــ(يا أيها الناس) من أهم ضوابط السور والآيات المكية، والحقيقة أن هذا الأمر لا يطرد فالآية الكريمة التي نحن بصددها نزلت في المدنية كون السورة مدنية باتفاق كما حكى ذلك غير واحد من المفسرين، وهذا يعطينا دلالة قاطعة أن الرسالة القرآنية عالمية الهدف والغاية في كل مراحل نزوله. “قال بعض العارفين أقبل عليهم بالخطاب جبراً لما في العبادة من الكلفة بلذة الخطاب أي: يا مؤنس لا تنس أنسك بي قبل الولادة أو يا ابن النسيان تنبه ولا تنس حيث كنت نسياً منسياً ولم تك شيئاً مذكوراً فخلقتك وخمرتك طيناً ثم نطفة ثم دماً ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ولحوماً وعروقاً وجلوداً وأعصاباً ثم جنيناً ثم طفلاً ثم صبياً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً وأنت فيما بين ذلك تتمرغ في نعمتي وتسعى في خدمة غيري تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شيء شيئاً مذكوراً كريماً مشكوراً علمك وقواك وأكرمك وأعطاك ما أعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن”([32]).

فالآية الكريمة ابتدأت بخطاب الناس كافة تدعوهم لعبادة الرب سبحانه المستحق للعبادة دون سواه. يقول السمرقندي في تفسير هذه الآية الكريمة: “﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يعني أطيعوا ربكم، ويقال: وحدوا ربكم وهذه الآية عامة وقد تكون كلمة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خاصة لأهل مكة وقد تكون عامة لجميع الخلق فهاهنا ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لجميع الخلق يقول للكفار وحدوا ربكم، ويقول للعصاة أطيعوا ربكم، ويقول للمنافقين أخلصوا دينكم معرفة ربكم، ويقول للمطيعين اثبتوا على طاعة ربكم، واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم”([33]).

ويقول الفيروزآبادي: ” قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ليس في القرآن غيره؛ لأَنَّ العبادة في الآية التوحيد، والتوحيد في أَول ما يلزم العبدَ من المعارف. وكان هذا أَول خطاب خاطب اللهُ به الناس، ثم ذكر سائر المعارف، وبنى عليه العبادات فيما بعدها من السُور والآيات”([34])

كما يؤكد ابن عاشور هذا المعنى بقوله: “فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناسا سامعين، فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين، وذلك أمر قد تواتر نقلا ومعنى فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك، وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم، ويافتى، وأنت ترى، وبهذا تعلم، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاما لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر”([35]).

قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الأمر بعبادة الرب الخالق يؤكد مفهوم العالمية في الخطاب، والإتيان بلفظ (الرب) إيذانا بأحقية الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة؛ لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج([36]).

قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ معناه أن من مقتضيات العبادة أن الله هو خالق الناس جميعا؛ وليس في قضية الخلق كما قلنا شبهة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق نفسه، أو خلق هذا الكون، بل إن الحق ´ يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في وجودنا؛ فالأب والأم هنا سبب في وجود الإنسان، مع أنه ´ الموجد الذي خلق كل شيء ولكن الله يحترم عمل الإنسان مع أنه سبب فقط([37]). ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24] وفي الآية تذكير لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى. ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف “من” في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على ﴿قَبْلِكُمْ﴾؛ لأن “من” في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد([38]).

كلما سبق من أقوال المفسرين يؤكد عالمية الخطاب القرآني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وذلك من خلال الدعوة الشاملة للخلق إلى توحيد ربهم الذي خلقهم وأوجدهم من العدم، وهذا خطاب يشمل سائر جنس الإنسانية منذ آدم ’ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كون الخلق هم خلق الله، ورسالة القرآن هي الرسالة العالمية لكل الأرض.

2- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]

وهذه آية أخرى تضمنها سورة البقرة وفيها نداء عالمي لكل الناس يحثهم على التمتع بخيرات الله في الأرض التي وهبهم إياها، وهذا العطاء والرزق يقتضي العبودية والشكر والطاعة للخالق الرازق ´، وهنا تتجلى عظمة الرازق في تهيئة الأرض وجعلها صالحة للثمار التي هي قوام معيشة الخلق في استمرارهم في البقاء، كما تضمنت الآية النهي عن اتباع طرق الشيطان ووسوسته التي تقود الإنسان إلى كفر النعمة المؤدي إلى عقاب الله ´.

يقول الشيخ الشعراوي: ” ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فكأنه خلق ما في الأرض جميعا للناس جميعا، وهذا ما قلنا عنه: إنه عطاء الربوبية لكل البشر، من آمن منهم ومن لم يؤمن، فهو سبحانه خلق كل الخلق، مؤمنهم وكافرهم، ومادام قد خلقهم واستدعاهم إلى الوجود فهو يوجه الخطاب لهم جميعا؛ مؤمنهم وكافرهم؛ وكأن الخطاب يقول للكافرين: حتى ولو لم تؤمنوا بالله، فخذوا من المؤمنين الأشياء الحلال واستعملوها لأنها تفيدكم في دنياكم؛ وإن لم تؤمنوا بالله، لأن من مصلحتكم أن تأكلوا الحلال الطيب، فالله لم يحرم إلا كل ضار، ولم يحلل إلا كل طيب”([39]).

جاء في التفسير الوسيط: “أذن الله لعباده المؤمنين وغير المؤمنين أن يتناولوا الحلال الطيب المفيد الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير مهما كان، ونهاهم عن اتّباع الأهواء والشياطين الذين يوسوسون بالشّر، ويزيّنون المنكر، ويوقعون الناس في الإثم والضلال، فالشيطان لا يأمر إلا بالقبيح، فكل ما يأباه الطبع السليم والعقل الراجح وينكره الشّرع هو من أعمال الشيطان وأماراته، فيجب الحذر منه وتجنّب ما يوهمه من الخير، والشيطان يأمر الناس عادة أن يقولوا على الله ما لا يعلمون من أمور الشرع والدين”([40]).

3- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء: 1]

هذه آية أخرى من الآيات التي ابتدأت بخطابها العالمي في مجال العقيدة والتوحيد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد جاءت في صدر سورة النساء وهي السورة الرابعة في ترتيب المصحف، والثالثة والتسعون في ترتيب النزول حيث نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة الزلزلة، كما اتفق العلماء على أنها نزلت بعد البقرة، فتعين أن يكون نزولها متأخرا عن الهجرة بمدة طويلة وهذا يعني مدنيتها باتفاق([41]).

