الأستاذ الدكتور الشيخ عمر سليمان الأشقر رحمه الله وأسكنه فسيح جناته

بقلم: د. أسامة أبو بكر *‏

ترتجف الأيدي عند الحديث أو الكتابة عن العظماء، وتتزاحم الأفكار والخواطر، فبأي باب أبدأ، ومن أي ‏زاوية أتناول الترجمة، وليس عجبًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء ‏لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم)، فلك أن تتخيل أن الحديث سيتناول وارثًا من ورثة النبوة ‏العظيمة، فيا له من فخار وعزة وجلال، ويا له من اصطفاء عظيم يصطفي الله به من عباده من يحملون هذا ‏العلم، ويعملون به، فيكونون مشاعل هدى للناس، فاللهم تقبلهم عندك.‏

تتناول هذه الترجمة المختصرة، ذكر عالم وداعية ومجاهد من النخبة ومن بقية السلف نحسبه كذلك ‏ولا نزكيه على الله، وهو رجل طلب العلم، واجتهد ليعمل به وينشره، فوضع الله له القبول، وفتح له باب ‏الإنجاز، على صعيده الشخصي، وعلى صعيد عمله لهذا الدين.‏

إنه العالم الداعية الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر، الذي ولد في قرية (برقة) قضاء مدينة ‏‏(نابلس) في الخامس من شهر ذي الحجة عام (1359هـ) الموافق للسادس والعشرين من شهر تشرين ثاني ‏‏(نوفمبر) عام 1940، وهو ينتسب لأسرة “الأشقر”، والتي ترجع بأصولها إلى الجزيرة العربية من قبيلة ‏عتيبة وهي  فرع من فروع «الرُّوْقة» المنتشرين في عالية نجد.‏

عاش رحمه الله في ظل أسرة متوسطة الحال في تلك القرية، ومع أن والديه كانا أميين، إلا أنهما ‏كانا يحبان الدين والعلماء، ويحافظان على الصلاة، ويتخلقان بأخلاق الإسلام، ولا يقبلان بالمنكرات.‏

أنهى الشيخ تعليمه الأساسي بنابلس، وخرج من فلسطين وعمره ثلاث عشرة سنة إلى الرياض ‏بالسعودية سنة 1953م، ودرس فيها خمس سنين حتى أكمل الثانوية الشرعية، ثم درس سنة واحدة في ‏الجامعة بالرياض، ثم ما لبث أن انتقل لدراسة الشريعة في المدينة المنورة عندما افتتحت الجامعة الإسلامية ‏فيها‎.‎

أتم الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصل على البكالوريوس من كلية الشريعة، ‏ومكث في المدينة فترة من الزمن، وقد استفاد كثيراً من فترة وجوده في المدينة المنورة بمجالسة العلماء في ‏المسجد النبوي، وفي الجامعة الإسلامية، فقد تتلمذ على الشيخ محمد مختار الشنقيطي، والشيخ عبدالعزيز ‏بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمهم الله جميعاً، وكان له ارتباط خاص بالشيخ بن باز، وكان ‏يديم صحبته بين الجامعة والمكتبة والسكن، وتأثر به كثيراً واستقى منه المنهج السلفي المعتدل، وكان يعتبر ‏أن شيخه الأول هو أخوه العالم الأصولي الدكتور محمد سليمان الأشقر رحمه الله.‏

كما استفاد كثيراً من زيارات العديد من الشخصيات والعلماء للمدينة المنورة أمثال الحاج أمين ‏الحسيني، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ أبو الحسن الندوي. كما أنه تواصل بعد ذلك مع عدد من ‏العلماء والدعاة منهم العلاّمة الشيخ محمد بهجت البيطار، والشيخ عبدالرحمن الباني، وفضيلة الشيخ ‏الدكتور يوسف القرضاوي. وفضيلة الشيخ محمد الغزالي.‏

ثم غادر إلى الكويت عام 1966م، واستكمل رحلته العلمية بالحصول على درجة الماجستير في ‏أصول الفقه من كلية الشريعة بجامعة الأزهر عام 1974م، ثم حصل على الدكتوراه في الفقه المقارن بتقدير ‏ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الشريعة بجامعة الأزهر عام 1980م وكانت رسالته بعنوان ‏‏”مقاصد المكلفين فيما يُتعبد به لرب العالمين‏‎”.‎

