خاص هيئة علماء فلسطين

         

هل أغضبك العنوان؟؟

إن مصيبة المصائب هي أن تقرأ هذا العنوان ولا تغضب، ولا يتمعَّرُ وجهك غضبًا ممَّا أنجزه الصهاينة فعلًا تحت أقدس مقدساتنا المحتلَّة، والعنوان صحيح ومؤلم لذلك أتمنى عليك إتمام القراءة ثم ابحث لنفسك عن دور حقيقي تقوم به في سبيل العمل الحقيقي لتحرير القدس والمسجد الأقصى المبارك، وهذا ما سنكتبه في مقالنا القادم إن شاء الله تعالى.

تمَّ احتلال القدس يوم الأربعاء 29 صفر 1387 هج الموافق 7/6/ 1967 م، أي منذ 56 سنة هجرية ونصف السنة ومنذ 54 سنة ميلادية، ومنذ ذلك اليوم الأول لاحتلال القدس والمسجد الأقصى المبارك بدأ الصهاينة بتهويد المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك دونما تأخير، وقد كان أول عمل تهويدي كبير هو هدم حارة المغاربة (خاصرة المسجد الأقصى المبارك الغربية)، 135 بيت أثري، 135 كنز حضاري، إضافة إلى خلوة سيدي بومدين الغوث وأربع مصليات، وقد تمَّ هدم هذه الحارة في ثلاثة أيام متتالية أيام الأحد والإثنين والثلاثاء 11 و 12 و13/6/ 1967 م، مرفق صورة الحارة قبل الهدم توضح موقع حارة المغاربة وموقع تلة المغاربة وموقع باب المغاربة التي سنوضح بعد قليل الهدف الحقيقي من هدمها في أول إنجاز تهويدي للمدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك.

ومنذ ذلك التاريخ ونحن والعالم كله نعلم ونقول ونكتب عن الحفريات الصهيونية وعن الأنفاق الصهيونية في محيط المسجد الأقصى المبارك، وليس بمقدور أي مسلم كان أميرًا كان أو ملكًا أو رئيسًا أو مسؤولًا أو محبًا للقدس والمسجد الأقصى المبارك أن ينكر علمه بوجود تلك الحفريات والأنفاق، لكن من يعلم حقيقةً إلى أي حد تمَّ إنجازات كبيرة تحت الأرض، نعم تحت الأرض المباركة وتحت أساسات مسجدنا الأقصى المبارك بكل مساحته ال 144 ألف متر مربع، وليس خافيًا على المهتمِّين تسلل الجنرال المجرم موسيه دايان مع عدد من جنود الاحتلال وممتهني حفر الآثار عام 1967 م، حيث تسللوا عبر شبكة القنوات الصخرية الموجودة تحت كل القدس وتحت المسجد الأقصى المبارك، وقد سلَّمت بريطانيا (أم مصائبنا) للصهاينة كل ما كان بحوزتها من خرائط قامت بإعداد بعضها أيام الخلافة العثمانية، وقامت بإعداد بعضها الآخر طيلة ثلاثين عامٍ من الاحتلال البريطاني لفلسطين، بحجة حفر قنوات صخرية بهدف إيصال المياه للقدس ولكنيسة القيامة، أما هدفها الحقيقي فكان البحث عن أي أثر يربط اليهود بالقدس، وقد فشلوا في هدفهم الحقيقي لكنهم صار بحوزتهم خرائط دقيقة للغاية لكل الحفريات الموجودة تحت القدس والمسجد الأقصى المبارك، والتي أزعم أنها ليست موجودة كلها لدى أي إدارة فلسطينية للقدس سواءً مدنية كانت أو دينية، اقصد السلطة الفلسطينية والأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية.

ولن أخوض هنا في حفريات الجنرال البريطاني تشارلز وارين ايضًا ولا كل وثائق الأوقاف في القدس عن وجود حفريات صخرية تحت الأقصى القديم وتحت كل تسويات المسجد الأقصى المبارك سواءً الشرقية (المصلى المرواني) أو الغربية (المرواني الغربي إن صح التعبير أو خزانات المياه المغلقة منذ أكثر من قرن دون صيانة أو ترميم)، ولعلي هنا أقف طويلًا لأقول بل لأصرخ بأعلى صوتي: إن الصهاينة نفذوا إلى هذه التسوية الجنوب غربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وإن هذه التسوية التي تكاد مساحتها تصل إلى 5000 متر مربع تقريبًا أو أقل من ذلك بقليل مربوطة ضمن شبكة الأنفاق الكثيرة التي أنجزها الاحتلال خلال هذه ال 54 سنة ميلادية، وما إزالة تلة المغاربة (الملاصقة تمامًا للجدار الغربي لهذه التسوية) إلا خطوة من خطوات تأهيل هذه التسوية الجنوب غربية، وما إزالة أكثر من ستة أمتار من الردم المحيط بالزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الأقصى المبارك ومصادرة كل حجارتها القديمة وتنخيل كل ترابها ونقله إلى أمكنة مجهولة لنا، إلا خطوات أخرى في تأهيل هذه التسوية، وما نزع صلاحيات الأوقاف الإسلامية في القدس في صيانة وترميم الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك (المجاور تمامًا لهذه التسوية من جهة الجنوب) إلا خطوة أخرى في تأهيل هذه التسوية، وقد راينا بأعيننا خلال الأربعة الماضية -مذ نصب الاحتلال سقالات الصيانة على الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك- نقل مئات الأطنان من الأتربة التي يستخدم الاحتلال لنقلها الرافعات كأنه يفرِّغُ منجمًا من الأتربة، أو يفرِّغُ فضاءات واسعة ويوسعها ويؤهلها لتكون كُنُسًا له تحت الأرض ولكن ليس تحت أي أرض بل تحت أرض مسجدنا الأقصى المبارك، وقد تم نشر صور بعض الفضاءات التي تم اكتشافها تحت السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك بعد تأهيلها ضمن نفق الحمشونائيم وغيره من الأنفاق التي أحصتها مؤسسة القدس الدولية فزادت عن 55 نفق وحفرية أكثرها في الجهة الغربية والجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، وإن تكرار سقوط الحجارة من السور الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك وتحديدًا في التسوية الجنوبية الوسطى التي تحمل اسم الأقصى القديم الواقعة تحت الجامع القبلي تمامًا وقد تكرر سقوط الحجارة يوم 14/ 6/ 2022 ويوم 16/ 6/ 2022 ويوم 1/7/ 2022 م، وما تزال الأتربة تتساقط على المصلين والمتواجدين في تسوية الأقصى القديم، الأمر الذي ينذر بخطر كبير، وكان أحد حجارة حائط البراق قد سقط بالفعل يوم الإثنين 23/ 7/ 2018 م الأمر الذي يعني أن هذه الحجارة لا تسقط وحدها أو تسقط جزافًا بل إن هناك مسببات لعل أخطرها تلك الحفريات التي تستمر منذ 55 عام ليل نهار دون إجازات أو أعياد أو استراحات.