وتظهر العالمية بأبهى صورها في هذه الآية الكريمة حيث ينادي الرب تبارك وتعالى عباده بلفظ عام يشمل مؤمنهم وكافرهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ويأمرهم بتقواه عزوجل وهي اتقاء عذابه في الدنيا والآخرة بالإسلام التام إليه ظاهراً وباطناً، واصفاً نفسه تعالى بأنه ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة وهي آدم الذي خلقه من طين، وخلق من تلك النفس زوجها وهي حواء، وأنه تعالى بث منهما أي: نشر منهما في الأرض رجالاً كثيراً ونساء كذلك([42]). وتتجلى الحكمة الإلهية في جعله العالم بمثابة أسرة واحدة مترابطة العناصر متعاونة متكاملة فيما بينها، يحب كل إنسان أخاه، ويريد الخير له، فالإنسان أخو الإنسان أحب أم كره، لأن المعيشة واحدة، والهدف والمقصد واحد، والمصير المحتوم هو واحد أيضا حينما ينتهي هذا العالم، ويعود لعالم آخر للحساب والجزاء، وتحقيق العدل والإنصاف التام بين البشر، والقرآن الكريم نص صراحة على وحدة الإنسانية، ووحدة الأسرة، ووحدة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. أما الوحدة الإنسانية التي تجعل البشرية بمثابة الجسد الواحد والنفس الواحدة فقد جاء الإعلان عنها في مطلع سورة النساء([43]).

يقول سيد طنطاوي: “وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين: أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له، فهو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجميهم. وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم-’”([44]).

ويؤكد هذا المعنى الفخر الرازي بقوله: “فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصح لوجوه: أحدها: أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق. وثانيها: أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقا لهم من نفس واحدة، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم ’ خلقوا بأسرهم، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما. وثالثها: أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل، كان القول بالتخصيص في غاية البعد”([45]).

فالله هو رب الجميع الذي ربّاهم بنعمه، وأفاض عليهم من إحسانه، وأمدهم بكل وسائل الحياة العزيزة الكريمة، وذكّرهم بأنهم من أصل واحد، كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه خلق من تلك النفس الأولى زوجها، وتناسل منهما البشر والنوع الإنساني ذكورا وإناثا، وبهذا تتجلى عالمية الخطاب الموحد لكل أجناس البشرية، ودعوتهم لتوحيد الرب الذي خلقهم وأوجدهم([46]).

4- ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس: 104]

هذه آية أخرى من الآيات التي ابتدأت بخطابها العالمي في مجال العقيدة والتوحيد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد جاءت في سورة يونس وهي السورة العاشرة في ترتيب المصحف، والحادية والخمسون في ترتيب النزول حيث نزلت بعد سورة بني إسرائيل وقبل سورة هود، ويظهر أنها نزلت سنة إحدى عشرة بعد البعثة، فتعين أن يكون نزولها في أواخر الفترة المكية، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين([47]).

وتتجلى العالمية في الخطاب القرآني في هذه الآية الكريمة من خلال التوجيه الإلهي للنبي الذي أرسل إلى الناس كافة قائلا له: “قُلْ لجميع من شك في دينك وكفر بك يا ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أوثر الخطاب باسم الجنس مصدرا بحرف التنبيه تعميما للتبليغ وإظهارا لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الذي أعبد الله تعالى به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو ولا صفته حتى قلتم إنه صبأ فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ في وقت من الأوقات وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب”([48]).

يقول ابن عطية: ” في الآية مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم القيامة يدخل تحتها كل من اتصف بالشك في دين الإسلام، وهذه الآية يتسق معناها بمحذوفات يدل عليها هذا الظاهر الوجيز، والمعنى إن كنتم في شك من ديني فأنتم لا تعبدون الله فاقتضت فصاحة الكلام وإيجازه اختصار هذا كله، ثم صرح بمعبوده وخص من أوصافه الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ لما فيها من التذكير للموت وقرع النفوس به، والمصير إلى الله بعده والفقد للأصنام التي كانوا يعتقدونها ضارة ونافعة([49]).

ويقول الزحيلي عن عالمية هذه الآية في الخطاب: ” هذه الآية الكريمة قانون خالد عام، وخطاب مختصر شامل للناس أجمعين إلى يوم القيامة. فبعد أن أقام القرآن الكريم الأدلة الواضحة على صحة الدين ووحدانية الخالق وصدق النّبوة والوحي، أمر الله بإظهار دينه، وإيضاح الفوارق بين الدين الحق والشّرك الباطل، حيث يعبد المشركون أصناما وأوثانا لا تضر ولا تنفع([50]).

5- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73]

هذه آية أخرى من الآيات التي ابتدأت بخطابها العالمي في مجال العقيدة والتوحيد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد جاءت في سورة الحج وهي السورة الثانية والعشرون في ترتيب المصحف، والخامسة بعد المائة في ترتيب النزول حيث نزلت كما جاء عن ابن عباس بعد سورة النور وقبل سورة المنافقين، وهذا يقتضي أنها عنده مدنية كلها؛ لأن سورة النور وسورة المنافقين مدنيتان فينبغي أن يتوقف في اعتماد هذا فيها([51]). ويذكر الفيروز آبادي: إن السّورة مكِّيّة بالاتِّفاق، سوى ستّ آياتٍ منها فهي مَدَنِيَّة([52]).

وبالرجوع إلى التأمل في الآية الكريمة نجدها تصدرت بخطابها العالمي الشامل الموجه لكل الناس دون استثناء، تثبيتا لليقين عند المؤمنين، وإفحاما بالحقيقة للمكذبين، يعلن الله فيها ضعف المعبودات المزيفة من أصنام وغيرها، فهي عاجزة عن خَلق ذباب واحد على حقارته، بل أعجب من ذلك أنها عاجزةٌ عن مقاومة الذباب، فلو سلبهم شيئا لما استطاعوا ان يخلصوا ذلك الشيء منه، وكم هو ضعيف ذلك الذي يهزم أمام حشرة ضعيفة كالذباب، فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبد تلك الأوثان ويلتمس النفع منها! ويختم الله تعالى هذه الآية بعبارة ناطقة للحقيقة ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ما أضعف الطالب وهو تلك الآلهة، وما أضعف المطلوب وهو الذباب.

وفي هذا الخطاب إعجاز واضح في قدرة الخالق المعبود على كل شيء وضعف كل شيء سواه، سواء من المعبودات الهزيلة التي يعبدها البشر حين ينحرفون عن الفطرة السليمة، أو ذلك الذباب الحشرة الضعيفة التي يعجز الخلق من أولهم إلى آخرهم وما يعبدون من آلهة مزيفة أن يخلقوا مثله، بل إنّ عجزهم لا يقف عند هذا فإن الذباب الذي هو من أتفه وأضعف مخلوقات الله لو هبط على آلهتهم وامتصّ ما يعلوها من المواد لعجزوا عن منعه من ذلك واستنقاذ ما امتصّه منهم ومنعه عن أنفسهم. وإن في هذا الواقع لتتجلّى شدّة عجز الشركاء وشدّة سخف الذين يشركونهم مع الله([53]).

6- ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: 16]

هذه الآية جاءت في سورة النمل وهي من السور المكية باتفاق، وتعد السورة السابعة والعشرون في ترتيب المصحف، والثامنة والأربعون في عداد نزول السور نزلت بعد الشعراء وقبل القصص([54]).

تناولت هذه الآية الإرث الذي ورثه سليمان ’ عن أبيه داوود ’، وهو العلم الذي آتاه الله نبيه داوود ’ في حياته، والمُلك الذي خصه به على سائر قومه، فجعله من بعده لسليمان ’ دون سائر ولد أبيه([55]).

جاء في التفسير الوسيط: “ومن نعم الله على سليمان ’: أنه جمع له جنوده من الجنّ والإنس والطير، فكان ملكه عظيما ملأ الأرض، وانقادت له المعمورة كلها، وكان كرسيّه يحمله أجناده من الجنّ والإنس، وكانت الطير تظلّله من الشمس، ويبعثها في الأمور، وكان هؤلاء الجنود يجمعون بترتيب ونظام، بأن يوقف أولهم ليلحق بهم آخرهم، ويردّ أولهم على آخرهم، لئلا يتقدم أحد عن منزلته ومرتبته، حتى لا يتخلّف أحد منهم، وهذا معنى قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ من الوزع، أي الكفّ والمنع، والمعنى: يردّ أولهم على آخرهم ويكفّون. ومن النّعم أيضا على سليمان: فهم كلام النّمل، فبينا كان سليمان وجنوده مشاة على الأرض، أتوا على وادي النّمل إما بالشّام أو غيرها من البلاد، ونادت نملة هي ملكة النّمل: يا أيها النّمل، ادخلوا بيوتكم، حتى لا يكسرنكم سليمان وجنوده، من غير أن يشعروا بذلك”([56]).

هذا الملك العظيم الذ جمعه الله لنبيه سليمان ’، لم يتكرر مع نبي آخر؛ يدل على هذا دعاؤه ’: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[ص: 35] ومن هنا تتجلى عالمية خطابه ’ في خطابه الناس وهو لفظ يستغرق سائر الناس دون استثناء، يؤكد هذا أنه ضمن أربعة ملكوا الأرض كما قال مجاهد: ” ملك الأرض أربعةٌ: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران: نمرود و بختنصر”([57]). ولهذا جاء خطابه عاما شاملا لكل الناس يتناسب مع عظمة ملكه ورقعة حكمه.

7- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3]

هذه آية أخرى من الآيات التي ابتدأت بخطابها العالمي في مجال العقيدة والتوحيد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد جاءت في سورة فاطر وهي السورة الخامسة والثلاثون في ترتيب المصحف، والثالثة والأربعون في ترتيب نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة الفرقان وقبل سورة مريم، وهي مكية بالاتفاق([58]).

وبالنظر والتأمل في الآية الكريمة نلحظ الأمر الموجه للناس قاطبة بشكر نعم الله ورعايتها والاعتراف بها، ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب فنونها منحصرة في نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، نفى أن يكون في الوجود شيء غيره تعالى يصدر عنه إحدى النعمتين بطريق الاستفهام الإنكاري المنادي باستحالة أن يجاب عنه بنعم فقال ﴿هل من خالق غير الله﴾ أي هل خالق مغاير له تعالى موجود([59]). و يقول ابن عاشور: “والمقصود من تذكر النعمة شكرها وتقديرها، ومن أكبر تلك النعم نعمة الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي”([60]).

ويؤكد هذا الأمر الشيخ السعدي بقوله: “يأمر تعالى جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق فقال: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْض﴾ ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه نتج من ذلك أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق([61]).

8- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]

وهذه آية أخرى تضمنها سورة فاطر وفيها نداء عالمي لكل الناس في مجال العقيدة والتوحيد، مبينا سبحانه حال الخلق بأنهم الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، وفي كل حال على الإطلاق، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ على الإطلاق عن خلقه الْحَمِيدُ المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم، المحمود في صنعه بهم([62]).

يقول الشوكاني في تفسير هذه الآية: “ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق وهو الغني على الإطلاق. الحميد أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم([63]).

وهكذا تتجلى حقيقة الخلق بكل أجناسهم وانتمائهم بأنهم فقراء لا يملكون لأنفسهم شيئا في هذا الوجود، فالله هو الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، وهو المتصرف وحده دون سواه، فهو الغني من له خزائن السماوات والأرض، ولهذا استحق الحمد والشكر من الخلق المساكين الفقراء إليه دون غيره، وهذه الحقيقة تشمل جنس الناس مؤمنهم وكافرهم دون تمييز، وفي ذات الوقت فيها حث على انصياع الخلق لخالقهم والتوجه إليه لأنه وحده من يُطلب، ووحده من يستحق الحمد والتضرع واللجوء إليه.

المطلب الثاني: العالمية في مجال إثبات الرسالة المحمدية للبشر.

لقد بعث الله نبيه محمدا ‘ لسائر البشر دون استثناء بما فيهم عالم الجن، وبهذا تتضح شمولية هذه الرسالة وعالميتها في مخاطبة الأمة دون النظر للونهم ولغتهم وجنسيتهم وتوجههم، وهذا ما يتضح جليا من خلال الخطاب القرآني الشامل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ داعيا إياهم إلى الإيمان بالرسول الخاتم ‘ وهذا ما سنتناوله من خلال التأمل في الآيات القرآنية المتضمنة الخطاب العام والشامل في مجال الإيمان بالرسالة المحمدية من خلال الآيات التالية:

1- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 170]

هذه الآية جاءت في سورة النساء والتي سبق الحديث عنها في هذا البحث، وهي آية تصدرت بخطاب شامل لكل الناس، آمرة إياهم بالإيمان برسالة محمد ‘، موضحة لهم عاقبة هذا الإيمان الذي يكمن فيه التزكية والتطهير من الأدناس والأرجاس، ويرشد الناس للسعادة في الدنيا والآخرة، فالحق هو ما جاء به النبي الخاتم من القرآن المعجز الداعي إلى عبادة الله والإعراض عن الشرك، وإن تكفروا أيها الناس، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم، وقادر على عقابكم، ولا يتضرر بكفرانكم، فإن لله جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا، وشأن العبيد الخضوع لحكم الله وأمره([64]).