تعرف إلى جمع من العلماء، أكثرهم ممن كان يدرس في كلية الشريعة، منهم فضيلة الشيخ ‏عبدالغني عبدالخالق، وشقيقه فضيلة الشيخ مصطفى عبدالخالق، وفضيلة الشيخ محمد أبو النور زهير‎.‎

وتعرف الشيخ في مسيرة حياته إلى بعض الدعاة وصحبهم من أمثال الشيخ سعيد حوى، والداعية ‏فتحي يكن، والداعية فيصل مولوي وصاحبه الداعية إبراهيم المصري، والداعية المجاهد الدكتور الشهيد ‏عبدالله عزام رحمهم الله جميعاً ، -وأمد الله بعمر الشيخ إبراهيم المصري أمير الجماعة الإسلامية في لبنان-، ‏كما كانت له صحبة طيبة وعلاقة وطيدة بالشيخ عبدالرحمن عبدالخالق رحمه الله منذ أيام الدراسة في ‏المدينة المنورة، وفي فترة طويلة في الكويت.‏

عمل أميناً لمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بطلب من الشيخ عبد العزيز بن باز عام ‏‏1961م ولمدة أربع سنوات ، ثم عمل بالتدريس في الكويت في مدرسة المتنبي المتوسطة نحو ست سنوات، ‏ثم انتقل إلى مدرسة خالد بن الوليد المتوسطة لمدة سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة عبدالله السالم الثانوية عام ‏‏1972م، ثم انتقل إلى معهد المعلمات عام 1977م‎.‎

ثم عمل مدرساً في كلية الشريعة بجامعة الكويت وبقي بها حتى عام 1990م ثم خرج منها إلى ‏الأردن وعين أستاذاً في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، وبعدها عميداً لكلية الشريعة بجامعة الزرقاء، ثم ‏تفرغ للبحث العلمي والكتابة في آخر حياته، وكان رحمه الله زاهداً جداً في المناصب الإدارية لأنه كان ‏يراها قاتلةً للعمل العلمي والدعوي.‏

وقد اجتهد الشيخ رحمه الله مع أخيه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في تنشيط الدعوة في مساجد ‏الكويت، ونشط الشيخ في تأسيس نشاط ما يسمى بـ (الجماعة الإسلامية) في المدارس، وكان لهذا أثرًا كبيرًا ‏في إثراء العمل الدعوي هناك، كذلك كانت له دروس في الفقه والتفسير، وكان يخطب الجمعة بأسلوب سهل ‏رصين.‏

كان الشيخ رحمه الله يؤمن بأن العلماء هم صمام الأمان في المجتمعات، وهم أساس التغيير إلى ‏الحق والخير، وكانت تتلخص رؤيته للعلماء ودورهم بالآتي:‏

‎”‎الذين نريدهم من العلماء هم العلماء الذين يقصدون بعلمهم وجه الله حقاً وصدقاً‎.‎

‎-‎              ونريد بهم الذين حصلوا العلم الشرعي حقاً وصدقاً‎.‎

‎-‎              ونريد الذين آثروا الآخرة على الدنيا‎.‎

‎-‎              ونريد بهم الذين يعرفون أحوال الأمة ويهتمون بشؤونها‎.‎

‎-‎              ونريد بهم القادرين على إقامة جسور التواصل مع أهل العلم وغيرهم‎.‎

‎-‎              يعرفون أعداء الله وأعدائهم أمتهم، ويعرفون ما يريد الأعداء بهم وبأمتهم، ويعلمون ما خططوا له ‏لتدمير هذه الأمة‎.‎

‏-‏              يعرفون نقاط ضعف الأمة ونقاط قوتها، ويعرفون كيف يحولون ضعفها قوة، وتأخرها تقدماً، ‏وخوارها عزة” .‏

لقد هيأ الله للشيخ عمر أن يسافر للدعوة إلى الله تعالى ولنشر العلم الشرعي، حيث قام بزيارة كثير ‏من الدول العربية والأجنبية في أنحاء الدنيا، فقد عرفته المؤتمرات الشبابية الطلابية الإسلامية في أمريكا ‏وباكستان والخليج، وأوروبا وغيرها.‏

