مقابلة د. محمود الشجراوي حول صفقة القرن

    

نائب رئيس قسم القدس في هيئة علماء فلسطين

بدايةً نرحب بكم ضيفاً كريماً في موقع هيئة علماء فلسطين

حياكم الله تعالى

1- نرجو أن نسمع منكم كلمة حول صفقة القرن؟

صفقة القرن واحدة من مشاريع التسوية ومشاريع إنهاء القضية الفلسطينية، ومكانها الصحيح على الرف مع ما سبقها من مبادرات التسوية ومؤامرات إنهاء القضية الفلسطينية، فمن يضع هذه المبادرات والمؤامرات لم يقرأ التاريخ جيداً، فطالما بقي محرك و”دينمو” القضية حيّاً موجوداً فلن تفلح جهودهم، والـ”دينمو” الحقيقي والمحرك الذي يحيي القضية كلّما خبت هو وجود بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك في قلب فلسطين، وبما أن المسجد الأقصى المبارك كلمتين من كتاب الله والقدس خمس آيات في كتاب الله وقد تعهد الله تعالى بحفظ كتابه فبيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك محفوظان بحفظ الله تعالى لكتابه العزيز، وعليه فالقضية الفلسطينية كذلك لا خوف عليها من التصفية أو النسيان، وعليه فصفقة القرن فاشلة وميتة قبل أن تولد وقبل أن يعلن عنها المأزومان ترامب ونتنياهو، ومَن هو المسلم أو العربي _مهما كان عميلاً ومتخاذلاً_ الذي يجرؤ أن يعلن استعداده التنازل والتخلي عن القدس والمسجد الأقصى المبارك؟!

والصفقة تتعرض لثلاث ثوابت مهمة من عقيدة المسلمين:

1- فهي تتحدث عن التنازل التام عن القدس والمسجد الأقصى المبارك، 2- وتتحدث عن تفكيك وتسليم سلاح المقاومة الفلسطينية 3- وتتعرض لحق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وحق المسلمين كل المسلمين بالعودة إلى مسرى محمد صلى الله عليه وسلم وقبلتهم الأولى.

وعليه فلا خوف على القضية ولا على ثوابت الأمة من هذه الصفقة التي ستموت مع نهاية فترة صاحبها الانتخابية وتلتحق بمثيلاتها في مزبلة التاريخ ومقبرة مؤامرات الأعداء والخونة والعملاء على بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك، الذي بقي وهلك المغول وهلك الصليبيون وسيهلك الصهاينة ويبقى المسجد الأقصى المبارك، فمن سماه يحفظه، ومن باركه سيبقيه لمن يؤمنون ببركته ويستحقونها.

2- العلماء هم ورثة الأنبياء ومنارات هداية للأمة… من هم العلماء الذين يستحقون هذه الأوصاف؟

الحديث عن العلماء الربانيين الذين يبلغون رسالات الله تعالى ولا يخشون في الله لومة لائم هؤلاء كانوا دائماً صمام الأمان للأمة، فكان مقياس ذلك في تاريخ الأمة المقولة الرائعة: نِعم الأمراء على أبواب العلماء وبئس العلماء على أبواب الأمراء. والعلماء اليوم حالهم كحال العلماء دائماً ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، وهم:

  1. العلماء الربانيون الذين يقدمون أعمارهم وأرواحهم يقودون العمل الجهادي والعمل الإصلاحي وينكرون على من ولي الأمر حين يتجاوز حدود الله، وقد يتعرضون للقتل أو السجن أو التعذيب أو لكل ما ذكرنا.
  2. علماء السلاطين، وهؤلاء يبحثون للحاكم عن رخص ويجدون له مخارج شرعية لكل أعماله، يسبحون بحمده كأنه هو من يملك الرزق والأجل، وضرر هؤلاء أشد على الأمة من ضرر أعدائها، ويتبعهم أكثر العوام على اعتبار أنهم علماء يحدثون قال الله وقال الرسول ثم يسخرون علمهم لما يأتي لهم بالمنافع الدنيوية ورضى من ولي الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
  3. علماء الوسط، وهؤلاء يحبون أن يكونوا مع النوع الأول ولكن جبنهم وخوفهم يمنعهم من المبادرة وحمل لواء العلم الحقيقي ودرب ذات الشوكة في العلم ويرفضون في نفس الوقت أن يكونوا علماء سلاطين مكشوفين سود الوجوه في الدنيا والآخرة ويؤثرون الصمت والسلامة، وهؤلاء أيضاً ضررهم لا يقل عن ضرر علماء السلاطين على الأمة التي تنتظر كلمتهم وتسير خلفهم.