ولعلي حتى أوضح خطورة ما أقوله أُذكر بما فعله الاحتلال عام 1996 حين قَدِمَ إيهود باراك وكان رئيسًا للوزراء في ذلك الوقت لافتتاح الدرج الجنوبي الذي بناه الاحتلال مقابل الباب الثلاثي المغلق، وإذا علمنا أن هذا الباب الثلاثي المغلق هو أحد بوابات المصلى المرواني تتضح الصورة ويتضح سبب بناء هذا الدرج الذي ينتهي عند الباب الثلاثي (مرفق صورة)، إلا أن الله تعالى سخر الشيخ رائد صلاح حفظه الله تعالى لينادي بخطورة ما يحدث ويباشر هو والحركة الإسلامية في الداخل المحتل (قبل حظرها بالطبع) ومعه أهل بيت المقدس الصامدون المرابطون، حيث قاموا بحفر المنطقة الشرقية بحثًا عن بوابات المصلى المرواني المدفونة وتم تفريغه من عشرات الأطنان من الأتربة، وتم تبليطه وتبليط درج الشيخ رائد صلاح الذي يستخدم الآن للنزول لهذه البوابتين الضخمتين اللواتي يتم استخدامها الآن كبوابات رئيسية للمصلى المرواني الشرقي، وتم بفضل الله تعالى ثم بجهد المرابطين الأبطال إنقاذ المصلى المرواني الشرقي من أن يتم تحويله إلى كنيس يهودي ضمن مساحة المسجد الأقصى المبارك، الأمر الذي لم يتم مع المصلى المرواني الغربي أو التسوية الجنوب غربية للمسجد الأقصى المبارك حتى الآن.

ولعل السؤال المنطقي الذي يتبادر للذهن: طالما أنهم نفذوا إلى هذه التسوية الثمينة جدا والمقدسة والمباركة أيضاً وهم يعملون بها وبغيرها من الفضاءات والمُغُر (جمع مغارة) الموجودة تحت المسجد الأقصى المبارك، وتحت أحياء القدس القديمة المسورة أيضاً، فلماذا لم يعلنوا عن هذه الإنجازات المهمة -بالنسبة لهم- ولماذا لا يجاهرون بالعمل من خلال فتح بوابات ضخمة جهة الغرب أو جهة الجنوب؟؟؟ وهل ستكون هذه الإنجازات ضمن الحملات الانتخابية القادمة؟؟؟

وللإجابة عن هذا السؤال يمكننا استذكار أن هبات المقدسيين كلها كانت بسبب القدس والمسجد الأقصى المبارك بدءًا بانتفاضة حائط البراق 1929 م إلى الانتفاضة الأولى 1987 م وانتفاضة النفق 1996 م والانتفاضة الثانية 2000 م وحرب السكاكين 2015 م وهبِّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية 2017 م وهبِّة باب الرحمة 2019 م وهبِّة باب العمود 2021 م وعليه فإن الاحتلال سيعد ليس للعشرة بل سيعد للمليون قبل الإعلان عن هذه الخطوات التهويدية الخطيرة والتي قد يساعدهم في تمريرها أو الضغط الكبير لتخفيف آثار الإعلان عنها بعض الأنظمة العربية التي طبعت علاقاتها مع دولة الاحتلال الصهيوني المجرم، ويستعدون لإعلان حلف جديد يكون فيها دولة الاحتلال المركز والدولة الأهم في الحلف الجديد، لكن هل هذا سينطلي على أصحاب القضية؟؟؟ وأصحاب هذه القضية هم الأمة الإسلامية كلها، وكل منا له دوره في معركة التحرير القادمة.

د. محمود سعيد الشجراوي

قسم القدس/ هيئة علماء فلسطين