وفي خضم كل تلك الانشغالات الكبيرة؛ حيث كان يقضي ساعات طوال في القراءة والكتابة والرد ‏على أسئلة المستفتين، وكانت له دروسه في المساجد، ورحلاته الدعوية، إلا أنه كان لا يقصر في لقاء أهله ‏وعائلته، وتحسس أحوالهم، واللقاء به ومؤانستهم، فلكل حق ولكل وقت، وكذلك مع أقاربه وطلابه ومحبيه.‏

وأما عن العمل الكبير الذي شغل الشيخ، وكان له نصيب وافر في حياته، فهو العمل لفلسطين، ‏وسعى لإنشاء جيل من الرجال الربانيين يحملون علمًا شرعيًا، وأخلاقًا وتربية، وفقهًا عميقًا، واجتهاد ‏وصلابة في العمل، وكان حريصاً على تأكيد البعد الإسلامي للقضية، ويضيق ذرعًا حين تختصر فلسطين ‏بالفلسطينيين؛ بل كان يراها أرحب من ذلك بكثير”. أسّس أساس البناء الفكري للعمل الإسلامي للقضية ‏الفلسطينية في وثيقة (مخطوطة) في عام 1983م .‏

حرص على شحذ همم الشباب المتعطّش للعمل ليستلموا همُ الراية، ودفع أقرانه في سبعينيات ‏وثمانينيات القرن الماضي لإفساح المجال لهؤلاء الشباب الذين انطلقوا يجوبون الآفاق؛ فكانت بذرة حركة ‏حماس في الخارج‎.‎

وفي تلك الأثناء اهتم الشيخ عمر ورفاقه بالعمل الإسلامي بالقضية الفلسطينية في الداخل والخارج، ‏وأخذوا يسبرون الآفاق، ومجالات الإعداد والتدريب؛ كما كان يجري التواصل مع فلسطين وخصوصًا تلك ‏جهود الشيخ أحمد ياسين رحمه الله ورفاقه‎.‎

ومما لا يعرفه كثير من الناس؛ أن الشيخ عمر رحمه الله؛ كان أحد مؤسسي حركة حماس، وقد ‏انتخب رئيساً لأول مجلس شورى لها سنة 1989م؛ -دون إرادته وبغير رغبته؛ إذ إنه بطبيعته يتجنب ‏المسؤوليات الإدارية والحركية، فحاول الاعتذار لكن لم يقبل عذره. ‏

وظل الشيخ عمر على صلته الفاعلة بحماس بعد انتقاله وانتقال قيادتها إلى الإقامة في الأردن، ‏حيث انتقل هو للتدريس في الجامعة الأردنية ثم في جامعة الزرقاء؛ غير أن ظروف الحياة الجديدة، وعدم ‏رغبته في لعب دور قيادي ظاهر، وقناعته بأن قيادة الحركة الشابة قادرة على القيام بالمهام على أحسن ‏وجه، وأنه يجب أن يُوسَّع لها وأن تأخذ فرصتها، ورغبته في متابعة حياته الأكاديمية والاستمرار في التأليف ‏والكتابة العلمية… كل ذلك أدّى إلى أن يقل دور الشيخ تدريجيًا في عمل الحركة. وأسلَم الراية، وترك ‏الأضواء -والتي لو شاء لكان له النصيب الأوفر منها- ولكنّه لم يترك العمل فبقي في مكانته مرشدًا وموجهًا ‏ومراقبًا للعمل.‏

رحل الشيخ وقد ترك إرثًا علميًا كبيرًا؛ بلغ ستين كتابًا وكتيبًا؛ تنوعت مواضيعها بين العقيدة والفقه ‏والدعوة والتفسير والتزكية، وشارك في بعضها مع علماء آخرين؛ إضافة إلى كتابته لكثير من الأبحاث ‏العلمية المحكمة، والمقالات المتنوعة.‏

وكان من عادة الشيخ رحمه الله أنه إذا وجد من خلال الواقع أو المطالعة موضوعاً يستحق الكتابة ‏تجده فوراً يفتح ملفاً خاصاً بهذا الموضوع، وهكذا مع توالي الأيام والسنين تجده يفرز ما يقرأه من كتب ‏وصحف ومجلات في هذه الملفات، فتتشكل المادة العلمية لديه تباعاً، فيسهل عليه التأليف ويوفر بذلك الوقت ‏والجهد ويستفيد من قراءاته استفادة مضاعفة لأكثر من مشروع علمي، وهي الطريقة التي أسهمت في أن ‏يكون الشيخ مكثراً من التصنيف والتأليف؛ هذا بالإضافة إلى إشرافه ومناقشته لكثير من رسائل الماجستير ‏والدكتوراه.‏