يقول صاحب تفسير في ظلال القرآن: ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه، واتباع الهوى به.. هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم –في وهمهم– عرض الحياة الدنيا، وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعاً.

3- لقد شهدت القضية الفلسطينية تقزيماً لحقيقة الصراع، فتحولت من قضية إسلامية إلى قضية عربية، ثمَّ إلى قضية فلسطينية يتعاطف معها العرب والمسلمون… فما الذي ينبغي أن يفعله العلماء لإعادة القضية الفلسطينية إلى عمقها الإسلامي؟

هذا السؤال هو جوهر العمل العلمائي وقمة واجبهم تجاه القضية الفلسطينية وتجاه الأقصى المبارك، ولا يمكن أن يقوم بهذه المهمة غيرهم، فالقضية إسلامية بامتياز، فيها آيات مباركات وأحاديث صحيحة، وتقزيم القضية فيه إخراج لجحافل الأمة وحرمان لها من شرف حمل لواء محمد صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، وفيه خسارة كبيرة لتحييد ملياري مسلم عن جوهر الصراع مع الكيان الصهيوني الغاشم ومن يدعمونه، وفيه أخيراً إنهاء للمشروع الإسلامي السني الذي _فيما أحسب_ لن تجد الأمة ما يجمع كلمتها ويوحد صفها أعظم من قضية بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك.

4- هل من كلمة توجهونها إلى علماء الأمة ودعاتها وخطبائها حول صفقة القرن؟

أقول باختصار: إن الله تعالى ناصر دينه بك وبغيرك، فاحرص أن يكتب الله لك في موازينك يوم القيامة أنك كنت رجلاً عظيماً رفض الضيم وعمل لإعلاء كلمة الله، عاش وعمل لتحرير بوابة السماء.

أنت اليوم تقف في مكان كان يقف فيه محمد صلى الله عليه وسلم خطيباً وإماماً، فاحرص أن يكون لك دور _مهما صغر_ في العمل المبارك لتحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك، فأنت المستفيد وهي موازينك يوم القيامة، وإن الله تعالى سائلك عن القدس والمسجد الأقصى المبارك، فأعدَّ للسؤال جواباً صواباً.

ولتكن لك في علماء الأمة السابقين قدوة ومثال، الذين قادوا جحافل النصر والجهاد، وما الشيخ ابن تيمية منك ببعيد، وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وعز الدين القسام والشيخ عبد الله عزام والشيخ أحمد يس  وغيرهم من علماء الأمة.

5- الاحتلال “الإسرائيلي” يعمل على تهويد المقدسات الإسلامية في القدس خصوصاً، ما واجب العلماء؟ وما واجب عموم المسلمين؟

التهويد هو تتغير هوية الأرض والإنسان والزمان والمكان تزوير التاريخ والجغرافيا، وواجب العلماء فضح ذلك وتبيينه وتوضيحه والحث على كشف كل طرق التهويد، ومنها التطبيع وجعل وجود المحتل في مقدساتنا أمراً طبيعياً، وتغيير ذلك هو جوهر مهمة العملاء.

6- قاد الشيخ عز الدين القسام _وهو من خارج فلسطين_ الثورة على أرض فلسطين، واستشهد هناك…. فماذا نستفيد من هذا؟

هذا السؤال فيه مغالطة كبيرة وتكريس لحدود سايكس بيكو؛ ففلسطين في التاريخ كانت جنوب سوريا وكانت جزءاً من أرض المسلمين، والشيخ القسام لم يكن في فلسطين غريباً ولا مغترباً، بل انتقل من أرضه في جبلة إلى أرضه في جنين ويعبد، ومن أهله في اللاذقية إلى أهله في جنين.

ولعل صاحب السؤال سيجعل من عمر بن الخطاب سعودياً ومن صلاح الدين الأيوبي عراقياً ومن قطز تركمانياً!!!!!

فلسطين أرض المسلمين، وواجب العمل لتحريرها هو واجب كل مسلم، وواجب القادة والعلماء أكبر من واجب العامة والشعوب؛ فهم من سيقود الأمة نحو عزها ومجدها ووحدتها، وما كانت الأمة عزيزة قوية موحدة إلا وكان المسجد الأقصى المبارك في حوزتها، ولا ضعفت وتفرقت كلمتها وذلت إلا وكان أول ما تفقد بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك.

بارك الله فيكم، وكل الشكر لكم منا ومن متابعي موقعنا، ونشكركم على إتاحة الفرصة للقائكم.

قد يعجبك أيضاً