يقول محمد سيد طنطاوي: “فالخطاب في الآية الكريمة للناس أجمعين، سواء أكان عربيا أم غير عربي، أبيضا أم أسودا، بعيدا أم قريبا؛ لأن رسالته ‘ عامة وشاملة للناس جميعا([65]).

2- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾[النساء: 174]

وهذه آية أخرى جاءت في سورة النساء وجه فيها سبحانه نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق، والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبي ‘ فيما يبلغه عن ربه. ويصح أن يكون المراد به النبي ‘ وسماه- سبحانه- بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التي شهدت بصدقه ‘، والمراد بالنور المبين: القرآن الكريم([66]).

قال الفخر الرازي: “واعلم أنه تعالى لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد ‘، وإنما سماه برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل، والنور المبين هو القرآن، وسماه نورا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب، ولما قرر على كل العالمين كون محمد رسولا وكون القرآن كتابا حقا أمرهم بعد ذلك أن يتمسكوا بشريعة محمد ‘ ووعدهم عليه بالثواب”([67]).

3- ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]

هذه الآية جاءت في سورة الأعراف وهي من السور المكية بلا خلاف، وتعد السورة السابعة في ترتيب المصحف، والتاسعة والثلاثون في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة محمد وقبل سورة الجن([68]). وحكى الفيروزآبادي بأن هذه السّورة نزلت بمكة إِجماعاً([69]).

في هذه الآية خطاب عالمي واضح المعالم لمهمة الرسول الخاتم ‘، حيث أمره ربه أن يخاطب الناس قاطبة بأنه رسول الله إليهم جميعا، وهي صفة اختص بها ‘ دون سواه من الرسل، فهو رسول عالمي لكل الناس.

جاء في تفسير المنار: “هذا خطاب عام لجميع البشر من العرب والعجم وجهه إليهم محمد بن عبد الله النبي العربي الهاشمي بأمر الله تعالى، ينبئهم به أنه رسول الله تعالى إليهم كافة لا إلى قومه العرب خاصة كما زعمت العيسوية من اليهود([70]).

ويؤكد هذا المفهوم صاحب كتاب فتح البيان بقوله: ” لما تقدم ذكر أوصاف رسول الله -‘ – المكتوبة في التوراة والإنجيل، أمره سبحانه أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس والجن جميعاً لا كما كان غيره من الرسل ﭺ، فإنهم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة([71]).

ويقول المراغي عند تفسيره لهذه الآية: ” بعد أن حكى عز اسمه ما في التوراة والإنجيل من نعوته ‘ وذكر شرف من يتبعه من أهلهما ونيلهما سعادة الدنيا والآخرة، قفى على ذلك ببيان عموم بعثته ‘ ودعوة الناس كافة إلى الإيمان به وأمره بتبليغهم دعوته فقال: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ أي قل لجميع البشر من عرب وعجم إني رسول الله إليكم كافة لا إلى قومي خاصة([72]).

4- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]

وهذه آية أخرى جاءت في سورة يونس فيها خطاب عالمي شامل للناس كافة تدعوهم فيه إلى الإقبال على ما جاء به الرسول ‘ من مواعظ فيها الشفاء لما في الصدور، وفيها الهداية لما في النفوس. يقول البيضاوي في تفسير الآية: ” أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين، حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإِيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان، والتنكير فيها للتعظيم([73]).

وعن عالمية هذا الخطاب القرآني يقول صاحب التحرير والتنوير: “وهو خطاب جميع الناس بالتعريف بشأن القرآن وهديه، بعد أن كان الكلام في جدال المشركين والاحتجاج عليهم بإعجاز القرآن على أنه من عند الله وأن الآتي به صادق فيما جاء به من تهديدهم وتخويفهم من عاقبة تكذيب الأمم رسلها([74]).

ويؤكد هذا المعنى صاحب زهرة التفاسير بقوله: “النداء للناس جميعا عربا كانوا أم عجما؛ لأن شريعة الله للناس كافة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ولذا كان النداء بالبعيد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تبين هذه الآية أن ما جاء به ‘ قد اجتمعت فيه عناصر أربعة هي أقسام القرآن الكريم وهدايته([75]).

5- ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [يونس: 108]

وهذه آية أخرى جاءت في سورة يونس فيها خطاب عالمي شامل للناس كافة، خاطب الله بها جميع الناس والجن أيضا إلى يوم القيامة أبد الدهر، يأمر الله فيها رسوله أن يخاطب الناس قاطبة من كان في زمن الرسالة ومن سيأتي إلى يوم الدين بقوله: قد جاءكم الحقّ المبين من ربّكم، يبيّن حقيقة هذا الدين، وكمال هذه الشريعة، على لسان رجل منكم، بلسان عربيّ مبين([76]).

جاء في التفسير الواضح: ” هذا النداء المأمور به الرسول الأعظم هو للناس جميعا على اختلاف أشكالهم وألوانهم من سمع منهم بالقرآن ومن سيسمع في المستقبل وهو إجمال عام لما في السورة. قل يا أيها الرسول للناس جميعا قد جاءكم الحق من ربكم على لسان رجل منكم أوحى إليه، هذا الحق الثابت الذي لا شك فيه كتاب أحكمت آياته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن اهتدى به فإنما يهتدى لنفسه ومن كفر فإنما يضل على نفسه، وما أنا عليكم بوكيل، إن أنا إلا نذير وبشير([77]).

6- ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: 49]

وهذه آية أخرى جاءت في سورة الحج فيها خطاب عالمي شامل للناس كافة يأمر الله فيها رسوله ‘ أن يخاطب الناس قاطبة، يبين لهم حقيقة مهمته وهي الإنذار. يقول صاحب زهرة التفاسير: ” الحظاب للناس كافة، وللمشركين من أهل مكة خاصة ﴿إنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مبِينٌ﴾ (إِنَّمَا) للقصر، والقصر هنا لأنهم طلبوا استعجال العذاب ولضلالهم البعيد، ولاستمكان الغفلة عن الحق في قلوبهم، يقولون للنبي﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيقول لهم النبي -‘ – بأمر ربه: إن عملي فيكم، ورسالتي إليكم، أني نذير موضح مبين لكم الحق والشريعة، والعذاب أمره إلى اللَّه تعالى وحده، وكذلك الثواب والعقاب إليه وحده، وكل امرئٍ بما كسب رهين([78]).

المطلب الثالث: عالمية خطاب الناس في مجال الإيمان بالبعث والنشور.

1- ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 23].