ومما كان يميز الشيخ رحمه الله في فقهه وفي حديثه وفي تعامله مع الناس، التزامه بالكتاب والسنة، ‏وبعده عن الشبهات والحيل، وترويه الشديد ونظره الدقيق في كل مسألة؛ كذلك كان يتميز بالدقة والوضوح ‏والتركيز والاختصار، فكثيرًا ما كان يجيب بكلمتين أو ثلاثة، وكثيرًا ما تكون الإجابة بكلمة “لا بأس” أو “لا ‏ينبغي” وإذا كان ثمة شرح فعادة ما تكون إجاباته شافية كافية مصحوبة بدليل حاسم‎.‎

كما كان لا يتردد في أن يقول في إجاباته أنه (لا يعلم)، ولم يكن يهتم كثيراً إن كانت إجابته تخالف ‏أحياناً المألوف أو ما درج عليه الناس.‏

وأمر آخر عجيب .. إنه بصيرته التي كان يتميز بها، فكم من مسألة سئل عنها، فأجاب بصورة ‏يستبعدها السامع، ثم ما يلبث الأمر أن يتحقق كما أجاب، وكم من مشورة قدمها لمن حوله، فكان فيها الخير ‏والبركة.‏

وقد أمضى رحمه الله عشر سنين عضوًا في هيئة الإفتاء الأردنية، وشارك في كثير من اللقاءات ‏الإذاعية والتلفزيونية.‏

لقد كان صابراً -رحمه الله- على البلاء والمرض، فمنذ أن عرف خبر إصابته بالسرطان، وهو ‏صابر محتسب يرجو من الله تعالى الأجر والثواب، ويكثر أن يقول إن ذلك رحمة من الله عز وجل، وما ‏أصابني لا شيء في جنب ما أصاب الأنبياء والصالحين، وكان حريصاً على التداوي بما ورد في السنة‎.‎

وكانت أيامه الأخيرة مليئة بالمصابرة، وكان يردد حين يعاتب في قلة تناوله الطعام والشراب، ‏فيقول: يطعمني ربي ويسقيني، فالمريض في رعاية الله ورحمته، وقد أكرمه الله تعالى بأن مات مبطوناً ‏والمبطون شهيد كما في الحديث الصحيح‎.‎

قبض رحمه الله يوم 22 رمضان عام 1433هـ في العاصمة الأردنية عمان وفي جمعة رمضانية ‏من العشر الأواخر المباركة عن عمر يناهز اثنين وسبعين عاماً.  ولعل ذلك فأل خير بحسن الخاتمة إن شاء ‏الله.‏

وقد رثاه الشاعر حامد العلي قائلًا:‏

دمعُ العيونِ على الفقيدِ ذَرَاف ** كنزُ العلومِ ، وسيّدُ الأشرافِ

والقلبُ يبكي ، والضلوعُ كأنهّا ** بين الصَّوارمِ ، والقَنا الرعّافِ

يا ناشرَ النَّعْي الحزينِ بأمّـةٍ  ** والشامُ تُذبحُ ، والخطوبُ سوافي‏

رانَ الذهولُ على الأنامِ فسائلٌ  **  هل ماتَ وارثُ منهجِ الأسْلافِ‏

ومُكذبٌ لا يستطيعُ سماعَها ** يرْمي النُّعاةَ بمقْصَدِ الإرجافِ

قد كانَ بين العارفينَ ككوْكبٍ ** أو نهْـرِ علمٍ من نميرٍ صافي

ألقى إليه العارفونَ بعلْمهم ** ما شئتَ من نقدٍ ومن إشرافِ

وتنوُّرٌ بالمعضلاتِ كأنّهُ ** إشراقُ شمسٍ بالضّياءِ الضّافي

نادى يجاهرُ بالجهادِ لأمّةٍ ** ويقول : كلُّ العزِّ بالأسيافِ

عُمَرٌ هدى الدّنيا بشمْسِ عُلومِهِ ** نورُ التقاة ، وقدوةُ الأخْلافِ

والله ما ماتَ الذي بعلومِهِ **أحيا من الأمواتِ بالآلافِ

* رابط ترجمة د. أسامة أبو بكر:

https://drive.google.com/file/d/1UJH-D0XGFyjd_vajT4-HWdlAY0pZcMCu/view?usp=sharing