خاص هيئة علماء فلسطين

         

إبراهيم باجس عبد المجيد / باحث دراسات تراثية

إذا أردت أن تتنسَّم عبير القدس لا بد لك أن تدخل إليها من باب من أبوابها، لترى التاريخ وترى التراث وترى الحضارة وتشاهد قُدسية المكان.

وللقدس أحد عشر باباً، منها ما هو مفتوح، ومنها ما أغلقته سلطات الاحتلال. ولعلَّ أكثرها شهرةً اليوم وأكثرها ذيوعاً على الألسنة وفي وسائل الإعلام اليوم، مع أنه هو أصغر أبواب القدس جميعها، هو (باب المغاربة)، الذي يصل المسجد الأقصى بحي من أحياء القدس أو حارة من حاراتها، هو حي المغاربة، الذي أقدم الصهاينة على هدمه فور احتلالهم لمدينة القدس.

وتنبع أهمية هذا الباب والحي القريب منه، كونهما الأقربَ إلى المسجد الأقصى والألصق به، وتحديداً إلى (حائط البراق)، الذي يسميه المحتلون (حائط المبكى). وهذه الأهمية ليست حديثة العهد، بل هي قديمةٌ قديمةٌ، منذ أن قطَنها من أتى إليها من أقطار بعيدة، أو لنقُل: مَن أُسكنوا فيها؛ ألا وهم (المغاربة)، الذين استعان بهم صلاح الدين الأيوبي في حروبه مع الصليبيين لتحرير بيت المقدس، وتطهير المسجد الأقصى منهم، وقد أتوا من أقطار المغرب العربي جميعها، وهي المعروفة الآن: ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وليس كما يتوهم البعض أن الأمر مقتصر على القطر المغربي، المعروف بالمملكة المغربية.

ومن بعد صلاح الدين، ظلَّت هذه الحارة بالكامل وقفاً من ابنه الملك الأفضل بعد تحرير المدينة من الصليبيين؛ حيث أوقفها على المجاهدين (المغاربة) الذين شاركوا في الفتح الصلاحي؛ وبقيت باسمهم.  وعلى مر الزمان انتشرت فيها الأوقاف المتعددة من مدارس وأبنية ومصليات وزوايا وغيرها.

وقد خشي الملك الأفضل، رحمه الله، أن يعود الصليبيون إلى احتلال المسجد الأقصى من خلال هذه (الثغرة) المهمة، فأسكن فيها (المغاربة)، وقال في سبب ذلك: “أسكنت هناك من يثبتون في البر، ويبطشون في البحر، مَنْ أستأمِنُهم على هذا المسجد العظيم، وهذه المدينة”.

وقد كان هذا الوقف في هذه البقعة المباركة لعموم (المغاربة)، ولم يكن مقتصراً على طائفة دون طائفة، أو قطر دون قُطر. ويؤكد ذلك مؤرخ القدس، مجير الدين الحنبلي، ت 928هـ) في كتابه “الأُنس الجليل بتاريخ القدس والخليل” [2/46]، حيث يقول في معض حديثه عن الملك الأفضل: “ووقف أيضاً حارة المغاربة على طائفة المغاربة على اختلاف أجناسهم، ذكورهم وإناثهم“.

ثم إني لا أعلم من أوقاف مدينة القدس من كانت باسم طائفة معينة من (المغاربة) إلا ما كان من بلدة (عين كارم)، ومكان آخر يُعرف باسم (قنطرة أم البنات)، عند (باب السلسلة)، وهو من أبواب القدس القريبة من المسجد الأقصى، كانت فيه (زاوية أبي مدين الغوث)، وكانت هذه الأوقاف باسم أحفاد المجاهد والعالم الكبير أبي مدين الغوث، الذي جاهد مع صلاح الدين في الحروب الصليبية، وقطعت يده أثناء ذلك في بيت المقدس، ثم رجع إلى بلده، حيث توفي فيها، وهي مدينة تلمسان في القطر الجزائري.

وهذه الوقفية ثابتة بوثيقة موجودة في سجلات أوقاف القدس، ومؤرخة في سنة 720هـ. وقد أوردها المؤرخ والسياسي المغربي عبد الهادي التارزي، رحمه الله، في دراسته المعنونة “أوقاف المغاربة في القدس”.

وتنص هذه الوقفية أنها كانت مقتصرة “على السادات المغاربة المقيمين بالقدس الشريف والقادمين إليها من السادات المغاربة على اختلاف أوصافهم وتباين حرفهم ذكورهم وإناثهم كبيرهم وصغيرهم فاضلهم ومفضولهم لا ينازعهم فيه منازع ولا يشاركهم فيه مشارك”.

فعلى الرغم أن الوقفية كانت باسم أحفاد أبي مدين الغوث وذريته، إلا أن نفعها كان عامَّاً لعموم (المغاربة) المقيمين في بيت المقدس. بل إنها نصَّت على أمر عجيب، وهو حال انقطاع (المغاربة) في بيت المقدس، فقد جاء في أصل الوقفية ما نصُّه: “فإذا انقرض المغاربة ولم يُوجد منهم أحد مقيم بالقدس الشريف سواء كان ذكراً أو أنثى، فيرجع وقفاً على من يُوجد من المغاربة المقيمين في مكة المشرفة، زادها الله شرفاً، وعلى من يوجد منهم بالمدينة المنورة”.

وعلى مر الزمان، فإن هذه الأوقاف جميعها؛ سواءً ما أوقفَها الملكُ الأفضل على عموم المغاربة، أو ما كانت باسم أحفاد أبي مدين الغوث، قد تولى أمرَ إدارتها عمومُ من كان ينتسب إلى المغرب العربي بكل أقطاره؛ من ليبيين وتونسيين وجزائريين ومغربيين، ولم يقتصر الأمر على فئة دون أخرى، أو طائفة دون طائفة.

وبالتالي فلا يصح أن تُسمَّى البقعة المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك باسم (حارة المغرب) فحسب، ولا أن يُسمَّى هذا الباب المؤدي إلى المسجد الأقصى باسم (باب المغرب)، ولا أن تُترجم التسمية إلى (MOROCCO GATE)؛ لأننا بذلك نُسقط حق فئة كبير من (المغاربة) من إرثهم في هذا (الباب) وهذا (الحي).

كما أن حصر اسم هذا الباب في قُطر بعينه، معناه أن نُخلي مسؤولية باقي (المغاربة) في الدفاع عنه، أو المطالبة به، وهم الذين استأمنَهم القائد صلاح الدين الأيوبي عليه، ومن بعده ابنه الملك الأفضل على هذه البقعة المهمة والاستراتيجية في بيت المقدس.

وأخيراً، فإن حصر اسم الباب باسم قُطر بعينه، معناه أن تقتصر المطالبة به على أبناء هذا القطر وحدهم، أو حكومتهم، بينما المُطالب بذلك عموم المغاربة، وعموم الدول المغاربية، بل عموم العرب والمسلمين، حكومات وشعوباً مُطالبون بالدفاع عن باب المغاربة، وعن حارة المغاربة، وعن بيت المقدس، وعن كل فلسطين.