هذه الآية الكريمة جاءت في سورة يونس وقد تم التعريف بالسورة سابقا، تتناول هذه الآية الحديث عن سلوك كثير من البشر تجاه نعمة الخالق ´، فما إن ينعم عليهم بالرحمة والفضل، ويكشف عنهم البؤس والضر، وبدلا من أن يشكروا ربهم ويحمدوه على ما منحهم من النجاة، إذا هم يسرعون في المكر والكفر والبغي في الأرض، ولهذا خاطبهم الله خطابا عاما وشاملا ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فكان الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتنبيه الشديد بالمواجهة والتصدي لبيان شرهم، وكان النداء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لكمال هذا التنبيه الزاجر، ولبيان سوء العاقبة ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ أي أن البغي على أنفسكم وحدكم لَا يتجاوزكم إلى غيركم، ذلكم أنكم إن أشعتم البغي فيما بينكم عمَّ الفساد فيكم ولم تكن منكم جماعة فاضلة ذات حقوق وواجبات بل جماعة متحللة متقاطعة متدابرة تعمها الرذيلة ويسودها الشر يتجرد فيها الإنسان عن إنسانيته والمرء عن مروءته وفوق ذلك عقوبة يوم الدين([79]).

ويطلق النداء في الآية بأسلوب عام وشامل لكل الناس؛ لتكون قضية عامة وشاملة تظل إلى الأبد بعد ما تقدم فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وكأنه يخاطب الباغي: يا مَنْ تريد أن تأخذ حق غيرك، اعلم أن قصارى ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية، مقرر سبحانه حقيقة البعث والنشور والعودة إلى الله للجزاء والحساب([80]).

2- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].

هذه الآية الكريمة جاءت في سورة الحج وقد تم التعريف بالسورة سابقا، تتناول هذه الآية الحديث عن أهوال يوم القيامة حيث يخاطب الله في هذه الآية الناس جميعا وهو خطاب عالمي شامل لكل البشرية دون استثناء. يقول ابن عاشور: ” نداء للناس كلهم من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين الذين يسمعون هذه الآية من الموجودين يوم نزولها ومن يأتون بعدهم إلى يوم القيامة، ليتلقوا الأمر بتقوى الله وخشيته، أي خشية مخالفة ما يأمرهم به على لسان رسوله([81]).

ويؤكد هذا المفهوم أبو السعود بقوله: “﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خطاب يعم حكمه المكلفين عند النزول، ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين القاصرين عن رتبة التكليف، والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإن كان خطاب المشافهة مختصا بالفريق الأول على الوجه الذي مر تقريره في مطلع سورة النساء، ولفظ الناس ينتظم الذكور والإناث حقيقة، وأما صيغة جمع المذكور فواردة على نهج التغليب([82]).

والنداء العالمي الشامل للناس في هذه الآية فيه أمر بامتثال أوامر الخالق سبحانه واجتناب نواهيه حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة، ثم بين بعضا من أهوال القيامة التي تزلزل كل شيء، حتى أن المرضعة تذهل عن طفلها، وتضع كل امرأة حامل جنينها، وترى الناس سكارى من الرعب والهول وفي حقيقة الأمر ليسوا سكارى، وإنما رهبة الموقف وشدته.

3-﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5].

يخاطب الله في هذه الآية الكريمة الناس خطابا عالميا شاملا مباشرا للناس جميعا مبينا لهم إن كانوا في شك من يوم البعث والقيامة، فعليهم أن ينظروا لبدء خلقهم من العدم، فالذي خلقهم من العدم قادرا على إعادتهم، فالإعادة أسهل من البداية. يقول الشيخ الزحيلي: “هذا لون صريح من مباشرة الحوار الرباني مع الناس، فيا أيها البشر، إن كنتم في شك من إمكان البعث ومجيئه يوم القيامة، فانظروا إلى بدء خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على الإعادة، بدليل مراحل خلق الإنسان السبع المذكورة في الآية([83]).

ويقول الشيخ حجازي في تفسيره الواضح: “يا أيها الناس جميعا من كل جنس ولون، في كل عصر وزمن، إن كنتم في شك من البعث- وهذا الشك يجب أن يكون بسيطا جدّا يزول بأدنى تنبيه لتضافر الأدلة على ثبوته- فاتركوه، وانظروا مما خلقتم؟!! ولقد كان اعتماد المنكرين للبعث على أنه يستحيل حياة بعد موت وتفرق للإجراء وانعدام لها بل تحولها إلى شيء آخر، ومن الذي يعيد الحياة لتلك العظام النخرة التي أصبحت ترابا أو صارت ذرات في الهواء، أو انتهى أمرها إلى بطون السباع أو بطون السمك والحيتان؟!! وعلى أي وضع يكون حساب وعقاب؟!! فنزل القرآن ينادى بالبعث، ويسوق الأدلة كالصواعق أو أشد”([84]).

4- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]

هذه الآية الكريمة جاءت في سورة لقمان، وهي من السور المكية كما روى البيهقي في دلائل النبوة([85])، وهي أيضا مكية كلها عند ابن عباس في أشهر قوليه وعليه إطلاق جمهور المفسرين وعن ابن عباس من رواية النحاس استثناء ثلاث آيات من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 27- 29]، وهذه السورة هي السابعة والخمسون في تعداد نزول السور، والإحدى والثلاثون في ترتيب المصحف، نزلت بعد سورة الصافات وقبل سورة سبأ([86]).

 وفي هذه الآية الكريمة خطاب عالمي شامل للناس كافة يأمرهم بتقوى ربهم الذي خلقهم، ويحذرهم من هول يوم عظيم- يوم القيامة- الذي تنتهي الفوارق والأحساب والأنساب بين البشر، فلا والد يجزي عن ولده شيئا ولا العكس فالجميع مشغول بنفسه. يقول ابن عاشور في تفسيره: ” إن لم يكن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابا خاصا بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان، إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بعد السائرين عنها، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقب بما يصلح لكلا الفريقين([87]).

ويقول الشيخ الشعراوي: “خطاب الحق سبحانه لعباده بــــ﴿يأيها الناس﴾ يدل على أنه تعالى يريد أنْ يُسعدهم جميعاً في الآخرة…. فالخطاب هنا عام للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن يُدخلهم جميعاً حيِّز الإيمان والطاعة، ويريد أنْ يعطيهم ويمنّ عليهم ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نِعَم الدنيا فحسب، إنما أريد أنْ أعطيكم أيضاً نعيم الآخرة([88]).

5- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5].

هذه آية أخرى من الآيات التي ابتدأت بخطابها العالمي في مجال إثبات البعث والنشور، وقد جاءت في سورة فاطر التي سبق الحديث عنها. وفي هذه الآية الكريمة خطاب عالمي للناس كافة، وفيه تحذير من أن تذهلهم الدنيا بمتاعها وزخرفها فلا يشعرون بأنفسهم إلا وقد حلت عليهم القيامة وحينئذ لا يملكون لأنفسهم شيئا، ولا ينفعهم الندم ولات ساعة مندم.

يقول الشيخ الزحيلي في تفسيره: ” أبانت آيات سورة فاطر في مطلعها ثلاثة أصول إيمانية: الأول: التوحيد الإلهي، والثاني: الرسالة النبوية، وهذا مما سبق بيانهما، والثالث: الحشر والبعث، وهذا موضوع الآيات المذكورة هنا يعظ الله تعالى جميع العالم، ويحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها، وينبّههم إلى عالم المعاد، فإن وعد الله بالبعث والجزاء حق ثابت لا شك فيه، والمعاد كائن لا محالة، بما فيه من خير ونعيم، أو عذاب مقيم، فلا تلتهوا بمغريات الدنيا ولذائذها عن العمل للآخرة، ولا يغرنكم الشيطان بالله، فيجعلكم في أوهام وآمال خيالية، ولا تلهينكم الحياة الدنيوية”([89]).

المطلب الرابع: عالمية خطاب الناس في مجال الإنسانية الواحدة.

1- ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

هذه الآية الكريمة جاءت في سورة الحجرات، والسورة مدنية بالإجماع. يقول البقاعي: “مدنية إجماعاً، وشذَّ من قال: مكية”([90]) ويقول ابن عاشور: “وهي مدنية باتفاق أهل التأويل، أي مما نزل بعد الهجرة”([91]). وذكر السيوطي في الإتقان: أنها مكية وهو قول شاذ لا يعتد به؛ لأنه لا يعرف قائل هذا القول([92]). وهي السورة التاسعة والأربعون في ترتيب المصحف، والثامنة بعد المائة في ترتيب نزول السور، نزلت بعد سورة المجادلة وقبل سورة التحريم وكان نزولها سنة تسع([93]).

وفي هذه الآية الكريمة يتجلى الخطاب العالمي الشامل لكل الناس مؤمنهم وكافرهم، مبينا لهم أن أصلهم واحد من جنس واحد يرجعون إليه وهو آدم وحواء، ثم جعلهم شعوبا وقبائل للتعارف، فلولم يحصل هذا الانتشار لم يحصل التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث، لكنه جعل الفضل والكرم بالتقوى والطاعة، فليس للنسب والانتماء والقبيلة مزية عند الله فالجميع لآدم وآدم من تراب. ومن هنا أزال الإسلام الفوارق والعصبية والطبقية والعرقية وجعل الناس جميعا من عرب وفرس وروم كلهم سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ومدى قربه من الله عزوجل. يقول سيد قطب: ” وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان([94]). ويؤكد هذا المفهوم ابن عاشور بقوله: “ونودوا بعنوان الناس دون المؤمنين رعيا للمناسبة بين هذا العنوان وبين ما صدر به الغرض من التذكير بأن أصلهم واحد، أي أنهم في الخلقة سواء ليتوسل بذلك إلى أن التفاضل والتفاخر إنما يكون بالفضائل وإلى أن التفاضل في الإسلام بزيادة التقوى([95]).

الخاتمة والاستنتاج.

وبعد دراسة الآيات التي تصدرت خطابها بالنداء ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ رأينا من خلالها المنهج العالمي لهذه الرسالة المحمدية التي لم تقتصر على فئة أو جماعة معينة من الناس، بل هي شاملة عامة لكل أطياف البشر تخاطبهم تحت مبدأ الإنسانية الواحدة المستعبدة لخالق واحد دون سواه، ومن هنا تتجلى عظمة هذه الرسالة وقوتها من خلال شمولها لكل الأمة دون استثناء.

ومن خلال دراستي لعشرين موضعا من الآيات التي تصدرت خطابها بــــ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ رأيت الخطاب العالمي فيها يهدف إلى تقرير ما يأتي:

  1. إن هذا القرآن كلام معجز لا يضاهيه كلام البشر أيا كان مستواه؛ ولهذا تحدى أرباب الفصاحة من أن يأتوا ولو بآية واحدة مثله تضاهيه في الأسلوب والبيان والنظم.
  2. مجال العقيدة والتوحيد وذلك من أجل استنهاض الناس لمعرفة خالقهم، والتخلص من عبادة الجمادات والمخلوقات إلى عبادة الخالق الواحد.
  3. مجال الرسالة المحمدية الشاملة والموجهة للناس كافة، فهي رسالة عالمية الهدف والنشأة.
  4. نداء الناس وحثهم على الإيمان بالمعاد واليوم الآخر، فهو المصير النهائي لكل الناس دون استثناء، والجميع خاضع لسلطة الخالق سبحانه القائل: ﴿ ُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[العنكبوت: 57]
  5. مجال الإنسانية الواحدة وتعريف الخلق بأصلهم وماهيتهم وأن الجميع خلق الله كلهم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لبشر على بشر في ميزان الله إلا بالتقوى.
  6. العالمية المطلقة في أسلوبه وتوجيهاته فهو لا يخص المجتمع الذي عاصر التنزيل وإنما يخص كل بني الإنسانية عبر تعاقب الأزمنة والأمكنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والعبرة فيه “بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”.
  7. يهدف من خلال عالميته إلى بناء الإنسانية الواحدة في النزعة والهدف في كل مجالاتها الحياتية المتنوعة، من خلال عالمية الأوامر والنواهي المستنبطة من عموم لفظه لا خصوص سببه.

كما اقتضى هذا البحث العديد من التوصيات أهمها:

1- حث الباحثين والمهتمين بالدراسات القرآنية على البحث والدراسات الجادة المدعمة بالشواهد والأدلة على عالمية الرسالة المحمدية التي جاءت للناس كافة.

2- تفعيل دور المؤتمرات العالمية البحثية المهتمة بالدراسات القرآنية بتوجيه البوصلة نحو دراسة عالمية الرسالة الخاتمة، كي تصل هذه الحقائق إلى كل البشرية اليوم، وخاصة غير المسلمين الجاهلين بحقيقة الإسلام.

3- التركيز على القوة الكامنة في هذا الدين، والذي يعمل بقوة الله تعالى في استقطاب الكثير من جهابذة الغرب وعلمائه، بعد دراستهم لحقيقة هذا الدين، ووصولهم لقناعة ذاتية أن هذا الدين هو خير الأديان الذي اكتمل به النمو الطبيعي للأديان، فهو مكل ومهيمن على ما سبقه من الأديان والكتب السماوية.

4- التعريف بحقيقة هذه الرسالة الموجهة لكل الأطياف البشرية باختلاف مشاربهم وتنوعهم، وذلك عن طريق الترجمة الأمينة والنزيهة للكتب والأبحاث الإسلامية التي تقدم الإسلام تقديما صحيحا نظيفا لغير المسلمين.

وأخيرا أسأل الله العلي العظيم أن يوفقني فيما قصدت وكتبت، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والشكر أولا وأخيرا لله عزوجل الذي أعانني وأحاطني بعنايته في كتابة هذا البحث المتواضع، كما هو موصول لكل من يسدد فيه النقص والزلل، وأسأل الله عزوجل التوفيق والنجاح لنا ولجميع المسلمين.

قائمة المراجع والمصادر.

  1. أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة، طه جابر العلواني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ فرجينيا، أمريكا، ط1، 1417ç ـ 1996م.
  2. الإتقان في علوم القرآن: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394ç/ 1974 م.
  3. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: محمد بن محمد العمادي أبو السعود، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
  4. أضواء البيان: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع- بيروت- لبنان 1415 ç- 1995م.
  5. أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط1، 1418ه.
  6. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: أبو بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم-المدينة المنورة، ط5، 1424ç-2003م.
  7. بحر العلوم: أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: د. محمود مطرجي، دار الفكر – بيروت.
  8. البحر المديد: أحمد بن محمد الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي، دار الكتب العلمية –بيروت، ط2، 1423ه-2002م.
  9. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي- القاهرة.
  10. البعد العالمي في الخطاب القرآني، بقلم: عبد الكريم حامدي، مجلة الوعي الإسلامي، العدد: (530).
  11. التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، مؤسسة التاريخ العربي- بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1420ç/2000م.
  12. التفسير الحديث: دروزة محمد عزت، دار إحياء الكتب العربية – القاهرة، ط1، 1383ه.
  13. تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان): عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي: تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ç -2000م.
  14. تفسير الشعراوي: محمد متولي الشعراوي، مطابع أخبار اليوم- القاهرة.
  15. تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر- بيروت، الطبعة الجديدة، 1414ç/1994م.
  16. تفسير المنار: محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 19990م.
  17. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج: د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر – دمشق، ط2، 1418ه.
  18. التفسير الواضح: محمد محمود حجازي، دار الجيل الجديد – بيروت، ط10، 1413ه.
  19. التفسير الوسيط للقرآن الكريم: محمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة، ط1.
  20. التفسير الوسيط: د وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر – دمشق، ط1، 1422ه.
  21. تفسير روح البيان: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.
  22. جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ه-2000م.
  23. الخصائص العامة للإسلام: د. يوسف القرضاوي، دار الشهاب- الجزائر.
  24. دلائل النبوة: أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1405ه.
  25. دليل الناقد الأدبي: د. ميجان الرويلي، ود. سعد البازعي، ط4، بيروت_ لبنان.
  26. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1415ه.
  27. زهرة التفاسير: محمد بن أحمد بن مصطفى المعروف بأبي زهرة، دار الفكر العربي- بيروت.
  28. صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، دار ابن كثير، اليمامة – بيروت، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، ط3، 1407ه – 1987م.
  29. صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.
  30. فتحُ البيان في مقاصد القرآن: أبو الطيب محمد صديق خان القِنَّوجي: عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر صَيدَا – بَيروت، 1412ç – 1992م.
  31. فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني، دار ابن كثير- دمشق، دار الكلم الطيب- بيروت، ط1، 1414ه.
  32. الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد: د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبةـ- القاهرة، مصرـ ط2، 1419ه-1999م.
  33. فقه السيرة النبوية: محمد الغزالي، الطبعة الأولى، دار النهضة- القاهرة.
  34. في ظلال القرآن: سيد قطب، دار الشروق- بيروت، طبعة جديدة مشروعة، 1393ç- 1973م.
  35. كيف نتعامل مع القرآن: محمد الغزالي، دار الانتفاضة ـ الجزائر.
  36. لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، ط1، دار صادر – بيروت.
  37. مجلة الوعي الإسلامي، الصادرة عن وزارة الأوقاف والإرشاد- دولة الكويت، العدد (530)
  38. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1422ه.
  39. مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان- بيروت – 1415 – 1995م.
  40. المسند: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، مؤسسة قرطبة – القاهرة.
  41. مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ: إبراهيم بن عمر البقاعي، مكتبة المعارف – الرياض، ط1، 1408 ç – 1987م.
  42. معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر- بيروت، 1399ç – 1979م.
  43. 43)  مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي- بيروت، ط3، 1420ه.
  44. منهجية القرآن المعرفية: محمد أبو القاسم حاج حمد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي- فرجينيا- أميركا، ط، 1411ه-1991م.

[1] – معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق : عبد السلام محمد هارون، دار الفكر- بيروت، 1399ç – 1979م: (4/110).

[2]– لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى: (12/ 134) وجاء نحو هذا في مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان- بيروت – 1415 – 1995: (1/189)

[3]– ينظر: دليل الناقد الأدبي: د. ميجان الرويلي، ود. سعد البازعي، ط4، بيروت_ لبنان: (186-187)

[4] – ينظر: التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، مؤسسة التاريخ العربي- بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1420ç/2000م: (30/ 146)

[5] – ينظر: مجلة الوعي الإسلامي، الصادرة عن وزارة الأوقاف والإرشاد- دولة الكويت، العدد (530)، مقال بعنوان ” البعد العالمي في الخطاب القرآني، بقلم: عبد الكريم حامدي.

[6] – صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، دار ابن كثير, اليمامة – بيروت، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة: الثالثة،،1407 – 1987م: (1/448) كتاب التيمم، حديث رقم (328)

[7] – في ظلال القرآن: سيد قطب، دار الشروق- بيروت، طبعة جديدة مشروعة، 1393ç- 1973م: ( 4/ 484)

[8] – ينظر: منهجية القرآن المعرفية: محمد أبو القاسم حاج حمد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ فرجينيا، أميركا، ط، 1411ه-1991م: (13- 92)

[9] – كيف نتعامل مع القرآن: محمد الغزالي، دار الانتفاضة ـ الجزائر: (482)

[10]– أضواء البيان: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع- بيروت- لبنان 1415 ç- 1995م: (3/ 350)

[11] – ينظر: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد: د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبةـ- القاهرة، مصرـ ط2، 1419ه-1999م: (21-31(

[12] – ينظر:” البعد العالمي في الخطاب القرآني، بقلم: عبد الكريم حامدي، مجلة الوعي الإسلامي، العدد: (530)

[13] – في ظلال القرآن: ( 5/ 302 )

[14] – ينظر: المصدر السابق: ( 3/302)

[15] -ينظر: التحرير والتنوير : ( 17/ 123)

[16] – الخصائص العامة للإسلام: د. يوسف القرضاوي، دار الشهاب- الجزائر: (59)

[17] – في ظلال القرآن: ( 1/ 2)

[18] – ينظر: ” البعد العالمي في الخطاب القرآني: عبد الكريم حامدي، مجلة الوعي الإسلامي- العدد: (530)

[19]– ينظر التحرير والتنوير: ( 5/54)

[20]– ينظر: أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة، طه جابر العلواني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ فرجينيا، أمريكا، ط1، 1417ç ـ 1996م: (85).

[21] – ينظر: تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر- بيروت، الطبعة الجديدة، 1414ç/1994م: (3/365)

[22] – ينظر: التحرير والتنوير: ( 10/100)

[23] – صحيح البخاري: (2/974) حديث رقم (2581) كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.

[24] – ينظر: مجلة الوعي الإسلامي، العدد ( 530)

[25]– صحيح البخاري: ( 1/448)

[26]– صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت: (4/1884) حديث رقم (2426)

[27] – ينظر: فقه السيرة النبوية: محمد الغزالي، الطبعة الأولى، دار النهضة- القاهرة: (392)

[28] – ينظر: المسند: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، مؤسسة قرطبة – القاهرة: (5/411) حديث رقم (23536)

[29] – ينظر: التحرير والتنوير: (1/200)

[30] – بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي- القاهرة: (1/99)

[31]– ينظر: التحرير والتنوير: (1/200)

[32] – تفسير روح البيان: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، دار إحياء التراث العربي- بيروت: (1/57)

[33]– بحر العلوم: أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: د. محمود مطرجي، دار الفكر – بيروت: (1/59)

[34]– بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: (1/139)

[35]– التحرير والتنوير: (1/320)

[36]– ينظر: التحرير والتنوير: (1/321)

[37] – تفسير الشعراوي: محمد متولي الشعراوي، مطابع أخبار اليوم- القاهرة: (1/184)

[38] – ينظر: التحرير والتنوير: (1/321)

[39] – تفسير الشعراوي: (2/697)

[40] – التفسير الوسيط: د وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر – دمشق، ط1، 1422ه: (1/78)

[41] – ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزير: (1/169). وينظر: التحرير والتنوير: (4/6-7)

[42] – ينظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: أبو بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم-المدينة المنورة، ط5، 1424ç-2003م: (1/433)

[43] – ينظر: التفسير الوسيط للزحيلي: (1/278- 279)

[44] – التفسير الوسيط للقرآن الكريم: محمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة، ط1: (3/20)

[45]– مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي- بيروت، ط3، 1420ه: (9/475)

[46] – ينظر: التفسير الوسيط للزحيلي: (1/278- 279)

[47] – ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: (1/238) وينظر: التحرير والتنوير: (11/5-6)

[48] – روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1415ه: (6/184)

[49] – المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1422ه: (3/146)

[50] – التفسير الوسيط للزحيلي: (2/1015)

[51] – ينظر: التحرير والتنوير: (17/134)

[52] – بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: (323)

[53] – التفسير الحديث: دروزة محمد عزت، دار إحياء الكتب العربية – القاهرة، ط1، 1383ه: (6/76)

[54] – ينظر: التحرير والتنوير: (19/216)

[55] – جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ه-2000م: (19/439)

[56] – التفسير الوسيط للزحيلي: (2/1869)

[57] – البحر المديد: أحمد بن محمد الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي، دار الكتب العلمية –بيروت، ط2، 1423ه-2002م: (4/271)

[58] – ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: ( 1/386) وينظر: التحرير والتنوير: (22/107)

[59] – ينظر: بحر العلوم: (7/142)

[60] – التحرير والتنوير: (22/113)

[61] – (تفسير السعدي) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي: تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1،1420ç -2000م: (684)

[62] – ينظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج: د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر – دمشق، ط2، 1418ه: (22/248)

[63] – فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني، دار ابن كثير- دمشق، دار الكلم الطيب- بيروت، ط1، 1414ه: (4/395)                                             

[64] – ينظر: التفسير الوسيط للزحيلي: (1/417)

[65] – التفسير الوسيط لطنطاوي: (3/398)

[66] – التفسير الوسيط لطنطاوي: (3/407)

[67] – مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) : (11/274)

[68] – ينظر: التحرير والتنوير: (8/6-7)

[69] – بصائر ذوي التمييز: (1/203)

[70] – تفسير المنار: محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 19990م: (9/255-256)

[71] – فتحُ البيان في مقاصد القرآن: أبو الطيب محمد صديق خان القِنَّوجي: عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر صَيدَا – بَيروت،1412ç – 1992م: (5/53)

[72] – تفسير المراغي: (9/84)

[73] – أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط1،1418ه: (3/116)

[74] – التحرير والتنوير: (11/108)

[75] – زهرة التفاسير: محمد بن أحمد بن مصطفى المعروف بأبي زهرة، دار الفكر العربي- بيروت: (7/3594)

[76] – التفسير الوسيط للزحيلي: (2/1017)

[77] – التفسير الواضح: محمد محمود حجازي، دار الجيل الجديد – بيروت، ط10، 1413ه: ( (2/94)

[78] – زهرة التفاسير: (9/5002)

[79] – ينظر: زهرة التفاسير: (7/3546)

[80] – ينظر: تفسير الشعراوي: (10/5857)

[81] – التحرير والتنوير: ( 17/135)

[82] – إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: محمد بن محمد العمادي أبو السعود، دار إحياء التراث العربي – بيروت: (6/91)

[83] – التفسير الوسيط للزحيلي: (2/1626)

[84] – التفسير الواضح لحجازي: (2/566)

[85] – دلائل النبوة: أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1405ه: (7/143)

[86] – ينظر: بصائر ذوي التمييز: (1/370) وينظر: التحرير والتنوير: (21/86-87)

[87] – التحرير والتنوير: (21/131)

[88] – تفسير الشعراوي: (19/11756)

[89] – التفسير الوسيط للزحيلي: (3/2121)

[90] – مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ: إبراهيم بن عمر البقاعي، مكتبة المعارف – الرياض، ط1، 1408 ç – 1987م: (3/5)

[91] – التحرير والتنوير: (26/ 187)

[92] – ينظر: الإتقان في علوم القرآن: عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394ç/ 1974 م: ( 1/49)

[93] – التحرير والتنوير: (26/ 187)

[94] – في ظلال القرآن: (7/3)

[95] – التحرير والتنوير: (26/215)